الرئيسية » مقالات » غانية ملحيس »   10 كانون الأول 2021

| | |
وداعًا عميد الصحافة الفلسطينية ... وداعًا حسن البطل
غانية ملحيس

وداعًا عميد الصحافة الفلسطينية وكاتب عمودها اليومي "أطراف النهار"

موجع رحيلك يا حسن في زمن التيه الفلسطيني ونحن أحوج ما نكون إلى شجاعتك وصدق قلمك الناقد، وصفاء ذهنك، ووضوح رؤيتك، وعمق فكرك، ونفاذ بصيرتك، ويقينك بحتمية انبلاج فجر الحرية مهما اشتدت حلكة الواقع.

لم أحظ كغالبية من رثوك من الأصدقاء الكثر بشرف المعايشة عبر زمالة مهنية أو جيرة تصوغ المشترك الوطني والإنساني وتعزز روابطه. فلم نلتق إلا قليلا، وأغلب اللقاءات كان مصادفة. منذ التقيتك لأول مرة في مقر مجلة فلسطين الثورة في الفاكهاني ببيروت عام 1976. وكنت للتو عائدة من صوفيا مع جمع من الطلبة الفلسطينيين المتطوعين الذين تركوا دراستهم الجامعية وتوافدوا بالآلاف منمختلف بقاع الأرض، للدفاع عن الثورة الفلسطينية التي كانت مع الحركة الوطنية والتقدمية اللبنانية تتعرض لحرب تصفية، استخدم فيها النظام السوري والقوى الانعزالية القصف المدفعي والصاروخي ضد مقرات الثورة ومساكن مناصريها.

يومها، أخجلني خوفي وانفعالي عند سقوط صاروخ جراد بالقرب من موقع المجلة، مقابل هدوئك اللافت، فعاجلتني بأسلوبك الساخر لتشد أزري بالقول بجدوى قلة السمع التي تضفي ما يبدو أنه شجاعة. فحفرت في النفس ذكرى لا تمحى.

ثم التقيتك بعد ذلك بأيام في مكتب الإعلام الخارجي بذات المبنى، حيث كنت أرافق وفدا تلفزيونيا بلغاريا للترجمة، جاء لتغطية الأحداثوإعداد فيلم وثائقي عن الثورة الفلسطينية.

فلفتني آنذاك حزنك الدفين وتمزق روحك بين جذرك الفلسطيني المتشبث بتربة الوطن الذي سكن عقلك وقلبك وروحك رغم انك لم تسكنه طويلا. وضيقك من العبث الجاري الذي يفوق احتمال ذاكرتك السورية الحية لوطن أحببته لحنو أهله عندما سكنته رغما عنك ،وقصدته لاجئا مع مئات آلاف اللاجئين الفلسطينيين الذين تواطأت عليهم القوى المنتصرة في حربين كونيتين لاجتثاثهم من أرض وطنهم وتشتيتهم في المنافي، وإحلال لاجئين آخرين يهودا مكانهم تآمرت ذات القوى لاجتثاثهم من مواطنهم الأوروبية الأصلية، وتصدت لمهمة جمع شتاتهم بتوطينهم وتأمين عيشهم في الديار الفلسطينية التي قتل وهجر ساكنيها، لقاء دور وظيفي يعيد رسم خريطة المنطقةالعربية - الإسلامية الممتدة.

 ثم فرقتنا المهن ومشاغلها ، فلم نلتق بعد ذلك إلا في المهرجانات أو في جنازات تشييع الشهداء ، رغم أن مقر صامد حيث كنت أعمل، يبعد بضعة أمتار عن مقر المجلة التي تعمل بها. وأشغلنا الترحال الدائم بين المنافي بعد إخراج الثورة من آخر معاقلها فيلبنان.

لكنني لم أنقطع عن تتبع أخبارك ومتابعة ما تكتب. ومنذ أن جمعتنا العودة المكبلة للوطن. واظبت كغيري الكثيرين على متابعة عمودك اليومي في جريدة الأيام حد الإدمان. ولم يعد يبدأ النهار بدون افتتاحه " بأطراف النهار ". فقد كنت تأسر قراءك بوعيك المعرفي وعمق فكرك وثراء لغتك وتميز أسلوبك الأدبي الرفيع الذي يخاطب العقل والقلب والروح بتوازن نادر.

وعندما أنعمت علينا التكنولوجيا بإمكانية التواصل في العالم الافتراضي، اعتدت حضورك الدائم تارة بالتعليق على ما أكتب، وأخرى بالتصويب، وثالثة بالنقد، ومرات عديدة بطرح التساؤلات التي تحفز البحث والتأمل والتفكر. وعودتني والأصدقاء ،أيضا، على مشاركتنا الصور الجميلة التي تواظب على التقاطها لبيوت رام الله العتيقة. لتذكرنا بروح وعراقة المدينة الأسيرة التي تغربت عمارتها فتاهت هويتها واستبدلت مطاعمها ومقاهيها ومحلاتها أسماءها العربية الجميلة بأسماء أجنبية سلبت روحها وأفقدتها الحميمية. وكأنك بذلك تريد أن تعلمنا أن الجمال وثيق الصلة بالأصالة التي يفترض أن تواكب الحداثه.

سنفتقدك كثيرا يا حسن ، وعزاؤنا أنك عبر مسيرتك الوطنية والمهنية الحافلة، قد تركت لنا فيما تبقى من العمر إرثا ثريا نستعيد به على الدوام حضورك الفارق في تميزه. وسيبقى هذا الإرث نبراسا ينير دروب الأجيال الفلسطينية الفتية ويعينها على مواصلة النضال حتى بلوغ النصر.

لتنعم روحك الطاهرة بفضاء الحرية في سماء طيرة حيفا وجبل الكرمل وكل فلسطين وبلاد الشام.

 ولتعش في الحياة الأبدية التي انتقلت إليها السلام الذي لم تتح لك فرصة اختبار عيشه في الحياة الدنيا.

 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
مشاركة: