الرئيسية » هاني المصري »   29 آب 2006

| | |
ارحموا الصحافة والصحافيين
هاني المصري

انتهت محنة الصحافيين المختطفين منذ اكثر من اسبوعين في قطاع غزة. واعلن المراسل الاميركي ستيف سينتاني والمصور النيوزيلاندي اولاف ويغ بعد اطلاق سراحهما ان "الخاطفين اجبراهما على اشهار اسلامهما وتغيير اسميهما". وذلك كنوع من "التخريجة" لتبرير اطلاق سراحهما من دون تحقيق الشرط الاساسي الذي حدده الخاطفون، وهو الافراج عن معتقلين مسلمين في سجون اميركا. واصدر الخاطفون من "كتائب الجهاد المقدس" شريطاً مصوراً للصحافيين يشهران فيه اسلامهما، كما اصدروا بياناً برروا فيه اطلاق سينتاني وويغ جاء فيه "فيما رفضت دولة الكفر بعنجهيتها وغطرستها فداء اسيريها، اكرمنا الله بدخولهما الاسلام راغبين مطمئنين، فنطقا الشهادة وقبلا بالحق". فلا تكفي الاساءة البالغة التي لحقت بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني، والمقاومة، بسبب خطف صحافيين لا ذنب لهما سوى انهما جاءا لتغطية الاحداث في فلسطين وفي منطقة محفوفة بالمخاطر، حتى وصلت الاساءة الى الاسلام ايضاً عندما لم يتورع الخاطفون عن اجبار الصحافيين على اشهار اسلامهما وتغيير اسميهما كمخرج للخاطفين دون الالتفات الى ان الاسلام دين السماحة وصاحب الدعوة الى حرية كل شخص باعتناق اي دين على اساس ان "لا اكراه في الدين". اللافت للنظر، في كل هذه القصة، ان السلطة بكل مكوناتها، ومن فوق لتحت، ومن الرئيس مروراً بالحكومة، وانتهاء بالشرطي، كانت تتصرف وكأنها لا حول ولا قوة لها. وتكتفي بمناشدة الخاطفين والتوسط عندهم للافراج عن الصحافيين المختطفين.


 وذلك رغم ان السلطة بقضها وقضيضها ادانت عملية الخطف، وطالبت بمحاسبة الخاطفين (ولا اعرف من تطالب وهي الجهة المسؤولة عن الامن العام والنظام العام). واذا كان حذر السلطة اثناء الخطف، قد يكون له ما يبرره، حرصاً على حياتهما، ولكن لماذا بعد الافراج عنهما. بدا واضحاً حرص جميع الاطراف على اخفاء هوية الخاطفين، اذ اصر كل من تحدث امام وسائل الاعلام على عدم البوح باسم الجهة او الاشخاص الذين كانوا يحتجزون الصحافيين او الذين كانوا يتفاوضون معهم. بل اكثر من ذلك بلغ التستر على هوية الخاطفين الى حد تأكيد رئيس الوزراء اسماعيل هنية انهم لا ينتمون الى حركة حماس، او الى اي فصيل فلسطيني او الى تنظيم القاعدة. هذا التصريح يوحي وكأن الخاطفين لغز محير، أو أتوا من جزيرة مجهولة ولا احد يعرفهم. ان الخاطفين معروفون لجميع الجهات والاطراف والافراد المحليين والاشقاء والاجانب الذين ساهموا بالافراج عن الصحافيين، وعلى الحكومة ان تبادر الى اصدار مذكرات اعتقال بحقهم وتقديمهم للمحاكمة، حتى ينالوا ما يستحقونه من عقاب، وجعلهم عبرة لمن يعتبر. اما اذا قيدت القضية ضد مجهول رغم انه معلوم، فهذا يعني ان الحكومة الحالية (حكومة حماس) لا تختلف كثيراً عن الحكومات السابقة (حكومات فتح) التي لم تحرك ساكناً ضد مظاهر الفوضى والفلتان الأمني. وضد مسلسل اختطاف الصحافيين والاعتداء عليهم. ان عدم محاسبة من يختطف ويقتل ويشيع بالارض الفلسطينية الفساد يعطيه شرعية ويفتح الطريق لاستشراء حالة الفوضى والفلتان الأمني والزعرنة. ومن يعتدي على صحافي او يقتله او يعتقله او يختطفه او يعيقه عن العمل يرتكب جريمة مضاعفة، جريمة ضد انسان ومهنته. من اللافت للنظر، ان قوات الاحتلال قامت عشية الافراج عن الصحافيين المختطفين بقصف سيارة من نوع هامر، ما أدى إلى اصابة صحافيين بجروح خطيرة، رغم ان السيارة مكتوب عليها ومن كافة الجهات، وبعلامات بارزة تشير إلى انها سيارة صحافة، وذلك خلال اجتياح حي الشجاعية شرق غزة، في جريمة جديدة ترتكبها قوات الاحتلال ضد الصحافيين، في محاولة لترويعهم ومنعهم من القيام بواجبهم المقدس بنقل الحقيقة، وما يجري في غزة وكل فلسطين الى العالم كله. فالاحتلال يخشى من الحقيقة، لانها اذا انتشرت تظهره على حقيقته، وهذا سيقوي الشعب الفلسطيني ويجعله قادراً على الصمود والانتصار على الاحتلال. أليس هذا شيئاً يدعو للتوقف كيف ان الصحافيين يتم استهدافهم من الاحتلال ومن دعاة المقاومة والاسلام والجهاد في الوقت نفسه ما يجعل هذه الاعمال بقصد أو دون قصد تصب في خدمة الاحتلال. حسناً فعل سينتاني ويغ عندما اكدا ان غزة بحاجة للاعلام، وعندما طلبا من كل الصحافيين القدوم الى غزة، وألاّ يجعلوا الاختطاف يحقق أهدافه. الاعلام سلاح في يدنا، اذا عرفنا استخدامه، لا تقل اهميته عن الصمود والمقاومة فهو الذي ينقل الرسالة والمعاناة والاهداف، ويجعل حياة الاحتلال صعبة اكثر. القضية الفلسطينية عادلة، ويجب ان يستخدم ابناؤها اساليب انسانية اخلاقية تنسجم مع عدالتها، حتى تتجسد بأسرع وقت واقل التضحيات، واذا تصور البعض ان التشبه بالاحتلال، واجرامه واساليبه الوحشية يعطيه مبرراً يجعله بعيداً عن المساءلة والانتقاد والمحاسبة، فهو يخطئ كثيراً. فكون الاحتلال ظالماً لا يعطي للضحية حقاً في أن تظلم. وكون الاحتلال مجرماً لا يسوغ للضحية حقاً في أن تجرم. فالغايات النبيلة بحاجة الى اساليب نبيلة تحققها. ومقابل التفوق العسكري الاسرائيلي هناك تفوق فلسطيني اخلاقي وانساني يجب الحفاظ عليه وتعميقه لاظهاره باستمرار.

 

مشاركة: