الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   27 أيار 2021

| | |
أهي هبة أم انتفاضة أم تباشير ثورة؟ (2)
غانية ملحيس

لعل أكثر ما يثير الانتباه في الوضع الفلسطيني سرعة الالتحام بين كافة مكونات الشعب تحت كثافة نيران العدو ، فيخيل للمرء أن كي الوعي الفلسطيني بنيران العدو قد اكتمل . ذلك أن لهيبه لم يقتصر هذه المرة على قطاع غزة وإن كان الأشد . بل شمل الكي لأول مرة وعي فلسطينيي 1948 الذين يشهدون حاليا أعنف هجمة إرهابية يشنها عليهم جيش الدولة اليهودية - وفقا لتعريفها في قانون القومية - وعصابات مستوطنيها تحت شعار "فرض القانون والنظام " .

وتتكثف في القدس وضواحيها حيث تتسارع وتائر التطهير العرقي في أحيائها تباعا ، وتشتد في حي الشيخ جراح وسلوان . وتغطي كافة مناطق الضفة الغربية بما في ذلك مركز سلطة الحكم الذاتي في رام الله ، التي تشهد اغتيال الفتية الفلسطينيين على مرأى ومسمع القيادة وقوى الأمن الفلسطينية .

 وكان يعتقد أن ما حدث في الجولة الأخيرة - التي ما تزال وقائعها تجري على امتداد الوطن الفلسطيني ، وإن هدأت كثافة نيرانها بعد وقف اطلاق النار الهش وغير المشروط في محور غزة - قد أنضج الوعي الجمعي الفلسطيني . فباتوا على يقين تام - بعد أكثر من قرن من الصراع مع الغزاة الصهاينة - . بأن الفلسطينيين جميعا في دائرة استهداف جيش ومستوطني المستعمرة الصهيونية ، بغض النظر عن أصولهم الإثنية وانتماءاتهم الدينية والعقائدية والسياسية والتنظيمية والحزبية وفئاتهم العمرية . وأن العدو الصهيوني العنصري لا يستثني حتى المطبعين والمنسقين الأمنيين منهم والمستسلمين لقدرهم . بل ويستهدف حتى من يتشابه من اليهود مع الفلسطينيين في الشكل ، كما حدث مع الطبيبة اليهودية في القدس الغربية مؤخرا ، عندما انقض عليها المستوطنون المتوحشون وجنود الجيش بالعصي والسكاكين فطعنوها وشوهوا وجهها. فالمجمع الاستعماري الصهيوني العنصري ، يرى في الفلسطينيين جميعا نقيضا وخطرا وجوديا ينبغي التخلص منه .

 لكن أكثر ما يثير الاستغراب في الوضع الفلسطيني سرعة تفكك لحمة الطبقة السياسية الفلسطينية حتى قبل أن يخبو اللهيب ، فنرى مكوناتها كافة ، من كان في أتون النار ومن توارى طيلة المواجهة وافتقدنا حضوره الصاخب المعتاد خصوصا عند إصدار المراسيم الانتخابية بالإجراء والإلغاء . فاستعجلوا العودة إلى المناكفات حتى قبل أن تجف دماء الشهداء والجرحى النازفة بغزارة في جنوب الوطن وعلى امتداده . وباتوا يتسابقون في اثبات أهليتهم لإدارة موارد العون التي اعتاد رعاة إسرائيل تقديمها لإعادة الإعمار بعد جولات القتل والتدمير المتتابعة ، لإزالة الأنقاض وتعمير ما يحتاجون لقصفه مجددا في الجولة التالية .

 بل إن أكثر ما يثير الدهشة والحنق في الوضع الفلسطيني امتهان جميع السياسيين وبعض المثقفين مهنة التحليل ببراعة العلماء والخبراء ، التي تتجلى مظاهرها بالقفز السريع إلى استنتاجات قاطعة لنتائج المواجهة ، والوصول الى استخلاصات توجهها أهداف سياسية ذات علاقة بالصراع الاستقطابي بين مراكز القوى الفلسطينية . في انتهاك فج لحرمة الشهداء والجرحى وعذابات المنكوبين والمشردين ، ودون التبصر بالأخطار الجسيمة لتداعيات ما يفعلونه على الكل الفلسطيني :

 - سواء بالتهويل في تقييم نتائج المواجهة العسكرية تحت وقع المفاجأة وتأثير العواطف والرغبات ، ما يقود إلى التضليل واستسهال الوقوع في فخ الاستدراج لخوض مغامرات سياسية أو عسكرية غير محسوبة. تجهض جل ما تم إنجازه من مكتسبات مهمة ، يتوجب حمايتها ومنع تبديدها والعمل على تكريسها والمراكمة عليها .

 - - أو بالتشكيك بإنجازات عظيمة عبر مقارنات حسابية سطحية تبرز الاختلال الهائل بين الخسائر المادية الفلسطينية والاسرائيلية . وتجاهل حقيقة أن ما من ثورة منتصرة في التاريخ الإنساني المدون ، تقاربت فيها الخسائر المادية بين المستعمر والشعب الواقع تحت الاستعمار في جولات الصراع المتتابعة . وتعمد إغفال الانعكاسات الإيجابية ذات الأبعاد الاستراتيجية للمواجهة العسكرية البطولية على مستقبل الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي ، حتى مع انخفاض فاعلية الصواريخ البدائية الفلسطينية محلية الصنع ، التي غطت سماء المستعمرة الصهيونية واخترقت حصون القبة الحديدية - التي تشكل أحدث ثمار التعاون بين الصناعات العسكرية والامريكية - ولو لم تحدث خسائر بشرية ومادية كبيرة قياسا بما ألحقته لأسلحة الاسرائيلية الغربية المتطورة بالشعب الفلسطيني . فحصيلة المواجهة تحتاج إلى قراءة متبصرة وتتبع حثيث لجهة تأثيرها في تنمية الوعي المعرفي للشعبين الفلسطيني والاسرائيلي أساسا ، وفي إيقاظ وعي الشعوب العربية والإسلامية . وفي تنوير الوعي المعرفي لشعوب العالم أجمع بطبيعة الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي وجذوره العميقة التي تعود إلى بداية الغزوة الاستعمارية الغربية الصهيونية منذ أكثر من قرن . ويحتاج تناولها إلى جهود بحثية تتناول نتائج ما تتوصل إليه في مقالات أخرى.

يزيد من المخاطر أعلاه غياب المرجعيات والمعايير المشتركة التي يمكن أن يحتكم إليها الكل الفلسطيني في تحديد وقياس الإنجازات والإخفاقات ، بما يسهم في بلورة توافق فلسطيني حول المعايير الموضوعية التي يمكن الاحتكام إليها للتمييز بوضوح بين النصر والهزيمة .

وقبل المضي قدما في الإجابة على السؤال المطروح في عنوان المقالات التي ستتابع للإسهام في بلورة توافق عام حول طبيعة الهبة الشعبية الفلسطينية وإمكانية ومستلزمات تحولها إلى انتفاضة شاملة تؤسس لثورة تحررية.  فقد وجدت لزاما البدء بتعريف المصطلحات لتحديد إطار مرجعي ننطلق منه جميعا.

مشاركة: