الرئيسية » هاني المصري »   20 نيسان 2015

| | |
مخيم اليرموك . . الضحية
هاني المصري

 

منذ بداية هذا الشهر يتعرض مخيم اليرموك لمعاناة جديدة، بدأت باحتلال عناصر من تنظيم "داعش" بتواطؤ من "جبهة النصرة" التي تسيطر على أجزاء من المخيم المحاصر من الجيش السوري وحلفائه، وقامت عناصر "داعش" التي يقدر عددها بألف عنصر باعتقال المئات وقتل العشرات، بعضهم من خلال قطع رؤوسهم .

أُنشئ مخيم اليرموك العام ،1958 ويقع في منطقة مهمة، إذ يعد إحدى بوابات دمشق الجنوبية، ويبعد عنها ثمانية كيلو مترات فقط، لذلك تعرض للاعتداءات والاحتلالات والحصار والقصف منذ بداية الأحداث، لأنّ من يسيطر عليه يتمتع بمزايا كبيرة تحسن موقفه في المعركة من أجل السيطرة على العاصمة دمشق .

يتعرض نحو 18 ألف فلسطيني وسوري لا يزالون يقيمون في مخيم اليرموك من أصل أكثر من 200 ألف إلى حصار مستمر وانقطاع للكهرباء والماء والخدمات الأساسيّة منذ أكثر من سنتين . كما تم تشريد سكانه في هجرة جديدة، إذ هاجر من المخيم أكثر من 185 ألف فلسطيني، 80 ألفاً منهم هاجروا إلى لبنان والأردن ومصر وأوروبا، بينما البقيّة شرّدوا إلى مناطق مختلفة في سوريا .

التزم المخيم بالإجمال، باستثناء مجموعات قليلة من المسلحين التابعين لفصائل مقرّبة من النظام السوري أو معارضة له، أبرزها جماعة "أكناف بيت المقدس" التي تضم عناصر فلسطينيّة محسوبة على "حماس"، بالموقف الذي اتخذته منظمة التحرير، وهو "النأي بالنفس" وعدم التدخل فيما يجري باعتبار ذلك شأناً داخلياً، ولكن هذا الموقف لم يوفر الحماية للمخيم الذي دفع ثمناً مضاعفاً، حيث كان بين حجري رحى، فصائل المعارضة السوريّة التي أصبح ثقلها الأساسي ينتمي إلى جماعات تكفيريّة متطرفة، فسقط أكثر من 1100 ضحيّة من سكانه (من بينهم 170 ماتوا جوعاً جرّاء الحصار ومنعهم من مغادرة المخيم)، ويمثل هذا الرقم ثلث الضحايا الفلسطينيين الذين سقطوا في سوريا منذ بداية الأحداث في مارس/آذار 2011 البالغ عددهم نحو 3 آلاف ضحيّة، إضافة إلى مئات المعتقلين والمفقودين .

ما يجري في مخيم اليرموك يذكرنا بما حدث في مخيم "تل الزعتر" في لبنان الذي تعرّض لمجزرة وأزيل من الوجود خلال الحرب الأهليّة اللبنانيّة . الفرق الجوهري أن المأساة التي تعرّض لها مخيم تل الزعتر تمت مرة واحدة وخلال فترة قصيرة، بينما مأساة مخيم اليرموك مستمرة منذ سنوات ولا يبدو أنها مقبلة على نهاية سريعة .

لا توجد أي مبالغة في القول إن مخيم اليرموك سيكون مصيره مختلفاً لو أن قيادة منظمة التحرير الفلسطينيّة تصرفت على أساس أنها تمثل الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، وليس مجرد سلطة تمثل الضفة الغربيّة وقطاع غزة، وتقوم بإرسال المعونات الإنسانيّة وتُعرب عن تضامنها مع معاناة جماهير الشعب الفلسطيني في سوريا، وتكتفي بإرسال وفد ما بين الفترة والأخرى، من دون أن تضع كل ثقلها من أجل إنقاذ جزء مهم من شعبها، والدليل على ما سبق أنه حتى كتابة هذه السطور لم تعقد اللجنة التنفيذية للمنظمة اجتماعاً لبحث ما يجري في مخيم اليرموك .

مخيم اليرموك إحدى ضحايا الانقسام الفلسطيني، لأن مصيره كان سيختلف كثيراً لو كانت هناك وحدة فلسطينيّة يُبنى عليها موقف موحد يقوم على سياسة تجمع ما بين الدفاع عن المبادئ والقيم الأساسيّة التي تقف إلى جانب حرية الشعوب واستقلالها، وحقها في التنمية وتقرير مصيرها، والعيش بعدالة وديمقراطيّة ومساواة، وضمان حقوق الإنسان وحرياته الأساسيّة، وسياسة النأي بالنفس عن الصراع الداخلي في سوريا، وأي بلد عربي، وضرورة توفير الحماية والحياة الكريمة للفلسطينيين .

عاش المخيم فترة هدوء نسبي استمرت لعامين ظلّ فيها محاصراً من الطرفين المتنازعين، ولكن سمح فيها بدخول بعض المساعدات الإنسانيّة من قبل أطراف أوروبيّة ووكالة الأونروا وبعض المؤسسات المحليّة، كانت تلك الفترة توفّر فرصة للقيادة والقوى الفلسطينيّة للتحرك لإنقاذ من تبقى في المخيم، سواء من خلال تأمين وصول من يرغب منهم إلى أماكن أخرى أكثر أمناً أو أقل خطراً، أو من خلال السعي لتحييد المخيم ورفع الحصار، مع أو من دون توفير قوة مشتركة لحمايتهم كما تفرض الحاجة، لكن هذه الفرصة ضاعت، إلى أن جاء احتلال "داعش" الذي غيّر الموقف جذرياً .

ويرجع سبب التطور الأخير إلى أن الأشهر القليلة السابقة انتشرت فيها ظاهرة الاغتيال لرموز ونشطاء في مجالات متعددة، شملت اغتيال نشطاء فلسطينيين من مختلف الفصائل الفلسطينيّة وغيرهم، إلى أن تم اغتيال يحيى حوراني (أبو صهيب) مسؤول "حماس" السابق في المخيم، ما أدى إلى قيام عناصر من "أكناف بيت المقدس" بمداهمة بعض مواقع "داعش" واعتقال وقتل بعضهم، وفي ظل تواطؤ "جبهة النصرة" مع "داعش" تم احتلال أكثر من 80% من المخيم، إلى أن قامت عناصر من "أكناف بيت المقدس" وأخرى تنتمي إلى "القيادة العامة" و"فتح الانتفاضة" و"اللجان الشعبيّة" والجيش السوري بشكل متواز باستعادة أجزاء تصل إلى ثلث مساحة المخيم .

في ظل هذا التطور الجديد، بدا الموقف الرسمي الفلسطيني مرتبكاً، فمن جهة ظهر أن هناك إمكانيّة لبلورة موقف فلسطيني جديد وموحد يقوم على أخذ زمام المبادرة، وتشكيل قوة موحدة تعمل على تحرير المخيم من "داعش" بالتعاون مع الجيش السوري، وتوفير الحماية له على أساس تحييده عن الصراع الدائر في سوريا، كما أعلن أحمد مجدلاني، عضو اللجنة التنفيذيّة للمنظمة ورئيس وفدها إلى سوريا بقوله: "إنه لا حل إلا عسكرياً، وإن هناك 14 فصيلاً فلسطينياً وافقوا على ذلك وعلى تشكيل قوة عسكريّة مشتركة تساعد الجيش السوري على تحرير المخيم"، إلا أن هذا الموقف تم التراجع عنه بصدور موقف رسمي من قيادة المنظمة بأنها لا توافق على أي حل عسكري، وأنها مستمرة في الحياد الذي أعلنت عنه منذ البداية من دون تقديم حلول للوضع الراهن، وهذا التراجع يمكن تفسيره إما أن الرئيس عباس لم يوافق على ما أعلنه رئيس وفده الذي اتخذ هذا الموقف على عاتقه، وهذا الأمر مستبعد في ظل نوع العلاقة التي تجمع المجدلاني وعباس، وإما أنه تراجع عن هذا الموقف بنفسه أو بعد تدخلات عربيّة ودوليّة .

منذ بداية الأحداث، كان على القيادة الفلسطينيّة أن تسعى لتوفير الحماية للفلسطينيين في سوريا من خلال السعي لتأمين عودتهم إلى وطنهم فلسطين (وهذا أمر ليس بيدها وحدها، وإنما بحاجة إلى موافقة إسرائيليّة ليس من الممكن الحصول عليها إلا بتوفير ضغط كبير جداً، فلسطيني وعربي ودولي)، أو تشكيل قوة مشتركة للدفاع عنهم، أو نقلهم إلى مأوى جديد إلى حين تمكينهم من العودة إلى وطنهم، أما الاكتفاء بإعلان الحياد والنأي بالنفس فلم يساعد على حمايتهم، بل أدى إلى وقوعهم ضحايا للحصار والقتال، وإلى ما حصل من مأساة جديدة أشبه بنكبة جديدة .

إن دخول المنظمات التكفيريّة والمتطرفة على خط الصراع في سوريا، وفي المنطقة بشكل عام، وما أدى إليه ذلك من تشكيل تحالف عربي دولي ضد الإرهاب، وقفت فيه الأطراف المتصارعة في المنطقة والإقليم في معسكر واحد، وعدم وجود إمكانيّة للتفاهم مع "داعش"، خصوصاً إذا صدقت أنباء مبايعة "جبهة النصرة" لزعيم "داعش" أبو بكر البغدادي؛ يفرض على الفلسطينيين أكثر من أي وقت مضى تغيير الموقف على أساس الوحدة على نقطة واحدة هي حماية شعبنا في سوريا، وتوفير متطلبات ذلك على مختلف المستويات والأصعدة، بما في ذلك تشكيل قوة مشتركة، والعمل الجدي لرفع الحصار من كل الأطراف .

إن السيناريوهات المحتملة على المدى القريب تتراوح ما بين: بقاء الوضع على ما هو عليه من حيث سيطرة "داعش" وحلفائه على جزء كبير من المخيم، وما يكتنفه من احتمالات وقوع مجازر وضحايا جراء الاقتتال والقصف، وسيطرة "أكناف بيت المقدس" والفصائل الموالية لسوريا على الأجزاء الأخرى مع أو من دون تخفيف الحصار أو إزالته .

أو أن تتمكن هذه الأطراف من طرد "داعش" لأنه أثار بما يقوم به من جرائم وحشيّة غضب الجميع، وأدى إلى نوع من التحالف بين أطراف كانت متخاصمة إلى وقت قريب، أو يتمكن "داعش" وحلفاؤه من بسط نفوذه على المخيم أو معظم أجزائه وهذا أمر مستبعد في ظل المعطيات الراهنة .

 

*نشر في جريدة "الخليج" يوم الخميس 16 نيسان 2015.

مشاركة: