الرئيسية » هاني المصري »   17 تموز 2012

| | |
استبدال الرئيس "أبو مازن"
هاني المصري

 

منذ وقف المفاوضات المباشرة، وبعد وضع اشتراطات أو متطلبات لاستئنافها وفق التعبير الذي تفضله القيادة الفلسطينيّة؛ يتم التلويح أميركيًّا وإسرائيليًّا، صراحة أحيانًا وبصورة ضمنيّة أحيانًا أخرى، بضرورة تغيير قيادة محمود عباس وإيجاد قيادة جديدة قادرة على صنع السلام، أي قابلة لاستئناف المفاوضات دون شروط، أي وفقًا للشروط الإسرائيلية.

وما يدفع إلى ضرورة ترويض أو استبدال الرئيس "أبو مازن" أن استمرار الجمود في العملية السياسية يمكن أن يؤدي إلى تدهور الموقف، وبروز خيارات وبدائل أخرى، خصوصًا في ظل المتغيرات والثورات التي تشهدها المنطقة.

وإذا كانت الولايات المتحدة لا تعبر عن هذا المطلب بصورة رسميّة، إلا أن حديث الرئيس الأميركي بأن "أبو مازن" غير معني بالسلام أثناء لقائه بزعماء يهود، ومطالبة هيلاري كلينتون الفلسطينيين بالتخلي عن العنف واختيار السلام، وتهديدها الأخير لـ"أبو مازن" أثناء لقائهما الأخير في باريس بأن المساعدات الأميركية للسلطة ستتوقف، ومكتب المنظمة في واشنطن سيغلق إذا قدم الفلسطينيون طلبًا للحصول على العضوية المراقبة؛ يشجع أعضاء نافذين في الكونغرس للتعبير عنه بشكل مباشر، بالحديث عن أن عباس لا يختلف عن سلفه ياسر عرفات، أو عن طريق إثارة زوبعة حول فساد الرئيس وأبنائه، أو تعطيله لعمل رئيس حكومته، في تلويح مبطّن بأن فياض هو البديل المحتمل لعباس.

في الماضي القريب، وتحديدًا في عام 2002، دعا الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن في خطاب علني إلى تغيير قيادة ياسر عرفات وإيجاد قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة تحارب الإرهاب، ومنذ ذلك الخطاب بدأت عمليّة تغيير قيادة ياسر عرفات من خلال استمرار حصاره في مقره الرئاسي، ونزع الصلاحيات منه وتحويلها إلى رئيس الوزراء بعد استحداث هذا المنصب في النظام السياسي الفلسطيني.

وعندما فشلت عمليّة تجريد ياسر عرفات من صلاحياته تم اغتياله بالسم بتدبير إسرائيلي، بدليل قرار الحكومة الإسرائيليّة في 17 أيلول 2004 بإزالة ياسر عرفات، وحديث شارون لبوش بأن العناية الإلهيّة بحاجة إلى مساعدة للتخلص من عرفات، وعدم تعقيب بوش على ذلك، فيما اعتبر ضوءًا أخضرَ أميركيًّا للتخلص من عرفات.

إن عملية ترويض أو استبدال الرئيس "أبو مازن" تقف أمامها عقبات عديدة، يمكن عرض أبرزها على النحو الآتي:

أولًا. لا يمكن اتهام محمود عباس بأنه "إرهابي"، أي يدعم المقاومة المسلحة،  ولا يريد السلام؛ لأنه بنى برنامجه السياسي على أساس رفض العنف والمقاومة المسلحة، واعتبر أن الانتفاضة المسلحة دمرت الفلسطينيين، والتزم بوقفها، ومنع تجددها طالما بقي رئيسًا، وطبق الالتزامات الفلسطينيّة في خارطة الطريق، بما فيها التنسيق الأمني من جانب واحد.

كما أبدى "مرونة شديدة" في المفاوضات في مؤتمر أنابوليس، وفي فترة حكومة أولمرت – ليفني. ووافق حتى في فترة وقف المفاوضات على عقد المفاوضات التقريبيّة ثم الاستكشافيّة، والتقى مع شمعون بيرس وغيره من القيادة الإسرائيليّة، ووافق على عقد جلسات لا حصر لها بين صائب عريقات وإسحاق مولخو مبعوث نتنياهو.

ثانيًا. إن الموقف الذي يتخذه الرئيس برفض استئناف المفاوضات دون وقف الاستيطان والمتطلبات الأخرى المعروفة محل شبه إجماع فلسطيني، بل إن هناك مطالبة شعبيّة وسياسيّة قويّة ومتزايدة بأن يقود هذا الموقف إلى إستراتيجيّة فلسطينيّة جديدة، وبديلة عن إستراتيجيّة أوسلو التي لم تؤد إلى دحر الاحتلال وإقامة الدولة، فضلًا عن حل قضيّة اللاجئين حلًا عادلًا، بل قادت إلى تعميق الاحتلال، وتوسيع الاستيطان، وأسرلة وتهويد القدس، وتقطيع الأوصال، والجدار، والحصار، والانقسام.

أي لا توجد أطراف فلسطينيّة مؤثرة، أي لها قاعدة شعبيّة قويّة تعارض سياسة الرئيس من على يمينه، مثلما كان الأمر في أواخر عهد ياسر عرفات، حيث اعتبرته أوساط فلسطينيّة موهومة أو مضلِّلة أو مضلَّلة عقبة في طريق السلام.

وما يعزز موقف الرفض لإعادة إنتاج المفاوضات العبثيّة مرة أخرى، ودعم موقف عباس، أن إسرائيل ما قبل وما بعد ياسر عرفات أثبتت للقاصي والداني أنها لا تريد السلام، وأنها من عطل كل الجهود والمبادرات الرامية إلى تحقيقه، وأنها معادية لأي مجهود ومبادرات جديدة، لدرجة أننا نلاحظ فلسطينيًّا انتشار إحباط جماعي من إمكانيّة التوصل إلى حل يحقق الحد الأدنى من المطالب الفلسطينيّة، حتى وفق خطوط التنازل التي وصل إليها المفاوض الفلسطيني بعد أكثر من عشرين عامًا على المفاوضات.

ثالثًا. إن البديل الذي تمثله "حماس"، بالرغم من كل الاعتدال الذي قامت به، والذي يجعلها تبدو في منافسة ضارية مع "فتح" ليس على البرنامج وإنما على القيادة والتمثيل والسلطة وعلى الاعتماد من إدارة البيت الأبيض؛ لا يزال غير مقبول من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، لأن "حماس" مطالبة بقبول شروط الرباعية حتى يتم اعتمادها كشريك في القيادة الفلسطينية، فضلًا عن قبولها كبديل.

رابعًا. يتمتع الرئيس أبو مازن بقوة وصلاحيات وسيطرة على المؤسسات الفلسطينيّة، سواء بالنسبة للمنظمة أو للسلطة أو لـ"فتح" لم يتمتع بها سلفه الكاريزمي الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، ويستطيع المختص بالوضع الفلسطيني ملاحظة أن عباس لا يواجه أي معارضة داخليّة تذكر، وهذا يقويه ويصعّب ترويضه أو استبداله.

حتى المعارضة من خارج المنظمة التي تمثلها "حماس" أساسًا، اقتربت من برنامج المنظمة، كما ظهر من خلال تفويض "أبو مازن" بصفته رئيس اللجنة التنفيذيّة في وثيقة الوفاق الوطني، واتفاق مكة، وبرنامج حكومة الوحدة الوطنيّة التي شكلت على أساسه بالتفاوض باسم الشعب الفلسطيني، وتجديد هذا التفويض في الخطاب الذي ألقاه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ"حماس" بعد توقيع اتفاق القاهرة حول المصالحة في الرابع من أيار من العام الماضي.

خامسًا. إن الاستمرار في اعتماد المفاوضات والمراهنة على استئنافها الذي أدى إلى عدم مضي الرئيس نحو تجسيد الخيارات الأخرى التي طالما تحدث عنها وهدد ولوح بها خلال السنوات الماضية، مثل: حل السلطة، أو الاستقالة، أو وقف التنسيق الأمني واتفاقية باريس الاقتصادية، قبل إعلان التخلي عنها، وكذلك عدم تجسيد كامل  لخيارات أخرى أعلن عن تبنيها، مثل: التوجه إلى الأمم المتحدة، وإنجاز المصالحة الوطنيّة، وتطبيق المقاومة الشعبيّة، التي يتم التعامل معها بالسير خطوة إلى الأمام والرجوع اثنتين إلى الوراء؛ يساعد على عدم بلورة موقف نهائي أميركي – إسرائيلي من الرئيس وضرورة استبداله، لأن الموقف الحالي يعطي لحكام واشنطن وتل أبيب جزءًا كبيرًا مما يريدون.

ليس سرًا أن هناك أفكارًا تدور في كواليس القيادة الفلسطينيّة عن تأجيل تقديم طلب الحصول على العضويّة المراقبة إلى ما بعد الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، بحيث يُقدّم الطلب في نهاية الدورة السنويّة للأم المتحدة في نهاية تشرين الثاني المقبل أو بعد ذلك بدلًا من تقديمه في بدايتها في شهر أيلول.

من الطبيعي أن تفكر القيادة الفلسطينيّة مليًا قبل الإقدام على خيارات أخرى، لأن ذلك يتطلب استعداداتٍ وبدائلَ عمليةً، لأن هناك ثمنًا غاليًا ستدفعه جراء ذلك، ولكن عليها أن تفكر أكثر بأن الثمن الذي تدفعه القضيّة الفلسطينيّة جراء استمرار الوضع الحالي أكبر، فالأرض والقدس تضيعان، والانقسام يتعمق، والشعب الفلسطيني من دون مشروع وطني واحد ودون قيادة واحدة، ولا يوجد اتفاق على أشكال نضال مشتركة.

إن استمرار الوضع الحالي سيقود إلى الضياع الكامل، سواء باستمراره كما هو، أو بالتوصل إلى استئناف المفاوضات التي أقصى ما يمكن أن تقود إليه حل انتقالي جديد، عناوينه: الدولة ذات الحدود المؤقتة، أو الخطوات الإسرائيليّة أحاديّة الجانب، أو دولة في غزة ترتبط أو لا ترتبط بمعازل الضفة، أو رمي غزة في حضن مصر ومعازل الضفة في حضن الأردن.

وأخيرًا، يحتاج  البديل عن عباس إلى أكثر من شخص يقول إنه البديل، يحتاج إلى مشروع وطني قابل للنجاح في تحقيق الأهداف الفلسطينية، ويطرح مقاربة جديدة بالنسبة للمقاومة والمفاوضات والسلطة والمنظمة والديمقراطية وتلبية احتياجات الناس المعيشيّة والاقتصاديّة. فبديل ياسر عرفات نجح لوجود تصور بأن هناك أمل بإنجاح السلام الذي كان يُرَوّج زورًا بأن عرفات هو من عطّله.

أما الآن، فلا يوجد أمل ولا أفق سياسي، وبديل عباس يجب أن يكون أكثر تشددًا منه حتى ينجح، وهذا آخر ما تريده أميركا وإسرائيل، بل تريدان بديلًا أكثر مرونة منه، وهذا يعني الاستسلام. ولعل هذا بالضبط يفسر سر قوة عباس، أي عدم وجود بديل له في "فتح" ولا في خارجها، فالبديل الوطني لم ينضج بعد، والبديل الاستسلامي مرفوض.

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: