الرئيسية » هاني المصري »   14 شباط 2008

| | |
اسرائيل بعد الانتخابات: حكومة حرب وشلل عملية السلام
هاني المصري

أكدت نتائج الانتخابات الاسرائيلية اتجاه اسرائيل نحو المزيد من التطرف الذي بدأ منذ الانتخابات التي جرت عام 1996 وحملت بنيامين نتنياهو زعيم الليكود الى سدة الحكم.

فمنذ ذلك التاريخ لم يعد هنالك "صقور وحمائم" في اسرائيل بل انهار معسكر السلام واليسار انهيارا يكاد يكون تاما، ولم يعد يبقى في اسرائيل سوى معسكر واحد هو معسكر التطرف والحرب. فالتنافس في الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة كان في غالبيته تنافسا بين اليمين واليمين الأكثر تطرفا.

رغم ما تقدم أعتقد أن نتنياهو لن يغلق الباب كليا أمام المفاوضات حتى لو شكل حكومة يمينية صرفة، لأنه يدرك أن المفاوضات التي لا تحقق شيئا للفلسطينيين هي الدجاجة التي تبيض ذهبا لاسرائيل، لذلك لن يمانع باستئنافها.

نعم، لا تستغربوا ذلك. فالمشكلة عند اليمين في اسرائيل ليست في المفاوضات بحد ذاتها، بل بما يمكن ان تقدمه اسرائيل فيها من "تنازلات" وبما ستحصل عليه فيها أو بسببها من مكاسب. الأهم من كل ذلك هو ما تفعله اسرائيل على الأرض، في ظل كل الحكومات الاسرائيلية، مهما كان شكلها، من استكمال لسياسة فرض الحقائق على الأرض، التي تجعل الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عمليا على الأرض.

طبعا من الصعب على نتنياهو تشكيل حكومة يمين صرفة، لأنها حكومة يصعب تسويقها أميركيا و دوليا، كما أن تشكيلها ليس سهلا تماما، في ظل الخلافات الكبيرة بين الأحزاب اليمينية، الدينية والعلمانية.

من الصعب أيضا على تسيبي ليفني أن تشكل الحكومة، لأن الأحزاب اليمينية تفضل نتنياهو و"الليكود"، ولأنها ستكون مضطرة لمشاركة أكثر من حزب يميني حتى تحصل على ثقة الكنيست، وهذا يتطلب أن توافق ليفني على شروط سياسية ومالية تقيد هذه الحكومة وتجعلها لا تختلف كثيرا عن حكومة يمينية تكون برئاسة نتنياهو.

إن السيناريوهات الأكثر احتمالا لتشكيل الحكومة الاسرائيلية تشير الى أنها ستكون حكومة موسعة أو حكومة وحدة وطنية يشارك بها معظم أو كل الأحزاب الاسرائيلية الاربعة الكبيرة. واذا تم تشكيل مثل هذه الحكومة ستكون حكومة حرب خصوصا ضد ايران فيما اذا فشلت الادارة الأميركية باقناعها بالتخلي عن برنامجها النووي. كما أنها ستكون حكومة شلل بالنسبة لعملية السلام، ولكن دون إقفال الباب أمام استئناف المفاوضات، بل حكومة وحدة وطنية ستكون قادرة أو ستحاول بيع وهم السلام مجددا، فهي يمكن أن تستأنف المفاوضات دون أية التزامات اسرائيلية، تشبه حتى الالتزامات الهزيلة التي التزمت بها الحكومات الاسرائيلية السابقة.

ستكون المفاوضات اذا استؤنفت من أجل المفاوضات، وستركز على خطوات بناء الثقة والاقتصاد وبناء الأجهزة الأمنية للسلطة الفلسطينية لكي تكون قادرة على محاربة "الارهاب" وسقفها حكم ذاتي للفلسطينيين، وستكون مفاوضات دون مرجعية واضحة وملزمة. إنني أحذر من التفاوض مع مثل هذه الحكومة. فاذا كانت اسرئيل تحت سيطرة حزبي كاديما والعمل، الأقل تطرفا، لم تقدم عرضا يمكن أن يقبله الرئيس أبو مازن، رغم اعتداله الشديد، فكيف لها أن تقدم عرضا أفضل أو أقل سوءا وهي الأن ستكون تحت سيطرة حكومة يقودها حزبا الليكود واسرائيل بيتنا، الأكثر تطرفا.

ما سبق يعني أن نتائج الانتخابات الاسرائيلية توفر موضوعيا أساسا قويا واضافيا لوحدة الفلسطينيين مجددا، لأن أحد اهم مصادر الخلافات بينهم، وهو الخلاف على المفاوضات وما يسمى عملية السلام، يكون قد تراجع كثيرا، إن لم أقل إنه قابل للزوال. فما ستطرحه الحكومة الاسرائيلية القادمة، سيكون أقل مما يمكن أن يقبله أكثر الفلسطينيين اعتدالا. فاليمين الاسرائيلي لا يفرق بين الفلسطينيين، بين "فتح" و"حماس"، بين المعتدلين والمتطرفين، ويرى أن الفلسطيني الجيد، هو الفلسطيني الميت، والفلسطيني العميل، أما الفلسطيني المعتدل فهو لا يقل خطرا، إن لم يزد، عن الفلسطيني المتطرف.

وقف المفاوضات وايجاد قواعد جديدة..

في هذا السياق على الفلسطينيين والعرب أن يراجعوا مسيرة السلام والمفاوضات لاستخلاص الدروس والعبر، لأن الاستمرار فيها رغم كل ما جرى وما يمكن أن يجري بعد سيطرة المتطرفين على الكنيست الاسرائيلي، لا يشكل خطأ جديدا فقط، وانما تجاوزا للخطوط الحمراء. فاسرائيل الآن تتزايد فيها دعوات الحرب والتوسع والاستيطان والعنصرية، وسيفتح شهيتها لذلك اكثر أن يستمر العرب باستجدائها لتحقيق السلام. فما يمكن أن تقدمه الآن لهم هو "السلام مقابل السلام" وليس مقابل الأرض أو مقابل تمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، عاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا وفقا لقرار 194.

قد يقول قائل، ونحن نسمع مثل هذا الكلام، من بعض الأوساط الفلسطينية والعربية، ومن معظم الأوساط الاسرائيلية والأميركية، إن اليمين الاسرائيلي هو الأكثر قدرة على صنع السلام، فهو عندما يتخذ قرارا بذلك يجد أن معسكري الوسط واليسار في اسرائيل يدعمانه، على عكس الأمر عندما يكون اليسار في الحكم فهو يجد معارضة من المعارضة اليمينية بما يحول دون تحقيق السلام. وللبرهنة على ما سبق، يقدم أصحاب هذا الرأي أمثلة مثل أن اليمين الاسرائيلي بزعامة مناحيم بيغن هو الذي عقد معاهدة السلام مع مصر وانسحب من سيناء، وهو بزعامة نتنياهو نفسه "انسحب" من الخليل، وعقد اتفاقية "واي ريفر"، وهو بزعامة ارئيل شارون "انسحب من غزة".

ردا على هذه الأقوال أقول إن السلام على المسار الفلسطيني يختلف جذريا عند الاسرائيليين، وتحديدا عند اليمين الاسرائيلي، عن السلام على المسارات العربية الأخرى. فاليسار بزعامة حزب "العمل" عقد اتفاق أوسلو، واليمين الاسرائيلي قضى عليه، وساعده على ذلك حزب "العمل" بزعامة أيهود باراك الذي سار نحو اليمين مختلفا عما كان عليه وقت زعامة اسحق رابين.

إن الانسحاب من سيناء جاء في ظروف مختلفه جدا عربيا ودوليا، فقد كان هناك تضامن عربي، ومعسكر اشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وكان هناك رئيس أميركي صمم على تحقيق انجاز تاريخي. كما أن اسرائيل مقابل انسحابها من سيناء أخرجت مصر الدولة العربية الكبرى وقائدة العرب من معادلة الصراع، واستفردت بالعرب الاخريين، خصوصا الفلسطينيين حيث نفذت بعد معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية مخططات عدوانية واستيطانية وعنصرية وتوسعية، لم يسبق لها مثيل، وشنت عدوانا عسكريا شاملا على لبنان عام 1982 كان من نتيجته خروج قيادة م.ت.ف والقوات الفلسطينية من لبنان.

أما بالنسبة لنتنياهو ألم يكن هو صاحب قرار الاستيطان في جبل أبو غنيم مما ادى الى انتفاضة النفق في عام 1996؟ وألم يبلور نتنياهو هو والمحافظون الجدد في اميركا برئاسة ريتشارد بيرل (أمير الظلام) وثيقه عام 1995 تستهدف الاطاحة باتفاق اوسلو لأنه كارثة ــ على حد زعمهم ــ على اسرائيل. السؤال الذي يطرح نفسه هو أين اتفاق أوسلو؟ لقد تجاوزته الأحداث واصبح في ذمة التاريخ.

اما اتفاق الخليل فهو اتفاق فرعي ولم يتضمن انسحابا من الخليل، وانما اعادة انتشار، وترافق مع تقسيم الخليل الى H1 و H2 بما مكن مئات المستوطنين من الاستيطان في قلب الخليل، ما جعل الحياة فيها جحيما لا يطاق.

أما اتفاقية "واي ريفر" التي تتعلق بتنفيذ بقية إعادات الانتشار، فقد بقيت حبرا على ورق، لان نتنياهو ندم على توقيعها وتجاوزها من خلال الذهاب الى انتخابات مبكرة أدت الى نجاح إيهود باراك زعيم حزب "العمل" الذي رفض تطبيق الالتزامات الاسرائيلية في أوسلو ودمج ما بينها وبين التفاوض على قضايا الوضع النهائي.

إن حزب "الليكود" الان بعد التطورات الاخيرة أصبح أكثر تطرفا لدرجة أن ثلثي قيادته تعتبر أكثر تطرفا من نتنياهو نفسه. أما بالنسبة لقرار شارون بفك الارتباط عن قطاع غزة، فاعتقد أن ما جرى منذ تنفيذ ذلك القرار يكفي للدلالة على أنه لم يمثل خطوة نحو السلام، وانما خطوة الى الوراء في غزة، من أجل فصل الضفة عن غزة، ومن أجل سير اسرائيل عشر خطوات الى الأمام على طريق تعميق الاحتلال في الضفة، ومن اجل قطع الطريق على المبادرات العربية والدولية الرامية لحل الصراع، وابقاء كل الجهود تدور على أساس المبادرة الاسرائيلية، التي كانت بعد فك الارتباط، اللعبة الوحيدة في المدينة.

على الفلسطينيين والعرب أن يدركوا مرة واحدة وأخيرة، أن اسرائيل لا تريد السلام وغير جاهزة للسلام، وأنها أصبحت الان اكثر تطرفا، لأنها عجزت عن فرض السلام الاسرائيلي على الفلسطينيين في قمة كامب ديفيد عام 2000، ووفقا لمسار أنابوليس طوال عام 2008. لذلك تريد اسرائيل أن تجرب الاسهم الأخيرة في جعبتها، عبر استخدام اليمين واليمين الأكثر تطرفا الذي يدعي أنه قادر على استكمال وانهاء الحروب التي خاضتها اسرائيل ولم تنتصر بها، خصوصا في حربي 2006 في لبنان، و2009 في غزة، وعلى المبادرة بشن الحروب التي لم تبادر لشنها خصوصا ضد سورية وايران.

اختبار صعب لاوباما..

هنالك عامل واحد معاكس جدا لاسرائيل، هو أن البيت الأبيض يقطن فيه حاليا رئيس أميركي جديد يطرح التغيير في الولايات المتحدة الأميركية والعالم كله، وهو جاء بعد رحيل اكثر رئيس اميركي دعما لاسرائيل، وأدى حكمه الى سلسلة من الاخفاقات والمغامرات والحروب والى الأزمة المالية الكبرى، ما يتطلب منه طرح سياسة الحوار والحوافز والتعاون والحلول الوسط. وهذا كله يفرض على اسرائيل أن تتغير ولو قليلا.

وبدلا من أن تفعل اسرائيل ذلك اتجهت أكثر نحو اليمين والتطرف حتى تجعل مهمة الرئيس الاميركي الجديد أصعب بكثير. واسرائيل تراهن في ذلك على صداقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية وعلى اللوبي الصهيوني ومجموعات الضغط المؤيدة لها، الأمر الذي يمكن أن يجعل الرئيس الأميركي يفكر مليا قبل ممارسة ضغط جدي على اسرائيل، وهو سيكتفي على الأغلب، بإدارة الصراع ولن يسعى لحله. وهذا السلوك الأميركي المتوقع أضمن لأن أقصى ما يمكن أن يؤدي اليه حدوث بعض الخلافات الأميركية - الاسرائيلية، وبعض الضغوط الأميركية على اسرائيل تتعلق بقضايا ثانوية. فلن تفرض الادارة الاميركية والعالم شروطا على الحكومة الاسرائيلية القادمة للتعامل معها مهما كانت عدوانية ومتطرفة، فهذا التعامل خاص بالفلسطينيين فقط.

أخشى ما اخشاه، أن ينسى العرب والفلسطينيون كل الاشارات المعادية التي ستطلقها الحكومة الاسرائيلية القادمة، مهما كان شكلها، وأن يمسكوا بحبال الأوهام حول احتمال أن يضغط الرئيس الأميركي على اسرائيل، ويسارعوا للقول لننتظر ونرى، ولنبقي اليد العربية ممدودة بمبادرة السلام دون تسليحها بأنياب، ودون فتح الطريق أيضا أمام الخيارات والبدائل الأخرى، ويمدوا ايديهم ايضا لاستئناف المفاوضات، بينما الحد الأدنى المطلوب لذلك، هو الاصرار على تلبية متطلبات أساسية قبل استئناف أية مفاوضات على رأسها: وقف الاستيطان والعدوان والحصار، والاتفاق منذ البداية على أن اهداف المفاوضات هي تطبيق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وليس التفاوض حولها.

ان تحقيق كل ذلك يتطلب في أية مفاوضات قادمة ان يكون هنالك، دور دولي فاعل، وضمانات دولية، وآلية تطبيق ملزمة وجدول زمني قصير. فالمفاوضات أية مفاوضات يجب أن لا تدور الى الابد. ومن يرد السلام فعلا عليه ان يستعد للحرب.

مشاركة: