الرئيسية » أنيس فوزي قاسم »   06 أيار 2015

| | |
"التكافل الاجتماعي" وخطة حماس
أنيس فوزي قاسم

 

 

نشر في الصحف مؤخراً أن الكتلة البرلمانية عن حماس في المجلس التشريعي الفلسطيني، شرّعت قانوناً جديداً تفرض بموجبه ضريبة على ابناء قطاع غزة، سميت «ضريبة التكافل الاجتماعي».

وقد شرح أحد نواب حماس أن السلطات سوف تتقاضى بموجب القانون الجديد مبلغاً نسبياً يفرض على السلع «الكمالية» وعلى معاملات التجار والمواطنين، وذلك لتحصين المجتمع في القطاع. وأضاف نائب آخر من الكتله نفسها أن القانون الجديد جاء من أجل ضمان تقديم المساعدات والإعانات للعائلات المستورة، وبحد أدنى مقداره مئة دولار شهرياً للعائلة الواحدة.

يواجه القانون انتقادات شديدة، من حيث أنه يزيد من أعباء المواطنين المرهقة اصلاً بسبب الحصار والتدمير المنظم الذي تمارسه اسرائيل عليهم، وظروف الحياة التي تزداد قسوة وعنفاً. وأحجم بعض التجار عن استيراد بعض المنتجات، لأن فرض هذه الضريبة عليهم سوف يحول دون تسويقها لأن أسعارها سوف ترتفع فوق الطاقة الشرائية للجمهور.

من الثابت أن عبء هذه الضريبة سوف يقع على كاهل المواطن العادي، وهذا شأن أي ضرائب تفرض على الجمهور. ومن المؤكد ان المشرع الحمساوي يدرك ذلك ويدرك ايضاً حالة الضنك التي يعيشها مواطنو قطاع غزة، ولا مطعن على نوايا المشرع الحمساوي من انه قصد الى دعم «التكافل الاجتماعي» بين اهالي القطاع، الاّ انه من المشكوك فيه ان يكون هذا القانون هو الاداة المثلى للوصول الى الهدف المنشود، ذلك ان عبء الضريبة – كما قلنا – سوف ينتهي على كاهل المواطن الذي جاء القانون ليكفله ويدعمه، أي ان القصد نبيل الاّ ان الأداة هي الخطأ.

وإذا ارادت حركة حماس ان تنجز مهمة «التكافل الاجتماعي» على نحو لا يزيد من أعباء المواطن المسحوق اصلاً، عليها ان تبحث عن بدائل اخرى، وعلى سبيل المثال، اذا رغبت حماس حقاً وصدقاً في إقامة التكافل الاجتماعي، عليها ان تفرض ضريبة او ضرائب او رسوما عالية على من يعتزم الحج الى بيت الله الحرام، وفرض رسوم او ضرائب أعلى على من يعتزم اداء مناسك العمرة، وفرض ضرائب او رسوم أعلى من كليهما لمن اراد ان يكرر الحج او العمرة. وسوف يجد المشرع الحمساوي – اذا اراد الابتعاد عن الشعبوية والتحرر من ربقة الانتخابات- في الشريعة الغرّاء وفي التراث الاسلامي، سنداً قوياً.

بداية لابدّ من تقرير أن فريضة الحج لا تؤدى في ميقات محدد من عمر المسلم، بخلاف الصلاة التي يجب ان تقام في مواعيدها، وبخلاف الصيام الذي يجب أداؤه في شهر رمضان المبارك. أما الحج، وهو فريضة، يمكن تأجيلها، كما فعل الرسول الكريم حين عاد الى مكة في السنه الثامنة للهجرة، الاّ انه لم يقم بالحج الاّ بعد سنتين من عودته.

لقد روى ابو هريرة عن رسول الله انه سئل عن أي الاعمال أفضل عند الله، فقال عليه السلام «إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا؟ قال جهاد في سبيل الله. قيل ثم ماذا؟ قال حج مبرور». (أخرجه البخاري ومسلم). وفي هذا الحديث الشريف تشريع في غاية الاهمية للظروف التي تحياها الامة. فالجهاد في سبيل الله مقدّم عند الرسول الكريم – ولا ينطق عن الهوى -على الحج. ومن باب أولى ان يكون مقدماً على العمرة التي هي من السنن وليست من الفرائض. 

إن دعم اهلنا في الاراضي المحتلة وتعزيز صمودهم وهم الذين يصدون بأجسادهم موجة الطغيان الصهيوني على باقي اجزاء الامة، هو أولى عند الله من أداء مناسك الحج، ومناسك العمرة. إن التكافل الاجتماعي هنا يقوم به من لديه زيادة في المال، إِما بفرض ضريبة عالية عليه او رفع سقف الضريبة الى مستويات أعلى، اذا كانت عملية الحج أو العمرة مكررة. ويجب رصد هذه الضرائب والرسوم لتوزيعها على العائلات المستورة، وهكذا لا يتحمل المواطن المقصود بالتكافل عبء الضريبة، بل يحملها من توفر لديه المال حصراً، لأن من يقصد الحج لابدّ انه يحوز نفقات وتكاليف الرحلة وهي ليست نفقات عادية.

ولنا كذلك في سابقة القاضي الفاضل، وهو من أعلى فقهاء عصره علماً وقدراً، دليل آخر على اولوية الجهاد على الحج. فقد همَّ صلاح الدين الايوبي على السفر لأداء مناسك الحج، فقال له القاضي الفاضل إن رفع المظالم من البلاد والقعود للإفرنج بالمرصاد، على حين تقطر السيوف دماً أفضل من حجتك. ورضخ صلاح الدين لرأي قاضيه وعدل عن الحج، أما زالت مهمة اهلنا القعود للطغيان الإفرنجي الاستيطاني الصهيوني قائمة يومياً، وهل جفت دماء ابنائنا عن جنازير مدرعات المستوطنين؟ أليس من الاولى أن يعاد توزيع المال وتوجيه انفاقه على الصامدين على الثغور، وهو أقرب إلى الله من أداء مناسك الحج او العمرة في هذه الاوقات العصيبه؟ حتى أن الذين يشيدون مساجد، وليس جميعهم يقومون بالبناء قربى لله، لكي يرفع فيها اسمه، ينطبق عليه الرأي الخاص ذاته بالحج والعمرة. لقد قرأت (ولم أطلع بنفسي) عن ان الشيخ عز الدين القسّام بعث فتوى اثناء الثوره الفلسطينية الكبرى الى الحاج أمين الحسيني، تقول بأنه لا يجوز جمع المال وإنفاقه على بناء المساجد، أو ترميمها، بل يجب توجيهها لخدمة الثورة، فالجهاد أولى. وهذا ينسجم مع ما قاله القاضي الفاضل، ولابدّ أن الشيخ القسام ينهل من حديث الرسول المشار اليه.

ومن هذه السوابق المضيئة في تراثنا، يجب على المشرع الحمساوي ان يهتدي ويدير شؤونه بعيداً عن الشعبويه الضارة والاعتبارات الانتخابية الضيقة. فالوطن أولى والخطر جسيم.

 

نقلًا عن القدس العربي

٭ كاتب فلسطيني

مشاركة: