الرئيسية » هاني المصري »   02 تموز 2007

| | |
أربعون عاماً على هزيمة حزيران والعرب يدفعون الثمن
هاني المصري

عندما تحلّ ذكرى هزيمة حزيران في كل عام، تكون مناسبة للذكرى والتقييم وتحديد أين وصلنا، وكيف يمكن أن نكمل المشوار.

أقول هزيمة، فليس أسوأ من أن لا نسمّي الأشياء بمسمياتها.. فاستخدام كلمة نكسة ساهم في عملية الخداع الكبرى التي تعرضت لها، ولا تزال، الشعوب العربية، وفي استمرار الهزيمة حتى الآن.

كيف تكون نكسة، وهي هزيمة حلّت بثلاثة جيوش عربية من قبل الجيش الإسرائيلي خلال ستة أيام، أو الأصح ست ساعات. والهزيمة مدوية ومخزية، لأن الحرب لم تنته بتحطيم الجيوش العربية فقط، وإنما باحتلال إسرائيلي لسيناء وبقية فلسطين والجولان.

 

وحتى ندرك حجم الهزيمة، علينا أن نعرف أن العرب لا يزالون يدفعون ثمن هزيمة 1967 حتى الآن. فالحكومات الإسرائيلية المتعاقبة استخدمت هذه الحرب التي انتصرت فيها إسرائيل انتصاراً تاريخياً، واستخدمت احتلال الأراضي كورقة تهديد وضغط ومساومة، ليس لعقد سلام في صالحها فقط، وإنما لإعادة صياغة الواقع السياسي العربي في البلدان المحيطة بإسرائيل، والتأثير من خلال ذلك في الأوضاع العربية برمتها.

هناك فرق، طبعاً، بين وقوع الهزيمة والاعتراف بها وبين ضرورة رفض الهزيمة والسعي لتغيير الواقع الذي أدّى لها. عبد الناصر، القائد التاريخي والقومي المهزوم، الذي حاول التخفيف كثيراً من وقع الهزيمة باستخدام كلمة نكسة، حاول رفض الهزيمة من خلال إعادة بناء الجيش المصري، وأطلق شعار "ما أُخِذ بالقوة لا يُسترَد إلاّ بالقوة"، وكان وراء لاءات الخرطوم، لا صلح ولا اعتراف ولا مفاوضات مع إسرائيل. ولكن عبد الناصر قد مات، ولاءات الخرطوم صارت من الماضي، ومصر والأردن، ترتبطان بمعاهدات سلام منفردة مع إسرائيل، وسبع دول عربية أخرى ترتبط بأشكال من العلاقات مع إسرائيل..

هذا في الوقت الذي لا تزال فيه إسرائيل تحتل الأرض الفلسطينية والعربية، وتعمّق احتلالها وعدوانها واستيطانها وتهويدها، وتسعى جاهدة، ودون كلل، لتصفية القضية الفلسطينية من كافة جوانبها، والنظام الرسمي العربي ليس لديه جواب، سوى التكرار والاجترار ليل نهار، بأن السلام هو الخيار الاستراتيجي العربي، وأن مبادرة السلام العربية هي الصيغة العربية المقترحة على إسرائيل.

وعندما ترفض إسرائيل نداء السلام، وترفض المبادرة العربية، ليس عند الحكام العرب أي جواب ولا يتبنون السياسة التي تجعل إسرائيل تدفع ثمن رفضها، وتفكر بتغيير سياستها قبل أن تخسر الكثير.

ورغم كل ما جرى طوال الأربعين عاماً الماضية، فإن إسرائيل لم تحقق كل أهدافها، فالقضية الفلسطينية رغم التراجع الكبير الذي أصابها، خصوصاً في السنوات الأخيرة، لا تزال حيّة، ولا يزال الشعب الفلسطيني مصمماً على تجسيدها، مهما طال الزمن وغلت التضحيات.

وإسرائيل لم تعد البعبع الذي يخيف العرب، ولم يعد جيشها الجيش الرابع في العالم، والجيش الذي لا يُقهر. فبعد معركة الكرامة، والمقاومة المستمرة، موجة وراء موجة، والانتفاضات الفلسطينية المتواصلة، وبعد حرب تشرين 3791، وحرب 2891، وبعد حرب الوعد الصادق، سقطت نظرية الردع الاسرائيلية، وأصبح الدور الاسرائيلي الاستراتيجي في إطار الاستراتيجية الكونية الأميركية محل دراسة ومراجعة، وسيتغير عاجلاً أم آجلاً، رغم محاولات واستعدادات الجيش الاسرائيلي للهروب الى الأمام واستعادة الهيبة المفقودة بشن حروب جديدة والسعي للانتصار بها.

ورغم خنوع النظام الرسمي العربي، تشهد المنطقة العربية والعالم الاسلامي كله، حالة رفض شعبية عارمة ضد إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، لدرجة يمكن القول فيها، إن الإدارة الأميركية، التي تمثل القوة العظمى المهيمنة على العالم، غرقت في رمال المنطقة، بعد أن أتت بجيشها الى المنطقة، وتسير نحو الهزيمة، وذلك بعد أن عجزت إسرائيل عن حماية نفسها وتأمين المصالح الأميركية في المنطقة، خصوصاً النفط. فإسرائيل الأداة الغليظة التي لعبت دور الإبقاء على الضعف والهيمنة والتبعية والفقر والتخلف والتجزئة في العالم العربي، أصبحت بحاجة لمن يحميها من العراق أولاً، ومن إيران ثانياً، ولا أحد يعرف منذ الآن ممّن ثالثاً..

وأخيراً، في هذه الذكرى الأليمة، بات المشروع الوطني الفلسطيني في خطر، لأن شروطه الأساسية، إما أنها لم تعد متوفرة، أو مشكوك بها.. ولا بد من إعادة الاعتبار للمشروع الوطني. ولا يمكن تحقيق الوحدة الوطنية بدون أن تستند الى المشروع الوطني.. وأي مشروع وطني عليه أن يستند الى أربعة أركان أساسية: الهدف أو الأهداف.. الاستراتيجية الكفيلة بتحقيق هذه الأهداف.. الشعب المستعد للتضحية والعمل الموحد لتحقيق الأهداف الوطنية.. والقيادة الواحدة الموحدة، القادرة على جمع كل هذه الأركان في عمل عظيم قادر على انجاز الحرية والعودة والاستقلال.

إن استعادة المشروع الوطني قبل أن يضيع كلياً، تبدأ بمراجعة شاملة واستخلاص الدروس والعِبر، والاتفاق على رؤية استراتيجية واحدة.. فالاستراتيجيات المتعددة لشعب تحت الاحتلال، هي الجذر الرئيسي لكل ما يعانيه الشعب الفلسطيني من فوضى واستنزاف داخلي، ومخاطر باتت تهدد قضيته بالتصفية التامة

مشاركة: