الرئيسية » هاني المصري »   07 آذار 2009

| | |
إدارة أوباما ـ كلينتون: إحياء خارطة الطريق وهي رميم
هاني المصري

بعد مضي نصف المدة (45 يوما) التي تحتاجها اية ادارة اميركية جديدة لبلورة سياستها، وبعد تعيين جورج ميتشل كمبعوث خاص للمنطقة، وقيامه بجولتين حتى الآن، واعتزامه فتح مكتب دائم في مركز الصراع، وبعد الجولة الاولى لهيلاري كلينتون وزيرة الخارجية اصبحت معالم السياسة الاميركية في عهد الرئيس باراك اوباما تتضح اكثر واكثر، دون انتهاز الفرصة لأحداث تغيير فيها.

تغيير بطيء في الشكل لا الجوهر

اولا وقبل كل شيء، لا بد من القول ان باراك اوباما، مختلف عن جورج بوش الابن، سواء من حيث الحزب الذي ينتمي اليه او التكوين الشخصي او اللون او المرحلة والتوقيت. فهو اول زعيم اسود يترأس الولايات المتحدة الاميركية، وهو خاض حملته الانتخابية على جناح شعار التغيير الذي الهب مشاعر الاميركيين (وغيرهم على امتداد العالم) الذين عانوا الامرين من حماقات واخفاقات ومغامرات ادارة بوش في مختلف انحاء العالم، والتي بلغت الذروة بنشوب اسوأ ازمة مالية عرفها النظام الرأسمالي منذ نشوئه.

اوباما ليس ايديولوجيا متزمتا ولا متدينا متعصبا، ولا يمثل "ظل الله على الارض"، ولا يجسد الخير، ورسالته ليست خوض معركة شاملة ضد الشر، ولكنه رئيس الولايات المتحدة الاميركية. وسياسة بلد بحجم واهمية الولايات المتحدة، لا يقررها شخص وحده، وانما تتقرر عبر منظومة متكاملة من العوامل والمؤسسات ومراكز القرار والتأثير، حيث على الرئيس الاميركي ان يخضع لهذه المنظومة، ويسعى اذا اراد التغيير، الى تغييرها من الداخل. وهذا يجعل التغيير بطيئا وتدريجيا وقابلا للانتكاسة.

واذا كان هذا ينطبق على كل شيء فيما يتعلق بالسياسات الداخلية والخارجية، ولكنه ينطبق عليها بشكل متفاوت. وبدون شك ان اصعب شيء يمكن ان يحدث هو تغيير السياسة الاميركية ازاء اسرائيل، وفيما يتعلق بمنطقة الشرق الاوسط، والصراع العربي - الاسرائيلي. فأي تغيير هناك سيتعرض لمقاومة وضغط معاكس من اللوبي الصهيوني ومجموعات الضغط المؤيدة لاسرائيل داخل الولايات المتحدة الاميركية. لذلك اي تغيير سيكون اذا جاء بطيئا للغاية. في هذا السياق لاحظنا كيف القى باراك اوباما خطابا في مؤتمر الايباك، اثناء الحملة الانتخابية واثبت فيه ولاءه المطلق ودعمه لاسرائيل بصورة زايد فيها على خطاب الرئيس الاميركي السابق جورج بوش أمام نفس المؤتمر.

ولاحظنا كيف التزم باراك اوباما الرئيس المنتخب صمت القبور ازاء الحرب الاسرائيلية العدوانية على قطاع غزة قبل تسلمه مقاليد الحكم، بحجة ان للولايات المتحدة رئيسا واحدا، مع انه لم يلتزم بهذه القاعدة ازاء الهجوم الذي تعرضت له مدينة مومباي الهندية، واكتفى بابداء القلق على ارواح المدنيين من الجانبين، رغم ان الضحايا من جانب الفلسطينيين اضعاف اضعافهم من الاسرائيليين.

وجاء ميتشل في جولته الاولى بعد ايام من تسلم اوباما في اشارة ايجابية مشجعة تدل على أن الإدارة وضعت القضية الفلسطينية ضمن الأولويات، وكانت زيارة استكشافية. وجاء في جولته الثانية ثم جاءت كلينتون في جولتها الاولى، وادلت بتصريحات أظهرت ان التغيير الحادث على السياسة الاميركية حتى الان، والمرشح للاستمرار لبعض الوقت على الاقل، هو تغيير في الشكل وليس في الجوهر. فالادارة الاميركية ملتزمة بالتحالف الاستراتيجي مع اسرائيل، وبالحفاظ على أمنها وتفوقها، وبمنع ايران من الحصول على القنبلة النووية، وهي ستتعامل مع الحكومة الاسرائيلية القادمة مهما كان شكلها، اما الحكومة الفلسطينية القادمة، فلن تتعامل معها الا اذا كانت ملتزمة بشروط اسرائيل، التي اصبحت شروطا للجنة الرباعية الدولية، وهي: الاعتراف باسرائيل ونبذ العنف والارهاب والالتزام بالاتفاقات التي عقدتها المنظمة مع اسرائيل.

ورغم ان هيلاري كلينتون اكدت التزام الادارة الاميركية بعملية السلام وفق حل الدولتين، ووفق خارطة الطريق ودعم السلطة الفلسطينية برئاسة الرئيس ابو مازن، وطالبت باعطاء الاولوية للاتفاق على وقف لاطلاق النار، وفتح المعابر امام تدفق السلع التي يحتاجها قطاع غزة، ولكنها اكتفت بإبداء التمنيات التي لا تسمن ولا تغني من جوع وحدها ودون ضغط. أما في المقابل فكلينتون دافعت عن حق اسرائيل المزعوم بالدفاع عن نفسها ازاء تعرضها للصواريخ الفلسطينية، متجاهلة ان اسرائيل دولة محتلة استيطانية عدوانية عنصرية توسعية، وانها عطلت كل المبادرات والجهود للتوصل الى سلام خلال الـ42 سنة الماضية، وانها تحاصر قطاع غزة حصارا خانقا، يعتبر وفق القانون الدولي نوعا من انواع الحرب والعدوان يوجب حق الدفاع المشروع على النفس.

ان العقبة الاساسية التي تواجه ادارة اوباما ــ كلينتون انها تريد في سياستها الشرق اوسطية ايجاد مقاربة جديدة ازاء القضية الفلسطينية في وقت تتجه فيه اسرائيل نحو مزيد من التطرف، لان المقاربة القديمة لم تنجح، ولان القضية الفلسطينية تملك تاثيرا كبيرا على العالم كله، وأن عدم حلها يظهر الولايات المتحدة الاميركية ظالمة ومنحازة كليا لاسرائيل، ويعطي للقوى والدول المناوئة للولايات المتحدة الاميركية والمعادية لاسرائيل ورقة فاعلة يستخدمونها لتأجيج الصراع ضد المصالح الاميركية وضد القوى والدول المتحالفة مع الولايات المتحدة الاميركية، بما يحول دون اقامة حلف اميركي - عربي - اسرائيل - تركي ضد ايران و"الارهاب العالمي"، وغيرهما من التحديات التي تواجه النفوذ الاميركي في العالم بشكل عام وفي منطقة الشرق الاوسط بشكل خاص.

لجم عدوانية اسرائيل

ان اسرائيل بعد فوز الاحزاب اليمنية واليمنية المتطرفة، وبعد فشل المحاولات الاميركية لتشكيل حكومة وحدة وطنية ملتزمة بالمفاوضات وعملية السلام وفق حل الدولتين، وخارطة الطريق تتجه لتشكيل حكومة يمينية صرفة بزعامة بنيامين نتنياهو.

فالحكومة الاسرائيلية القادمة ترفض حتى مجرد الحديث عن دولة فلسطينية، ولا تطرح سوى خطة السلام الاقتصادي والامن، التي لا تتيح في نهاية المطاف الا قيام حكم ذاتي بلا سيادة للفلسطينيين على نصف مساحة الضفة الغربية.

واذا كان هدف ادارة اوباما - كلينتون الآن وبعد نتائج الانتخابات الاسرائيلية، اصبح متواضعا جدا، وهو لجم عدوانية اسرائيل ومنعها من التفاقم، ومحاولة احياء اتفاق اوسلو وتطبيق خارطة الطريق، الذي يعتبر جورج ميتشل الاب الروحي لها، كما يدل التقرير الذي قدمه في عام 2001 وبنيت خارطة الطريق على اساسه. الا ان هذا الهدف المتواضع صعب جدا على التحقيق، لان حكومة يمينية صرفة لن ترضى بخارطة الطريق الدولية، التي لم توافق عليها حكومتا شارون واولمرت اللتان وضعتا 14 تحفظا عليها، وهي تحفظات اساسية اعادت صياغتها جذريا وحولتها الى خارطة طريق اسرائيلية. وهذا ادى الى ان الجانب الفلسطيني بعد لانقسام السياسي والجغرافي وافق على تطبيق خارطة الطريق من جانب واحد، على امل أن يدفع ذلك اسرائيل الى تطبيق التزامتها فيها. و لكن شيئا من هذا لم يحصل، بل ان التطبيق الفلسطيني أحادي الجانب فتح شهية اسرائيل على طلب المزيد من التنازلات الفلسطينية.

إن حكومة اسرائيلية يشارك بها ليبرمان والأحزاب الدينية المتطرفة ستسعى لوقف القرار الاسرائيلي السابق بتجميد الأستيطان، القرار الذي لم تلتزم به الحكومات السابقة، وستعمل الحكومة القادمة على تطبيق المخططات الاسرائيلية التي تحدثت عنها وسائل الاعلام مؤخرا واشارت الى بناء73 ألف وحدة استيطانية خلال السنوات القادمة، لكي تضم 300 الف مستوطن جديد.

تأسيسا على ما تقدم، ستسعى إدارة اوباما لإحياء اتفاق أوسلو وخارطة الطريق، أي ستحاول احياء العظام وهي رميم، ولن تنجح بذلك لأن أتفاق اوسلو مات منذ زمن طويل وخارطة الطريق الدولية لم تولد بعد لأن اسرائيل لم توافق عليها في أي وقت من الأوقات فكيف ستوافق عليها الان.

إن هناك خشية أن تحاول ادارة أوباما لأرضاء اسرائيل مقابل السياسة الأميركية إزاء ايران أن تدفع لها من كيس الفلسطينيين. ان هذا ممكن أن يتجلى من خلال عدم الضغط على اسرائيل لوقف الاستيطان والالتزام بعملية السلام وحل الدولتين، ومن خلال الابتعاد عن حل الصراع والعودة الى ادارته.

إن السياسة الاميركية كان يمكن أن تتغير ولا يزال هذا ممكنا إذا قامت وحدة فلسطينية فاعلة تستطيع أن تحصل على دعم عربي موحد وفاعل، وعلى دعم دولي يستطيع أن يؤثر على الادارة الأميركية. فالشيء الأكيد أنها لن تغير سياسة اميركا ازاء اسرائيل والمنطقة من تلقاء ذاتها. فهذا يحتاج سياسة فلسطينية جديدة تفتح الطريق للخيارات والبدائل، وتكون قادرة على جمع أوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية. فلابد من الضغط الجدي على الادارة الأميركية لكي تقوم بالضغط على اسرائيل . والادارة الأميركية ستفعل ذلك اذا وجدت أنها ستخسر من سياسة الدعم المطلق لاسرائيل أكثر مما تربح.

لا يكفي أن تقول كلينتون إنها ستثير مسألة الاستيطان مع الحكومة الاسرائيلية وإن المخططات الاسرائيلية لهدم 88 منزلا بالقدس أمر لا يساعد ولا يحترم التزامات خارطة الطريق، وان السلام الاقتصادي الذي يطرحه نتنياهو غير عملي ولا أمل بنجاحه، لأنه المطلوب ادانة الاحتلال وكل ما بني على الاحتلال لأنه غير شرعي وغير قانوني ويجب ازالته، وطرح حل سياسي واضح تلتزم اسرائيل بموجبه بالانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة عام 1967، وبقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس، واقرار حق العودة للاجئين الفلسطينيين. فالحديث عن حل الدولتين دون تحديد أين وكيف ومتى ستقام الدولة الفلسطينية، ودون تحديد مساحة ومقومات الدولة الفلسطينية ضحك على الذقون، ولم يعد يخدعنا، واستخدم سابقا، ويمكن أن يستخدم مجددا للتغطية على سياسة اسرائيل الرامية لخلق أمر واقع يجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا!!!!

مشاركة: