الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   06 حزيران 2021

| | |
أهي هبة أم انتفاضة أم تباشير ثورة؟ (3)
غانية ملحيس

تتميز الهبة الشعبية الراهنة عن سابقاتها من الهبات والحراكات والانتفاضات - كما سبقت الاشارة في المقالين السابقين - بالتحام كافة مكونات الشعب الفلسطيني ميدانيا لأول مرة منذ النكبة الأولى عام 1948، وانخراطها جميعا في مواجهة الخطر الوجودي الصهيوني. ما أسهم بإنضاج وتعميق الوعي الجمعي بوحدة الشعب ورسوخ هويته الوطنية.

وتمكنت بشمولية لهيبها كامل الجغرافيا الفلسطينية. وبتلاحم أدواتها الكفاحية السلمية والعسكرية، وتجنبها للمرة الأولى في تاريخ الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي الدخول في حصار الخيار الأوحد - حيث يمنح القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاستعمار الحق باستخدام كافة أشكال النضال لبلوغ مساعيها التحررية -.

ونجحت في إعادة إدراج القضية الفلسطينية العادلة على جدول أعمال المجتمع الدولي، كقضية شعب تعرض لظلم تاريخي يناضل من أجل نيل حقوقه الإنسانية الأساسية في الحرية والعودة وتقرير المصير، التي تكفلها كافة الشرائع والقوانين الدولية.

وعلى الرغم مما أخذه البعض الفلسطيني على استخدام المقاومة للصواريخ في مناصرة هبة المقدسيين، واعتبروه حرفا ضارا للأنظار بسبب انجذاب وسائل الإعلام لتغطية المواجهة المسلحة الفلسطينية - الاسرائيلية الأخيرة طيلة أحد عشر يوما. واستجد فيها مشهد صواريخ المقاومة البدائية محلية الصنع محدودة الفاعلية، وهي تنطلق من قطاع غزة وتغطي سماء المستعمرة الصهيونية الأقوى عسكريا والمتفردة إقليميا بامتلاك السلاح النووي. ما استأثر بانتباه شعوب ودول العالم على امتداد الكرة الأرضية.

فقد أسهمت صواريخ غزة - حتى لو كان لها غايات أخرى - التي رافقت الهبة الشعبية في كامل الوطن الفلسطيني بتنبيه الفلسطينيين لحقيقة أغفلها الكثيرون. وهي أن لا حدود للقدرة عندما يمتلك الانسان هدفا ويسعى لبلوغه، مهما قست عليه الظروف.

كما اسهمت بكي وعي الاسرائيليين بحقيقة تعاموا عنها، وما يزالون. وهي أن للقوة مهما طغت حدود لا تقوى على تجاوزها. وأن لا أمن ولا استقرار ولا مستقبل لهم في البلاد - حتى لو أذعنت كل الأنظمة العربية وانضمت لاتفاقات أبراهام - طالما استمروا بالتنكر لمسؤوليتهم عن النكبة، وواصلوا تجاهل حق الشعب الفلسطيني بالحرية والعودة وتقرير المصير على أرض وطنه.

وأعادت الاعتبار فلسطينيا لجدوى تلاحم الأدوات الكفاحية العسكرية والسلمية. بعد أن عمت ثقافة انعدام جدوى استخدام السلاح في مقاومة المستعمر الصهيوني بذريعة هول قدراته التدميرية. وكادت أن تحتل الوعي رغم غياب الأدلة. حيث لم تخل تجربة تحررية ناجحة من استخدام الكفاح المسلح ضد الغزاة المستعمرين، دون أن تقتصر عليه. لسبب بسيط، أن المستعمر ورعاته الدوليين لا يفهمون سوى حسابات الربح والخسارة. ‏وأن قراراتهم بإدامة الاستعمار ودعمه أو إنهائه والتخلي عن رعايته. رهن بكلفته البشرية والاقتصادية والسياسية والاخلاقية. فلا ينتهي إلا عندما تتفوق الأعباء التي يتحملونها على العوائد التي يجنونها.

ولفتت أنظار العالم إلى طبيعة إسرائيل الفاشية. فهاله حجم القتل والدمار الذي ألحقته المستعمرة الصهيونية بالشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر برا وبحرا وجوا منذ عقد ونصف. والمنقولة وقائعه بالبث الحي المباشر على وسائل الإعلام.

ولأول مرة، لم تحرف الصواريخ الفلسطينية الرؤية. بل أسهمت في إيقاظ العالم وتذكيره بجذور الصراع. ولعبت وسائل التواصل الاجتماعي - التي حولت ملايين الفلسطينيين المقيمين على أرض وطنهم إلى مراسلين ميدانيين - دورا حيويا في تمكين شعوب العالم من متابعة المواجهات الدامية الجارية بالتوازي مع المواجهة العسكرية على امتداد فلسطين. حيث يواصل الجيش الاسرائيلي والمستوطنون الصهاينة المدججون بالأسلحة عملية التطير العرقي ضد الشعب الفلسطيني الأعزل للعقد الثامن على التوالي. لاقتلاع من تبقى من السكان الأصلانيين من أراضيهم وبيوتهم في يافا وحيفا واللد والرملة والجليل والنقب والقدس والشيخ جراح وسلوان والأغوار. ويقتحمون دور العبادة ويعتدون على المصلين في كنيسة القيامة والمسجد الأقصى، بدعوى الوعد الإلهي بتخصيص فلسطين لشعبه المختار حصريا. وهي ذات الذريعة التي سبق واستخدمها أسلافهم الأوروبيون لتخليص القبر المقدس، فأقاموا مستعمرة استيطانية إفرنجية " صليبية " في فلسطين دامت نحو قرنين فبل أن تهزم منذ عشرة قرون.

واستدعت ذاكرة شعوب العالم وهم يراقبون بذهول مشاهد عودة العنصرية والفاشية والنازية على أيدي ضحاياها. ولفتهم ما أصبحت عليه دولة الملاذ التي استحدثها الغرب الاستعماري بذريعة إيواء الضحايا اليهود، الذين تواطأت عليهم حكوماتهم والحركة الصهيونية، وتعاونوا مع النازية لتسيير قوافل اليهود إلى المحرقة. ثم وظفوا "الهولوكوست". ونظموا النقل الجماعي للفارين من جحيمها إلى فلسطين. وزودوهم بالسلاح والعتاد لتحرير وطنهم الموعود من أهلها المقيمين فيها منذ آلاف السنين والحلول مكانهم.

وهالهم كيف تحول ضحايا النازية إلى نسخة مطابقة لجلاديهم. وكيف باتت الدولة الوليدة خلال بضعة عقود أكبر قوة عسكرية في الشرق الاوسط. والوحيدة عالميا التي تمتلك سلاحا نوويا خارج إطار الرقابة الدولية. والمستثناة من نفاذ الاتفاقات والقوانين والقرارات الدولية، بما في ذلك المتعلقة منها بحقوق الإنسان. والمحصنة من الملاحقة والمساءلة على جرائم الإبادة والحرب والجرائم ضد الإنسانية التي تواصل ارتكابها ضد الأجيال الفلسطينية المتعاقبة، داخل الوطن المحتل حيث ما يزال يقيم نصف الشعب. وفي مناطق اللجوء حيث يقيم نصفه الآخر ويمنع من ممارسة حقه بالعودة إلى وطنه. في الوقت الذي يستدعى فيه يهود العالم ومن يريد أن يتهود لترك أوطانهم الأصلية واستيطان فلسطين.

وكشفت الهبة جاهزية الرأي العام العالمي لمراجعة أخطاء النظام الدولي ومسؤوليته عن المظلومية التاريخية التي لحقت بالشعب الفلسطيني. فتدفقت شعوب العالم بعشرات الآلاف إلى الساحات والميادين لمناصرة العدالة ومناهضة العنصرية والفاشية، والدفاع عن حقوق البشر المتساوية في العيش الآمن الحر الكريم في أوطانهم وتقرير مصيرهم فيها. وأكدوا رفضهم لمواصلة استثناء الشعب الفلسطيني من التمتع بحقوقه.

والغريب أن الطبقة السياسية الفلسطينية التي فاجأتها الهبة ربما أكثر مما فاجأت الآخرين، لم تلفتها التطورات النوعية غير المسبوقة التي أحدثتها.

وعوضا عن التقاط اللحظة التاريخية وتوظيف تداعياتها الإيجابية الداخلية والخارجية لإعادة بناء نظام سياسي فلسطيني مؤهل. يحفظ المنجزات المهمة التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية خلال مسيرتها الكفاحية الممتده بتضحيات جسيمة. ليحل محل النظام القائم الهرم العاجز. فيحافظ على تواصل المراحل النضالية، ويقود المرحلة النضالية الجديدة الواعدة بالتغيير.

سرعان ما عاد أقطابها إلى ذات الممارسات المدمرة للذات فور توقف المواجهة العسكرية دون شروط. وحتى قبل أن تجف دماء الضحايا وكثيرهم ما يزال تحت الانقاض. ولم يمنعهم تصاعد الهجمات الاسرائيلية التي ازدادت عنفا ووحشية ضد الشعب الفلسطيني داخل مناطق 1948، وضد المقدسيين في حي الشيخ جراح وسلوان، وضد المصلين في المسجد الأقصى. التي انطلقت الصواريخ لمؤازرتهم وتحمل أهل قطاع غزة العبء الأكبر لنصرتهم.

فعادت قيادات الطبقة السياسية إلى سيرتها الأولى في تبادل الاتهامات وتوظيف تضحيات الشعب لحسم صراعاتها على المواقع والنفوذ. واحتدم النقاش مجددا حول جدوى المناهج الكفاحية السلمية والعسكرية. وتكرر استخدام انتفاضة الحجارة باعتبارها نموذج ناجح للمقاومة السلمية كان يمكن أن يقود لدولة فلسطينية لو لم يتم إجهاضها باتفاق أوسلو. فيما انتفاضة الأقصى التي انتهجت الكفاح المسلح أدت إلى تقويض فرص قيامها. وهو أمر يستدعي البحث المعمق -الذي يتجاوز قدرة مقال - للتدقيق من مدى صحته.

ومع ذلك، قد يكون من المفيد إجراء مراجعة سريعة لتجربتي الانتفاضتين اللتين يتم استخدامهما بكثافة في التجاذبات الداخلية عند انسداد الآفاق. وفي المراحل المفصلية -كالتي تتيحها الهبة - حيث تؤكد تداعياتها الداخلية والخارجية جدوى التكامل بين المناهج. ما يعطي الأمل بفتح باب التغيير لإنهاء النظام السياسي الفصائلي القديم العاجز، الذي تأسس لتوحيد الشعب الفلسطيني وقيادته نحو تحرير وطنه فحقق منجزات مهمة يتوجب حمايتها. لكنه تمأسس وتكرس طوال نصف قرن على التمايزات والاختلافات العقائدية والفصائلية والحزبية بامتداداته الخارجية. ما قوض قدرته على إنجاز المهمة التي كلفه الشعب الفلسطيني بها.

وأبرزت الهبة في ميادين المواجهة، توفر الفرصة لانبثاق نظام سياسي وطني جديد عابر للفصائل والتنظيمات والأحزاب. قادر على حشد كافة القوى والمكونات الفلسطينية، ومؤهل لقيادة النضال الوطني التحرري الفلسطيني وتوفير موجبات هزيمة المستعمر.

فتجربة انتفاضة الحجارة في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بسلاحها البدائي واستمرارها لهيبها لسنوات، وانخراط كافة أبناء الشعب الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة عام 1967، والوحشية الاسرائيلية اللافتة في مواجهتها وعجز سياسة تكسير العظام عن إخضاع الشعب الفلسطيني. جذبت انتباه وتضامن العالم أجمع. وفتحت أعين يهود إسرائيل، بعد أن ساد لديهم اعتقاد بأن اقتلاع الثورة الفلسطينية من آخر معاقلها في لبنان عام 1982 ونفي منظمة التحرير الفلسطينية إلى الأقاصي البعيدة، كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار لإسرائيل. فذكرتهم الانتفاضة الشعبية بأن قضية الشعب الفلسطيني لا ترتبط بتنظيمات أو نخب أو أشخاص. وإنما بشعب متجذر في وطنه لن يستكين حتى بلوغ حقوقه الإنسانية الأساسية في الحرية والعودة وتقرير المصير. فبدأ القلقون من استمرار الصراع على مستقبل أبنائهم، بالبحث عن مخارج سياسية تنزع فتيل تطور الانتفاضة الشعبية إلى ثورة تحررية. وتقاطع استعدادهم غير المسبوق للبحث في البدائل الممكنة، مع الجاهزية الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية للبحث عن مخارج لأزماتهم الذاتية. والتقطت الولايات المتحدة الامريكية الفرصة التاريخية التي أتاحها استفرادها بالقيادة الدولية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار المعسكر الاشتراكي. فعقدت مؤتمر مدريد عام 1991، الذي اعترف للمرة الأولى بالشعب الفلسطيني كطرف في الصراع - وإن بصيغة ملتبسة ومواربة تحت غطاء وفد أردني - فلسطيني مشترك. استقل لاحقا بمسار تفاوضي منفصل في مفاوضات واشنطن. ولم يتمكن من تحقيق إنجاز بسبب شروط فلسطينية للتسوية الممكن قبولها، تتجاوز ما يتيحه واقع موازين القوى المختل بشدة لصالح إسرائيل وحلفائها. فتم فتح مسار مواز في أوسلو لمفاوضات مباشرة بين طرفي الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، تأخذ بعين الاعتبار واقع اختلال موازين القوى. تمخض عن اتفاق إعلان مبادئ حول حكم ذاتي انتقالي للسكان لخمس سنوات، تركت نهاياته مفتوحة لاستيعاب ما تسفر عنه تطورات الصراع على الأرض خلال المرحلة الانتقالية.

ولم يكن بالإمكان إبرام الاتفاق لولا انتفاضة الحجارة. وكان يمكن أن تكون شروطه أقل إجحافا، لو كان النظام السياسي الفلسطيني أكثر نضجا وصلابة وكفاءة.

وعلى الرغم من سوء الاتفاق وإجحاف شروطه، إلا أنه أتاح لأول مرة منذ النكبة،فرصة مقيدة للشعب الفلسطيني لمواصلة مسيرته التحررية من داخل وطنه.

وبدون الدخول في الأسباب التي أدت إلى إخفاق تجربة الحكم الذاتي الفلسطيني في التطور والتأسيس لإقامة دولة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، والتي تحتاج الى مراجعة نقدية شاملة ودقيقة منفصلة لتحديد أسباب الإخفاق الذاتية والموضوعية.

فإن المؤشرات تدلل على مسؤولية رئيسة يتحملها النظام السياسي الفلسطيني. تعود أساسا لافتقاره إلى رؤية واضحة عند انخراطه بعملية التسوية. وإلى جهل معرفي بالعدو من جهة، وبقواعد ومستلزمات إدارة شؤون شعب تحت استعمار استيطاني اقتلاعي - إحلالي يسعى للتحرر خلال مرحلة انتقالية مفتوحة النهايات من جهة أخرى. وفاقم الأمر سوءا غياب مشروع نضالي وطني محدد الأهداف والأولويات، يحافظ على منظمة التحرير الفلسطينية كإطار تمثيلي جامع للكل الفلسطيني ومرجعية عليا توجه سياسات وسلوكيات السلطة الوليدة. وتمكنها من خلق الوقائع الضرورية لتطوير الحكم الذاتي وتوفير موجبات إقامة الدولة الفلسطينية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. غير ان انقلاب النظام السياسي الفلسطيني على ذاته، واستحواذ السلطة على المنظمة، مكن إسرائيل وحلفاءها الدوليين من استدراج السلطة للسير في حقل الألغام المعد بدقة، لإفشالها في الجمع بين مهمة إدارة حياة السكان، وبين مهمة التأسيس للدولة. لإجبار النظام السياسي الفلسطيني الذي تم تقويض مرتكزاته، على مقايضة الاحتياجات المعيشية لسكان الأراضي المحتلة بالحقوق الوطنية لعموم الشعب الفلسطيني.

وتكشفت النوايا الاسرائيلية والامريكية في مفاوضات كامب ديفيد للحل النهائي عام 2000، لتأبيد الحكم الذاتي الفلسطيني وتوسيع حدوده، دون معارضة لتسميته بدولة. شريطة الموافقة على إنهاء الصراع وإنهاء أية مطالبات فلسطينية مستقبلية. ما أدى الى فشل المفاوضات وتفجر الصراع.

اما انتفاضة الأقصى التي كثر استخدامها، وما يزال، للترويج لثقافة انعدام جدوى الكفاح المسلح. فقد أدت لأول مرة في تاريخ الصراع إلى اعتراف الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، في خطابه بتاريخ 24/6/2002 بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته، رغم اشتراطه تحقق ذلك باستبدال قيادة الرئيس عرفات الذي يستخدم العنف المسلح لإقامتها، بقيادة فلسطينية تنبذه وتجرمه وتؤمن بالتفاوض السلمي طريقا وحيدا لبلوغ الهدف.

وعليه، ليس صحيحا -كما يشاع - أن انتفاضة الأقصى قد أخفقت بسبب انتهاج الكفاح المسلح، وإنما أساسا بسبب عجز النظام السياسي الفلسطيني عن توظيفها الصحيح لخدمة هدف إنشاء الدولة. فتركزت عمليات المقاومة العسكرية ضد المدنيين في العمق الاسرائيلي، عوضا عن توجيهها لاستهداف قوات الجيش الاسرائيلي والمستوطنين في المستعمرات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. ما أسهم بجعل مستوطنات قطاع غزة والقدس والضفة الغربية أكثر أمنا للاسرائيليين من يافا وتل أبيب وحيفا والقدس الغربية. واستنفر، ذلك، الرهاب اليهودي الموروث من الهولوكوست. فتراجع مؤيدوا التسوية السياسية في إسرائيل، وتوحد الاسرائيليون بتياراتهم المختلفة خلف السفاح شارون، الذي أعاد اجتياح مناطق الحكم الذاتي في نيسان 2002. وتشجع العديد من يهود إسرائيل للانتقال إلى المستوطنات المقامة في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967- التي للمفارقة، لم تتعرض للعمليات العسكرية طيلة سنوات الانتفاضة. فبدت بأعين الاسرائيليين قلاعا حصينة. زاد من جاذبيتها ما توفره الحكومة الاسرائيلية من امتيازات وحوافز اقتصادية لتشجيع المستوطنين على الاستقرار فيها /كانخفاض تكاليف السكن، والدعم، والإعفاءات الضريبية، والخدمات الصحية والتعليمية الجيدة،وفرص العمل المجزية الخ.../ وتضافرت مفاعيل ذلك كله فتضاعف عدد المستوطنين في المستعمرات الاستيطانية في المناطق المحتلة عام 1967، غالبيتهم من المتزمتين اليهود الذين لا يروقهم المجتمع العلماني في مدن المركز.

 كما أثارت العمليات العسكرية الفلسطينية داخل إسرائيل قلق حلفائها الدوليين وشكوك دول العالم بالنوايا الفلسطينية. ورغم معرفتهم اليقينية بالعجز الفلسطيني، لم يتحرك أحد لمنع شارون من إعادة احتلال مناطق الحكم الذاتي، أو لوقف المجازر ضد المدنيين في مخيم جنين والبلدة القديمة في نابلس. أو لإجباره لاحقا على الانسحاب. خصوصا وأن السلطة أبقت على التزامها بالاتفاق رغم تقويض إسرائيل لمرتكزاته.

وعليه، لم تفشل انتفاضة الأقصى كما يروج البعض بسبب الكفاح المسلح. وإنما بسبب انفصاله عن الهدف السياسي. واستخدامه كأداة للضغط، وليس كوسيلة لإنهاء الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. وكان يمكن - لو تم التوافق فلسطينيا على تركيز العمليات العسكرية في حدودها - أن يحظى هدف إنهاء الاحتلال الناشىء عام1967 بتفهم جزء وازن من يهود إسرائيل القلقين من استمرار الصراع، فيضغطون، أيضا، باتجاه إنهائه. خصوصا و أن العالم بأسره يطالب بذلك.

لكن الفلسطينيين حرفوا البوصلة. وعجز نظامهم السياسي عن التقاط الفرصة، فأخفقوا في توظيف انتفاضة الأقصى لإنجاز مشروعهم السياسي، رغم أنهم قدموا تضحيات جسيمة، وألحقوا بإسرائيل خسائر بشرية ومادية هي الأكبر منذ انشائها قبل 73 عام.

وباعد فرصة إنهاء الاحتلال الناشىء عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية، مراهنة الطبقة السياسية الفلسطينية على صدق الوعد الامريكي بإمكانية قيام الدولة عند استبدال القيادة العنيفة بأخرى مسالمة. وتسبب فصل المسار التفاوضي عن النضال التحرري، الذي تم إيقافه كليا /بأشكاله كافة العنفيية والسلمية/. والتساوق مع تداعيات الانسحاب الاسرائيلي الأحادي من قطاع غزة وإعادة تموضع الجيش الاسرائيلي على حدوده ومحاصرته وفصله عن الضفة الغربية. وتنامي الصراع الداخلي الفلسطيني على السلطة في أعقاب الانتخابات التشريعية عام 2006، وتقديمه على الصراع الرئيس مع العدو الوجودي. ما تسبب بإضعاف المناعة الوطنية والمجتمعية بانقسام النظام السياسي الفلسطيني واستقواء أطرافه على بعضهم بالخارج، وبتعميق الارتهان الاقتصادي والمعيشي الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة على السواء لإسرائيل وللعون الخارجي / العربي والدولي/ الذي يخضع منحه وحجبه للقرار الامريكي والاسرائيلي.

ورغم أن البعض الفلسطيني استخدم فشل المفاوضات للترويج لفشل النهج التفاوضي، في تكرار لذات المشهد عندما روج آخرون لفشل نهج الكفاح المسلح. متغافلين عن أن المشكلة لا تكمن في المناهج، وإنما في منتهجيها. فالكفاح المسلح والنضال السلمي والمقاطعة للعدو والمفاوضات ليست غايات بحد ذاتها. وإنما وسائل وأدوات تتكامل أدوارها وتوظف لخدمة أهداف سياسية.

وبالنظر إلى تعقيدات الواقع الفلسطيني. وعمق اختلالاته البنيوية التي ترسخت على مدى أكثر من نصف قرن. وتجذر النظام الفصائلي العاجز وتشبثه بالبقاء. وعدم تبلور قوة وحدوية منظمة وازنة عابرة للفصائل والتنظيمات، وقادرة على بناء نظام سياسي فلسطيني جديد مؤهل قادر على إزاحة النظام القديم - الذي بات عبئا على النضال التحرري - والحلول مكانه. دون المغامرة بحدوث فراغ سياسي يهدد بانقطاع المراحل النضالية. خصوصا في ظل الانكشاف الفلسطيني الخطير أمام العدو ورعاته الدوليين وحلفائهم العرب. وفي ظل الاختراقات الخارجية للطبقة السياسية الفلسطينية وانشغال أقطابها بالصراع على المواقع والنفوذ. وتحفز اليمين العنصري الصهيوني الذي يسيطر على القرار الاسرائيلي لتكثيف هجماته على الشعب الفلسطيني وتدمير مرتكزات وجوده السياسية والاقتصادية والتنظيمية والمؤسسية، وإشغال مكوناته بأزمات اقتصادية واجتماعية ومعيشية.

فإن اليقظة الفلسطينية باتت مسألة وجود، وتستوجب الانتباه الكامل وعدم السماح مجددا بحرف الأنظار عن السبيل الوحيد المتاح أمام الشعب الفلسطيني للخروج من الدائرة المغلقة التي تحتجزه الطبقة السياسية الفلسطينية داخلها. فالتغيير الفلسطيني البنيوي المستحق لا يمكن اختزاله باستبدال الأشخاص فقط. ولا عبر عملية انتخابية محكومة بضوابط أوسلو لتدوير القادة. ولا عبر استعجال توظيف المواجهة العسكرية لإعادة تموضع الفصائل في ذات النظام السياسي الفلسطيني العاجز عن قيادة النضال التّحرُّري الفلسطيني في المرحلة القادمة.

ولا نغالي القول بأن اليقظة الفلسطينية باتت مسألة مصير، خصوصا في ظل تزايد المخاطر باستغلال تداعيات الهبة وتسرع البعض بالقفز نحو المجهول. دون التحسب لما قد تحدثه الخطوات غير المدروسة من تشظ جديد وتفجير للنظام السياسي الفلسطيني من الداخل، قبل توفر البديل الوطني المؤهل القادر على توظيف الهبة، لإحداث التغيير النوعي الفلسطيني المستحق دون المخاطرة بانقطاع في المراحل النضالية الفلسطينية.

تعلمنا دروس ثورات الربيع العربي، أن إجماع الشعوب على تغيير واقعها مهم وضروري. لكن الأهم هو معرفة ما الذي تريده بدقة، والطرق الموصلة إليه، والتهيؤ الصحيح لتوفير مستلزمات بلوغه.

فهل ينجح الشعب الفلسطيني في التقاط الفرصة التاريخية التي أتاحتها الهبة، فيتجاوز واقعه المأزووم، ويتمكن من بناء نظام سياسي فلسطيني جديد قادر على قيادة مشروعه التحرري بثبات لتحقيق أهدافه بالتحرر والعودة وتقرير المصير.

وكيف يفعل ذلك ؟ هذا ما تسعى المقالات المتتابعة لفتح حوار وطني واسع حوله، واستشراف الآفاق والسبل المؤدية إلىه.

مشاركة: