الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   18 أيار 2021

| | |
أهي هبة أم انتفاضة أم تباشير ثورة؟ (1)
غانية ملحيس

قد يكون من المبكر توصيف الهبة الفلسطينية الراهنة بانتفاضة أو ثورة. لكن المؤكد أنها تشكل بداية لمرحلة نوعية جديدة تختلف عن كل ما سبقها، وتمتلك مقومات التطور إلى ثورة واعدة بالتغيير.

فالثورات تحدث - كما تقول أستاذة التاريخ بجامعة إنديانا، ريبيكا إل سبانج - في لحظة تاريخية، عندما تتلاقى الاهتمامات المتباينةلعدد من المجموعات المختلفة، وتلتحم معًا لمدة من الزمن تطول أم تقصر. وهذا التلاقي والالتحام لا يُخطط له مسبقا. وعندما يحدثمصادفة، يسميه المؤرخون «حادثا طارئا»، رغم انه ينبني على أحداث أخرى بطريقة تجعل منع حدوثه متعذرا. ويصبح من غير الممكن التحكم بتطوراته. فلا يعود ما بعده كما كان قبله.

وتدلل شواهد التاريخ أن الأحداث الثورية التي تؤدي إلى تحولات جوهرية، لا تصنعها خطة استراتيجية. وأنها غالبا ما تفاجئالناس. الثوار وأعداء الثورة على حد سواء.

وأغلب الظن أن هذا ما يحدث الآن في فلسطين. فالهبة الشعبية الفلسطينية الحالية التي ينخرط فيها كل الشعب الفلسطيني داخلالوطن المحتل وفي مناطق اللجوء، وتشمل كامل أرض

فلسطين التاريخية وقد تمتد - عند استمرارها - إلى عموم المنطقة والإقليم حيث تتوفر كل عوامل التفجر. لم يخطط لها المقدسيون ولا فلسطينيوا العام 1948 ولا فلسطينيوا الضفة الغربية وقطاع غزة.

وبالتأكيد أنها لم تكن في حسبان أي من القوى والفصائل والتنظيمات والأحزاب والحركات الفلسطينية، لاستغراقها جميعا فيصراعاتها البينية على سلطة يقرر المستعمر الصهيوني حدود دورها. ولانشغال قادتها بالتنافس الانتخابي على مقاعد في الكنيست الإسرائيلي خلال الجولات الانتخابية المتتالية. وعلى مقاعد المجلس التشريعي لسلطة الحكم الذاتي في الضفة الغربية وقطاع غزة بالانتخابات التي تقرر إجراؤها أواخر أيار الجاري الذي استحق إجراؤها قبل أكثر من عقد، وتم إلغاؤها، في نهاية نيسان الماضيبذريعة منع إسرائيل إجرائها في القدس. ثم انشغال الطبقة السياسية الفلسطينية في اعقاب التأجيل بالمماحكات والاتهامات المتبادلة.

ولم تحظ قضية حي الشيخ جراح الملتهبة، ولا الاعتداءات المتكررة للمستوطنين والجنود الإسرائيليين على المصلين الفلسطينيين فيكنيسة القيامة في سبت النور، وعلى المصلين خلال شهر رمضان في المسجد الأقصى، باهتمام الطبقة السياسية الفلسطينية التي انشغل أقطابها بالتنافس الاستقطابي عبر كيل الاتهامات لبعضهم، رغم انعدام التمايز بينهم في الرؤى والبرامج.

فجاءت الهبة الشعبية التي فجرتها إرهاصات وتراكمات قرن كامل، لتفاجىء الجميع، الفلسطينيين والإسرائيليين والعرب والعالم. وباتمن المتعذر التحكم بتطوراتها في ظل التحام الغاضبين من مختلف أماكن التواجد الفلسطيني، وجاهزية القوى الإسرائيلية والفلسطينية المتنفذة لتوظيف اللحظة كل لخدمة مآربه.

لقد استدعى اليمين الصهيوني العنصري الفاشي الذي يتزعمه نتانياهو الشعب الفلسطيني عنوة للهبة. لاعتقاده بتوفر فرصة تاريخية مواتية - قد يتعذر تكرارها مستقبلا وينبغي عدم تفويتها - لتصفية القضية الفلسطينية واستكمال اجتثاث باقي الشعب الفلسطيني من أرض وطنه ودفعه خارجها، دون خوف من عقاب. مدفوعا برؤية استعمارية استعلائية عنصرية قصيرة النظر، وبجنون العظمة، وبطموحات شخصية للبقاء في الحكم، وبقراءة عاجزة عن فهم اتجاه تطور حركة التاريخ الإنساني، وتحليل قاصر لمعطيات اللحظة الراهنة والبناء عليها، وأبرزها:

  • حالة الضعف والانقسام والتشظي الفلسطيني غير المسبوق، والتكلس والعجز في دوائر صنع القرار، وفقدان الثقة الشعبية بالطبقة السياسية الفلسطينية السائدة.  
  • انهيار النظام العربي وتفكك دوله المركزية، وانشغال دول وشعوب الإقليم بالحروب البينية والأهلية، وبالصراعات الاجتماعية والطبقية التي أججتها تداعيات سياسات مواجهة جائحة الكورونا.
  • تغير قواعد التحالفات في عصر العولمة النيوليبرالية المتوحشة والحداثة السائلة. وقد أشار المفكر البولندي زيغمونت باومان في كتابه "الأخلاق في عصر الحداثة السائلة" إلى بعض الظواهر المرافقة للنيوليبرالية وتسيد معيار الربح السريع. وأهمها : تغير القيم، والهويات، وتسيل الحدود السياسية، وتراجع أهمية وتأثير الحواجز التقليدية. الذي عكستها بوضوح في منطقتنا العربية ظاهرة تكرار استدعاء الولايات المتحدة الأميركية لنشر قواعدها العسكرية في دول المنطقة على نفقة الدول المضيفة. ودخول بعض الأنظمة العربية بتحالف علني مع إسرائيل للاحتماء بها من أخطار أشقائهم العرب والمسلمين المستحدثة. وإبرام اتفاقات سلام معها في ذروة عدوانيتها وعنصريتها، برعاية أميركية (اتفاقات أبراهام)، دون اشتراط وفاء إسرائيل بالالتزامات التي تضمنتها مبادرة السلام العربية التي أقرها النظام العربي في قمة بيروت عام 2002. والاستقواء بهذه الاتفاقات لزيادة الضغوط السياسية والمالية على الشعب الفلسطيني، وتمويل انقسام نظامه السياسي الفلسطيني لتكريس الانفصال وتوظيفه لتطويع أطرافه، ودفعهم للتسليم بشروط التسوية السياسية الإسرائيلية -الأميركية، التي تم تضمين تفاصيلها في صفقة القرن، ومرتكزها مقايضة الاحتياجات المعيشية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة بالحقوق الوطنية والتاريخية لعمومالشعب الفلسطيني.
  • الاطمئنان إلى استمرار الدعم الأميركي اللامحدود بعد إعلان ادارة الرئيس بايدن أن أولوياتها الخارجية لا تشمل ملف الشرق الأوسط وتسوية الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، كما تراهن الطبقة السياسية الفلسطينية المتهاوية. وتأكيد التزامها بإرث الرئيس السابق ترامب لجهة الاعتراف الأميركي بالقدس عاصمة موحدة لإسرائيل خلافا لقرارات الشرعية الدولية. والإبقاء علىمقر السفارة الأميركية فيها. والتوجه لتوسيع اتفاقات أبراهام لتشمل دولا عربية وإسلامية جديدة، والالتزام بمواصلة توفير الحماية الأميركية لاستثناء إسرائيل من الخضوع للقوانين والاتفاقات والقرارات الدولية، بما فيها القوانين والاتفاقات المتصلة بحقوق الإنسان. ومنع المحكمة الجنائية الدولية من ممارسة ولايتها الإقليمية على الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 (الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، وقطاع غزة)، للتحقيق في شبهات ارتكاب إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. والاستمرار في توفير الحصانة لمرتكبيها للإفلات من الملاحقة والمساءلة القضائية.
  • الركون إلى تفاقم عجز المجتمع الدولي وانعدام قدرته على التأثير في ظل الهيمنة الأميركية وتنامي سيطرة اليمين العنصري في الدول المركزية في أوروبا وأميركا اللاتينية والهند ... إلخ، وانشغال باقي الدول بصراعاتها البينية وأزماتها الداخلية التي أججتها جائحة الكورونا وتداعيات سياسات مواجهتها على أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية.

فشجع، ذلك، نتانياهو الطامح للإفلات من الملاحقة القضائية على تهم الفساد الموجهة إليه، عبر البقاء في الحكم. وحفزه على الدفع بتحديد موعد نهائي للمحكمة في الثاني من أيار لإصدار قرار إخلاء حي الشيخ جراح من سكانه الفلسطينيين، ثم أجل الموعد ثلاثة أيام لقمع الاحتجاجات الشعبية، غير آبه بالتحذيرات والمناشدات الدولية.

ولزيادة الضغط على الفلسطينيين وترهيبهم، أعطى الأمر للجيش الإسرائيلي بحماية مسيرة حاشدة لعشرات آلاف المستوطنين المتطرفين في العاشر من أيار /الذي يوافق 28 رمضان/، تنطلق من القدس الغربية، وتصل الى منطقة الحرم القدسي الشريف الذييؤمه عشرات آلاف المصلين في العشر الأواخر من رمضان، لإثبات السيادة الإسرائيلية والاحتفال بذكرى توحيد القدس. وبالتوازي معذلك أغلق باب العامود لمنع المصلين الفلسطينيين من التواجد في الحرم القدسي بحجة الوقاية من فايروس كوفيد 19. ولم يلتفت إلى مخاطر تأجيج وتديين الصراع، ولم يأبه بتحذيرات أجهزته الأمنية والتنبيهات الأميركية والدولية. ولم يأخذ على محمل الجد تحذيرات حماس، وبدى وكأنه يستدرجها إلى مواجهة تتيح له البقاء في السلطة.

ولم يدر بخلده أن سلوكه الأرعن، واستبسال العائلات الفلسطينية المهددة بالاقتلاع من مساكنها في مواجهة عمليات الإخلاء، واستعداد المقدسيين وعموم الفلسطينيين للتضحية بالذات في ميدان الاستشهاد دفاعا عن وجودهم ومقدساتهم، سيسهم في تسريع استدعاء الذاكرة الجمعية الفلسطينية لوقائع النكبة الفلسطينية عام 1948. بعد ان أسهمت في إحيائها سياساته وسلوكياته المتواصلة باستكمال تهويد الجليل والنقب ومحاولاته المستميتة بالاستحواذ على ما تبقى من ممتلكات مواطنيه الفلسطينيين في يافا وحيفا وسائر المدن والقرى الفلسطينية المختلطة، وفي ضواحي القدس ومدن وقرى الضفة الغربية والأغوار لتسريع عملية التطهير العرقي في كامل فلسطين التاريخية، واستكمال استبدال فلسطين بإسرائيل، واستبدال شعبها العربي الفلسطيني بالمستوطنين اليهودومن يتم تهويدهم، الذين تتمكن الحركة الصهيونية من استقطابهم من مختلف انحاء العالم ودفعهم للهجرة إلى فلسطين.

فتفاجأ ونظامه ومستوطنيه وحلفائهم العرب والدوليين بتدافع الشعب الفلسطيني، الذي انخرطت مكوناته تباعا في هبة شعبية شاملة للكلالفلسطيني داخل الوطن وخارجه للدفاع عن وجودهم وبقائهم الجماعي المهدد، والذي ما تزال حلقاته تتابع للقرن الثاني على التوالي.

وفاجأتهم، كذلك، جاهزية حماس لتوظيف الفرصة وإثبات قدرتها وأهليتها للقيادة وملء الفراغ السياسي الذي تسبب فيه جمودالسلطة وتفتت حزبها الرئيسي، وغيابها عن المشهد الفلسطيني المتفجر في حي الشيخ جراح والمسجد الأقصى وباب العامود، واستمرار تمسكها بالتنسيق الأمني الذي بات عموم الشعب الفلسطيني يسمه بالخيانة. إذ لم يستطع ان يمنع مصادرة الأراضي الفلسطينية واقتلاع الأشجار واتلاف المحصولات. ولم يوقف الاجتياحات المتكررة للمدن والقرى والمخيمات الفلسطينية. ولم يحم الأطفالوالنساء الفلسطينيات من اعتداءات المستوطنين المتواصلة واعتقالات الجيش الإسرائيلي. ولم ينجح في إطلاق أي من الأسرى الفلسطينيين حتى الأطفال والنساء الذين يتم حبسهم إداريا لفترات طويلة تمتد لسنوات، أو أولئك الذين انتهت مدة محكوميتهم. وانحصرت فاعلية التنسيق الأمني في منح التسهيلات للمتنفذين في السلطة، وتحويل ضريبة المقاصة لتمويل نفقات السلطة بعداقتطاع إسرائيل ما تقرر حظره ومصادرته، لمنع سقوطها بسبب حاجته لدورها كوكيل محلي مكلف بكبح المقاومة وملاحقة الناشطين الفلسطينيين.

فيما أسهم إطلاق حماس - رغم التفاهمات الخاصة بالتهدئة التي ترعاها وتمول استدامتها بعض الدول العربية بموافقة إسرائيل - صاروخا تحذيريا لنصرة القدس، أثبت جدواه بوقف مسيرة المستوطنين وتعطيل إخلاء العائلات الفلسطينية من حي الشيخ جراح.

 ولم يدر بخلد نتنياهو الذي يتزعم اليمين المتطرف ويقود الشعب الإسرائيلي نحو المجهول، أنه بغروره وحساباته الخاطئة، إنمايسهم في استقدام اللحظة التاريخية التي تحدثت عنها أستاذة التاريخ الأميركية كما سبقت الإشارة، لجهة تلاقي الاهتمامات المتباينة لكافة مكونات الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل بثقلهم الديموغرافي الموازن والمتجه نحو التفوق بفعل ارتفاع معدلات النمو السكاني الفلسطيني وتراجع معدلات الهجرة اليهودية الى إسرائيل. ما سهل التحام الفلسطينيين معا، ومع النصف الفلسطيني الآخرفي مناطق اللجوء حيث غالبيتهم الساحقة في الدول المحيطة بفلسطين يواجهون مخاطر الإبادة والاقتلاع والتهميش وتوقف خدماتالاونروا، وينتظرون خلاصهم بممارسة حقهم بالعودة إلى وطنهم. فأجهض برعونته نتائج الجهود التي بذلتها إسرائيل وحلفائهاالاستعماريين على مدى 73 عام لتفريقهم.

وأكثر ما فاجأ نتنياهو والطبقة السياسية الإسرائيلية وعموم يهود إسرائيل، انبعاث طائر الفنيق الفلسطيني الذي استكان داخل أراضي العام 1948 و ظنوا ومعهم بعض الفلسطينين وكل العرب والعالم، انه انقرض وتبدل وتأسرل وتم تطويعه عبر حكم عسكري فاشي، عزل فلسطينيي 1948 عن أشقائهم الفلسطينيين ومحيطهم العربي وعن العالم أجمع، وتم التنكر لهويتهم الوطنيةالفلسطينية فسموا "بعرب إسرائيل "، وأخضعوا لقوانين الحكم العسكري فور إنشاء دولة إسرائيل قبل 73 عام، الذي استدام قرابة عقدين تم خلالهما الاستفراد بهم، فصودرت أراضيهم وممتلكاتهم، ومنعوا من العودة إلى قراهم الأصلية التي تم تدميرها (530)، وأنشأت المراكز الاستيطانية اليهودية فوق أنقاضها. وحصروهم في مناطق مغلقة تزداد محدوديتها عبر الزمن، وحاصروهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيًا، ولم يرفع الحكم العسكري عنهم إلا عام 1966 عند استكمال جهوزية إسرائيل لاحتلال باقي الوطن الفلسطيني مع أراض عربية أخرى عام 1967.

وهُيئ للجميع أن فلسطينيي العام 1948 قد تم إخضاعهم واستيعابهم وتطويعهم بمنحهم جنسية المستعمر، وتقسيمهم طائفيا، وتجنيد قلة منهم في جيش العدو، وتمثيلهم صوريا في الكنيست الإسرائيلي لإضفاء الطابع الديموقراطي على المستعمرة الصهيونية، التي بلورت منظومة قانونية عنصرية (62 قانون) تمس مختلف جوانب حياة الفلسطينيين وتحتجز نموهم وتعيق تطورهم وتحصر نشاطهم في المجالات الخدمية التي يحتاجها المستعمر. ثم استثنوهم عام 2018 بموجب قانون القومية العنصري من حق تقرير المصير الذي قصروه على المستوطنين اليهود فقط. مطمئنين إلى صمت العالم، وخنوع القيادة الفلسطينية التي ارتضت في اتفاقيات أوسلو أسرلة فلسطينيي الداخل (نحو 2 مليون) عندما اعترفت رسميا بدولة إسرائيل في حدود العام 1948، واعتبرتهم بذلك مواطنين إسرائيليين يخضعون للسيادة الإسرائيلية.

وزاد اطمئنان الطبقة السياسية الإسرائيلية المسيطرة بعد تنامي العنف داخل المجتمع الفلسطيني وتزايد الصراعات العشائرية والقبلية التي اججتها وسلحتها إسرائيل، والاختراق السياسي لقياداتهم المهيمنة على فلسطينيي 1948، وانشقاق القائمة المشتركة. وضللهم أيضا نجاح نتانياهو في استقطاب القائمة الموحدة التي تمثل الحركة الإسلامية (الشق الجنوبي). وأخطأوا في فهمهم لدلالات ضعف إقبال الجماهير الفلسطينية على المشاركة بانتخابات الكنيست في الجولة الأخيرة، فاستهانوا بقدرات فلسطينيي الداخل الذين يشكلون خُمس سكان الدولة، وبتداعيات تفجر غضبهم.

ولم يقدروا، أيضا، تداعيات تبدد أحلام سكان الضفة الغربية وقطاع بالاستقلال والدولة، بعد تقويض فرص قيامها بفصل قطاع غزة واحكام محاصرته، وبتسريع التوسع الاستيطاني الإسرائيلي في القدس والضفة الغربية، وتقاعس المجتمع الدولي في تنفيذ قرارته، وتخلي النظام العربي عن مسؤولياته اتجاه القضية الفلسطينية. فتلاقت اهتماماتهم مع اهتمامات باقي مكونات الشعب الفلسطيني، وتأهبوا للالتحام بشعبهم والالتحاق بالهبة.

كما لم يقدروا مخاطر استمرار العبث بمصير اللاجئين الفلسطينيين (حوالي 7 مليون)، بداية باستهداف مخيماتهم بالتصفية فيالحروب، ثم استثناءهم من أولويات اتفاق أوسلو، ثم الضغط لتصفية الأونروا وقطع التمويل عنها قبل حل قضيتهم، وتكثيف الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية على الدول المضيفة لاجتثاث المخيمات واستيعاب اللاجئين، والتواطؤ مع بعض الحكومات العربية والأجنبية لإعادة توزيعهم، لتصفية قضيتهم، فجاءت الهبة لتعيد الأمل لهم، وتدفقوا على الساحات والميادين والحدود معفلسطين لدعم الهبة.

وعليه، فان الهبة الفلسطينية الراهنة التي حفزها نضوج الوعي الجمعي الفلسطيني في ضوء ما تراكم من خبرات حسية دفعت المكونات الفلسطينية كافة ثمنا غاليا لاستخلاص دروسها وعبرها، حول أسباب إخفاق مقارباتهم للتحرر على مدى نحو قرن، وباتوا جميعا على يقين كامل بأن المعضلة لا تكمن فقط في الاجتهادات والمناهج الخاطئة التي امتهنوها والبدائل المختلفة التي اختبروها جميعا، وما يزال البعض الفلسطيني الغافل يلوم منتهجيها على سوء خياراتهم وحساباتهم الخاطئة، التي تعود جميعها الىانعدام الإدراك لطبيعة المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري، الذي يربط استمرار وجوده ومستقبله بنفي الوجود الفلسطيني وتغييبه كليا. ما يحصر الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي في دائرة الصراع الوجودي الذي يقتضي حسمه لصالحالشعب الفلسطيني مقاربات مختلفة. مدركة لطول أمد الصراع، ولقوانين إدارته، وللحاجة الماسة إلى بلورة رؤية واضحة للمستقبل الفلسطيني المأمول بلوغه. ترتكز على فهم عميق لتعذر إعادة عجلة التاريخ للوراء، وتنطلق من ذلك لصوغ مشروع نهضوي إنساني تحرري نقيض للمشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني العنصري ومؤهل لهزيمته. يسعى لكسر الدائرة التي أحكم تقاطع المشروعالاستعماري العام للقوى الإمبريالية المتنفذة مع المشروع الخاص للحركة الصهيونية انغلاقها على مدار أكثر من قرن، واستهدف عبرتجنيد ضحايا العنصرية الأوروبية والسعي لحل المسألة اليهودية في بلادهم بتصديرها لبلادنا. وتزوير التاريخ واختلاق الأساطيرالدينية حول الوعد الإلهي لشعب الله المختار، وتوظيف المخاوف الوجودية للناجين من المذابح اليهودية في اوروبا، بدعوى إنقاذهم عبر الزج بهم في فلسطين، وتجنيدهم لتنفيذ المشروع الاستعماري ا لعام والخاص، ووفروا بذلك مستلزمات احتجازهم في صراع وجودي مستمر مع ضحاياهم الفلسطينيين الجدد، بتكرار جرائم الإبادة والتطهير العرقي بحقهم، ما يبقي على حاجة الضحايا اليهودلحماية جلاديهم، ويؤمن بذلك استمرار انخراطهم بالدور الوظيفي المسند إليهم كوكيل استعماري في المنطقة.

مرتكزات الرؤية المستقبلية والبرنامج النهضوي التحرري المؤهل لهزيمة المشروع الاستعماري الصهيوني العنصري تقع خارج نطاقاهتمام هذا المقال على ان يتم الاهتمام بذلك لاحقا في مقالات أخرى.

وما يعنينا في هذا المقال حصريا، التأكيد على أن الهبة الشعبية الفلسطينية الراهنة، لن تكون كسابقاتها من الهبات والانتفاضات المتتالية التي عرفتها فلسطين على مدى أكثر من قرن، بدءا بهبة العام 1920، وثورة يافا عام 1921، وهبّة البراق عام 1929، وثورة القسّام 1930- 1935، والإضراب الأطول في التاريخ عام 1936، والثّورة 1937-1939، والمقاومة الباسلة في أربعينيّات القرن الماضي، وإرهاصات العمل الفدائيّ في الخمسينيّات، وانطلاق الثورة المعاصرة عام 1965، ومعركة الكرامة عام 1968، وهبّة يوم الأرض عام 1976.

مشاركة: