الرئيسية » هاني المصري »   28 تشرين الأول 2006

| | |
اتفاق وقف اطلاق النار: استراحة المحارب أم بداية جديدة؟
هاني المصري

بعد اتصال تلفوني بادر اليه الرئيس ابو مازن مع ايهود اولمرت رئيس الحكومة الاسرائيلية بساعات قليلة، تم الاتفاق على وقف لاطلاق النار، بدأ في غزة فجر يوم الاحد الماضي، ومن المفترض ان يتواصل الى الضفة المحتلة، ويمهد الطريق لصفقة تبادل الأسرى وتشكيل حكومة وحدة وطنية، واستئناف الاتصالات ثم المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية التي توقفت منذ اكثر من 5 سنوات.

فما الذي حدث، حتى تغير الحكومة الاسرائيلية موقفها، الذي تمسكت به حتى قبل ساعات قليلة على اعلان الاتفاق؟ فمكتب اولمرت رفض عرض التهدئة قبل يومين فقط بحجة ان العرض الفلسطيني غير جدي، وجزئي، وان هناك خشية اسرائيلية من توظيف التهدئة من قبل الفلسطينيين عن طريق التدريب والتقييم والحصول على اسلحة جديدة وتطوير الصواريخ التي بحوزتهم، بحيث تصبح ابعد مدى واقدر على ايقاع خسائر مادية وبشرية في صفوف الاسرائيليين.

 

المتغير الابرز، الذي يرجع له الفضل في التوصل المفاجئ لوقف اطلاق النار، هو زيارة الرئيس بوش الى الاردن وامكانية عقد لقاء رباعي يشارك به زعماء الولايات المتحدة الاميركية والاردن وفلسطين واسرائيل. فبوش بعد الانتخابات الاميركية النصفية التي خسر فيها الحزب الجمهوري اغلبيته في مجلسي النواب والشيوخ، وبعد اتضاح حجم المأزق الاميركي في العراق اكثر واكثر، بحاجة الى انجاز على صعيد القضية الفلسطينية من شأنه ان يساعده في العراق، وفي تحسين فرص نجاح المساعي الاميركية الرامية الى اقامة حلف من المعتدلين في المنطقة لمواجهة حلف الممانعة الذي تقوده ايران، والذي حقق نقاطاً عديدة لصالحه بعد الفشل الاميركي في العراق وفي معالجة الملف النووي الايراني، وبعد الفشل الاسرائيلي في لبنان على اثر الهزيمة المخزية للجيش الاسرائيلي الذي لا يقهر في الحرب الاخيرة، وبعد هزيمة اسرائيل في وقف اطلاق الصواريخ الفلسطينية على جنوب اسرائيل، وفي تحقيق اهداف الخطط احادية الجانب من فك الارتباط في غزة الى خطة الانطواء في الضفة.

اذاً زيارة الرئيس الاميركي للاردن ساعدت في الاسراع بالتوصل الى وقف اطلاق النار، كما ان حاجة الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي الى استراحة المحارب، والى فترة لالتقاط الانفاس لبعت دوراً مهماً في احراز الاتفاق، الا ان العامل الحاسم الذي ادى الى هذا التطور البارز يعود الى ما اشارت اليه وزيرة الخارجية الاسرائيلية تسيبي ليفني التي بدت الاكثر حماساً لوقف اطلاق النار، لانها رأت فيه تجسيداً لسياستها الداعية لاستئناف الاتصالات المباشرة مع الفلسطينيين، وذلك لقطع الطريق على اي تدخل دولي لن يكون مريحاً لاسرائيل.

فالحكومة الاسرائيلية، تراقب بقلق بالغ تداعيات الفشل الاميركي والاسرائيلي في العراق ولبنان وفلسطين وايران وسورية، وتلاحظ ان هذا الفشل يشجع اطرافاً دولية وعربية للتقدم بمبادرات لا تناسب اسرائىل لانها تفتح الطريق لتدخلات ومشاركة اطراف اخرى، وهذا يضرب الانفراد الاميركي - الاسرائيلي بحل القضية الفلسطينية، ويستعيد قرارات الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية التي تكرس الحقوق الفلسطينية والعربية وتبعد امكانية تحقيق الحل الاسرائيلي الذي يقوم على الاحتفاظ بسيطرة اسرائيل على معظم الاراضي المحتلة العام 1967، بما فيها القدس، وتصفية قضية اللاجئين، وابقاء اسرائيل كدولة مهيمنة في المنطقة باسرها.

في هذا السياق، دعت ليفني الى احياء خطة الانطواء، التي علقها اولمرت بعد الهزيمة الاسرائيلية المخزية في لبنان، ولكن بعد تعديلها بحيث تصبح خطة "انطواء بالتراخي"، وما يقتضيه ذلك من تعزيز الرئيس الفلسطيني والمعتدلين في الساحة الفلسطينية. وهذا ان تحقق واستطاعت ليفني اقناع حكومتها به، سيعيد زمام المبادرة السياسية في يد اسرائيل بحيث يعود مشروعها الاحادي الجانب، هو اللعبة الوحيدة في المدينة.

ان حكومة اولمرت تخشى حتى من مجرد زيادة احتمال اعادة الاعتبار لخارطة الطريق رغم انها في محصلتها لصالحها، لانها تجاوزتها لصالح خارطة طريق اسرائيلية.

لذلك كله، لا بد من الحذر من الوقوع في الفخ الاسرائيلي تحت وهم ان اسرائيل يمكن ان تعطي الآن اكثر بكثير مما عرضته في السابق. وحتى نبدد مثل هذا الوهم يجب معرفة ان هناك نقاشاً واسعاً داخل اسرائيل، خصوصاً وسط المؤسسة والنخب السياسية العسكرية والامنية يطغى عليه صوت المطالبين باستعادة هيبة الردع الاسرائيلية عبر التصعيد وتوجيه ضربات عسكرية مؤلمة للفلسطينيين ولبنان وسورية وايران. وبلغ هذا الصوا حداً دفع بيريس الى المطالبة بعدم الاقتراب من ازالة حتى البؤر الاستيطانية العشوائية التي التزم شارون للادارة الاميركية بازالتها منذ فترة طويلة.

لا يمكن ان ينجح وقف اطلاق النار، اذا انحصر في غزة، واذا بقي يخص العدوان العسكري المباشر فقط. فكيف يمكن الاستمرار بضبط العناصر الفلسطينية اذا بقيت غزة سجناً كبيراً؟ واذا استمرت اسرائيل في الضفة بتطبيق سياسات الاغتيال والحصار والاعتقال وتكثيف الاستيطان واستكمال الجدار وفصل القدس وتهويدها، فكل هذه السياسات اعمال عنف تمارس بشكل يومي ضد الفلسطينيين ولا يمكن ان يبقى الفلسطينيون مكتوفي الأيدي ازاءها. لا يمكن استمرار وقف اطلاق النار، بدون انطلاق عملية سلام حقيقية جادة، تختلف عن سابقتها، ومرجعيتها الواضحة والمعلنة منذ البداية انهاء الاحتلال، ومثل هذه العملية ليست ناضجة بعد. وحتى تنضج لا بد من ممارسة ضغط كبير ومتنوع على اسرائىل!!

مشاركة: