يأتي هذا النص في سياق النقاش المفتوح الذي أطلقته ورقة “السياسة والمساءلة والحامل السياسي في زمن الإبادة الفلسطينية”، بوصفه امتدادًا للنقاش العام الذي تفاعل مع مسودة الورقة وساهم في توسيع أسئلتها وتعميقها.
غاية الورقة، كما أشارت مقدّمتها، لم تكن تقديم تشخيص نهائي، بل فتح نقاش عام يسهم في الانتقال من التشخيص إلى التأسيس. هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بإرادة فكرية مجردة، ولا عبر مساهمات فردية متناثرة، بل من خلال عملية تراكمية تتطلّب اشتباكا فكريا مفتوحا، واختلافات واعتراضات وتعديلات، وتجريبا سياسيا طويل النفس.
وبسبب طول الورقة، جرى نشر ملخّص تنفيذي مرفق بالأسئلة الرئيسية التي تطرحها للنقاش، إلى جانب النص الكامل للورقة.
وقد افتتح الأستاذ يحيى بركات النقاش بمقاله المعنون
“حين يخرج السؤال إلى العلن: من السياسة المُدارة إلى البحث عن حامل”.
لاحقا، توالت تفاعلات مباشرة على صفحتي، إضافة إلى تعليقات ومداخلات وردت عبر وسائل التواصل الخاصة. بعض هذه الملاحظات جاء متوافقًا مع الورقة، وبعضها الآخر أثار أسئلة جوهرية تستحق نقلها إلى المجال العام، لا بوصفها ردودا شخصية، بل كجزء من توسيع دائرة النقاش، ولا سيما حول سؤال الحامل السياسي.
ما يلي هو نقل لهذه المداخلات الأساسية، مرفقة بتعقيبات تهدف إلى تعميق النقاش لا حسمه، وإلى إبقاء السؤال مفتوحا بوصفه سؤالا تأسيسيا، لا تقنيا.
الأستاذ سليم البسط كتب التعليق التالي:
"الحامل السياسي الفلسطيني لمشروع التحرر الآن لا يحمل شيء - بدون برنامج نضالي تحريري يعيد الروح النضالية للمؤسسات الفلسطينية السياسية والحزبية والاجتماعية سنبقى ندور حول أنفسنا، وللأسف الحامل السياسي الآن لا يحمل أي شيء وبدون انهاض فتح والقوى الوطنية سنبقى لا شيء".
وعقبت على تعليقه بما يلي:
"نعم، لا يمكن لأي حامل سياسي أن يكون حيًّا بلا برنامج نضالي تحرري واضح، ولا يمكن لمؤسسات فارغة من الروح أن تحمل مشروعا بحجم ما نعيشه اليوم. لكن الخلاف الجوهري هنا ليس حول أهمية البرنامج، بل حول ترتيب السؤال.
القول إن “الحامل السياسي لا يحمل شيئا” صحيح كتشخيص لحالة قائمة، لكنه يصبح مأزقا حين يتحول إلى نقطة توقف لا إلى سؤال تأسيسي. فالبرنامج لا يُكتب في الفراغ، ولا يُفرض على مجتمع فقد ثقته بالحامل الذي يُفترض أن يحمله. المشكلة اليوم ليست فقط أن المؤسسات بلا برنامج، بل أن البرنامج نفسه فقد حامله الاجتماعي.
وحين يُختزل الأفق بعبارة “بدون إنهاض فتح والقوى الوطنية سنبقى لا شيء”، فنحن نعيد إنتاج الأزمة نفسها التي ننتقدها: نربط إمكان التحرر ببنى أنهكها الزمن. من دون مساءلة لماذا فقدت قدرتها على النهوض أصلا، ومن دون سؤال: كيف يُعاد بناؤها؟ وبأي شروط؟ ولصالح من؟
إنهاض فتح أو أي قوة وطنية ليس قرارا تنظيميا يُتخذ، بل نتيجة مسار سياسي واجتماعي يعيد ربط: التضحية بالمعنى، والمقاومة بالأفق، والمؤسسة بالمجتمع.
من دون ذلك، سيبقى الحديث عن “برنامج” مجرّد وثيقة، وسيظل “الحامل” اسما بلا وزن.
السؤال الحقيقي ليس: من نحمله؟ بل: كيف نعيد إنتاج حامل قادر على حمل برنامج، وحماية الناس، وترجمة الشرعية الأخلاقية الهائلة التي ولّدتها الإبادة إلى مسار تحرري فعلي؟ هنا فقط يصبح البرنامج ممكنا، ويصبح النهوض فعلا، لا شعارا.”.
التعليق الثاني من الاستاذ بشير السرطاوي:
"الشكر العميق لك د. غانية ملحيس على هذه الورقة العميقة، التي تمثل خطوة تأسيسية ضرورية ومهمة، نحو منهجية تحول شاملة للنضال التحرري الفلسطيني. فهي تؤكد على أن التشخيص وحده لا يكفي، وأن التحول يجب أن يرتكز على نضال ناعم يتجاوز صراعات سلطة الأشخاص وسلطة الأفكار، ويحوّل القراءة النقدية للنماذج السابقة إلى بناء حامل سياسي جديد يراعي واقع النظام العالمي القائم على الهيمنة والقوة.
إن أي تصور نضالي فعّال يجب أن يقوم على تثبيت كرامة الإنسان، وحرية القيمة في مواجهة الهيمنة، ووعي زمن ريادة المعرفة والتجربة في إنتاج القوة، مع إخضاع ثقافة الاستثناء العالمية لمعيار العدالة. بهذه المعايير، يمكن تحقيق أثر متوازن يجمع بين الوجودية الإنسانية، والقيم الأخلاقية، والوعي المعرفي، والإدراك الثقافي، بما يحوّل المقاومة إلى مشروع سياسي وطني مستدام قادر على الصمود وتحقيق التضامن العالمي والتنمية والأمان والازدهار. باعتبار احتلال هذه البقعة من العالم هو نتيجة صراعات عالمية استعمارية، الضحية فيها شعب قدره انه وقع في نقطة جذب وهيمنة عالمية جيوسياسيًة استراتيجية، دمت بخير وود.. منارة للرأي والفكر".
وعقبت على تعليقه بما يلي:
" أثمن هذا التفاعل العميق واللغة التي تحاول أن تفكّر في التحوّل
خاصة في سعيه إلى تجاوز النماذج المستهلكة، لكن مفهوم “النضال الناعم” يحتاج إلى قدر أكبر من التدقيق، ليس رفضا له، بل حماية له من التحوّل إلى لغة مطمئنة بلا فاعلية تاريخية.
فالنضال الناعم لا يكون تقدّميا لمجرّد أنه غير عنيف أو قيمي أو معرفي. قيمته السياسية تتحدد فقط حين يكون جزءا من استراتيجية صراع، وليس بديلا عنها، وحين يمتلك قابلية التحوّل إلى قوة ضاغطة تغيّر موازين المعنى والقرار، وليس مجرد تحسين صورة الضحية داخل نظام الهيمنة.
في التجربة الفلسطينية، الخطر الدائم ليس في العنف أو في اللاعنف، بل في تحييد الصراع عبر تحويله إلى قضية أخلاقية مجردة، تُدار ضمن شروط النظام العالمي بدل أن تشتبك معه. وهنا يصبح “الناعم” خطرا إذا لم يكن مسنودا بحامل سياسي قادر على: تحويل القيم إلى برنامج، والوعي إلى تنظيم، والمعرفة إلى سلطة مضادة. كما أن تجاوز “صراعات سلطة الأشخاص وسلطة الأفكار” لا يعني القفز فوق سؤال السلطة نفسه. فالتحرر لا يتحقق بإلغاء السياسة الصلبة، بل بإعادة بنائها على أسس جديدة تمنع احتكارها وتربطها بالمجتمع.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي ليس اختيار شكل النضال، بل من يملك قرار النضال؟ وكيف يُتخذ؟ ولصالح أي أفق؟
النضال الناعم، إذا لم يُدرج داخل مشروع تحرري شامل، قد يتحول - من حيث لا يقصد - إلى أداة تكيّف مع ميزان القوى القائم، لا إلى وسيلة لتغييره. وهنا تعود أهمية الورقة، فهي لا تدعو إلى نضال بلا صراع، بل إلى سياسة لا تفصل القيم عن التنظيم، ولا المقاومة عن المساءلة، ولا الأخلاق عن الحامل. هذا الاشتباك هو ما يمنح “الناعم” معناه التحرري، ويمنع تحوّله إلى خطاب جميل، بلا تاريخ.
فأهمية مفهوم “النضال الناعم” لا تُقاس بنيّاته ولا بلغته، بل بما أنتجه فعليا في تجارب تحرر أخرى. والتجارب الدولية تُظهر أن “الناعم” يصبح قوة فقط حين يكون جزءا من معمار صراع متكامل، ويصبح خطرا حين يُفصل عن سؤال السلطة والتنظيم.
في تجربة جنوب أفريقيا، لم يكن البعد الأخلاقي، ولا الخطاب الحقوقي، ولا المقاطعة الدولية وحدها كافية.
ما منح “الناعم” فعاليته هو وجود حامل سياسي صلب (المؤتمر الوطني الأفريقي) يربط الضغط الأخلاقي العالمي بقدرة تنظيمية داخلية، وبنضال قاس على الأرض. حينها فقط تحوّل الخطاب القيمي إلى أداة كسر للنظام العنصري، لا إلى آلية تحسين صورته.
في المقابل، تُظهر تجارب عديدة في أمريكا اللاتينية كيف تحوّل النضال الناعم، حين انفصل عن مشروع تحرري واضح، إلى جزء من منظومة الاحتواء النيوليبرالي: حركات حقوقية وثقافية عالية الخطاب، لكنها منزوعـة القرار، تُدار ضمن شروط النظام القائم، وتُستدعى كشاهد أخلاقي لا كفاعل سياسي. هنا لم يلغ العنف البنيوي، بل أُعيد إنتاجه بلغة أقل فجاجة.
أما في تجربة الهند، فغالبا ما يُستدعى غاندي بوصفه نموذج اللاعنف، لكن ما يُتجاهل هو أن هذا “اللاعنف” كان محمولا على حركة جماهيرية واسعة، وتنظيم سياسي، وتهديد دائم بعصيان شامل جعل كلفة الاستمرار الاستعماري أعلى من كلفة الانسحاب. أي أن “الناعم” كان يعمل تحت سقف صراع حقيقي، لا خارجه.
ما تعلّمنا إياه هذه التجارب هو أن:
• النضال الناعم لا ينجح بلا حامل سياسي قادر على تحويله إلى قوة تفاوض وإكراه.
• القيم، حين تُفصل عن التنظيم، تتحول إلى لغة اعتراف لا لغة تحرر.
• والوعي المعرفي، حين لا يمتلك أفق قرار، يصبح جزءًا من إدارة الصراع لا تغييره.
من هنا، فإن التحدي في الحالة الفلسطينية ليس تبنّي “نضال ناعم” أو رفضه، بل حمايته من التحوّل إلى بديل آمن عن الصراع بدل أن يكون أحد أدواته. وهذا بالضبط ما يجعل سؤال الحامل السياسي مركزيا:
من دون حامل قادر على الربط بين الأخلاق والقوة، وبين المعرفة والتنظيم، سيتحوّل “الناعم” إلى خطاب عالمي متعاطف، لا إلى مسار تحرري تاريخي.
الإسقاط الفلسطيني هنا واضح: التعاطف العالمي مع غزة والقضيه الفلسطينية غير مسبوق، لكن من دون حامل سياسي قادرعلى تحويل هذا التعاطف إلى برنامج ضغط منظم، سيبقى فائضا أخلاقيا بلا أثر تاريخي. وأي حديث عن نضال ناعم مفصول عن قدرة المجتمع على العصيان المنظم، وعن امتلاك أدوات قرار جماعي، لن يكون سوى خطاب أخلاقي منزوع الفاعلية.
أكرر دعوة كل المهتمين: المفكرين والمثقفين والباحثين والسياسيين والنشطاء والشباب إلى مواصلة هذا النقاش المفتوح، والمساهمة بملاحظاتهم، وتجاربهم، وأفكارهم حول سؤال الحامل السياسي والسبل العملية لإعادة بناء مشروع تحرري قادر على حماية الناس وتحقيق العدالة. إن استمرار الحوار وتبادل الرؤى ليس مجرد تفاعل فكري، بل خطوة أساسية نحو تطوير استراتيجية سياسية واجتماعية متماسكة، تعكس قدرة المجتمع على التغيير والمقاومة في ظل الظروف الصعبة التي نعيشها اليوم. كل مشاركة تضيف أبعادا جديدة للنقاش، وتساهم في تحويل التشخيص إلى تأسيس فعلي لمسار تحرري مستدام.
