الرئيسية » هاني المصري »   20 كانون الأول 2009

| | |
إقرار حل الدولتين لا يكفي....
هاني المصري

في نهاية الأمر، ومثلما كتب الصحافي الإسرائيلي بن كسبيت، ستوافق حكومة بنيامين نتنياهو على حل الدولتين ولكن على طريقة "نعم.. ولكن"، وبشكل تطغى فيه "لكن" على "نعم" من خلال وضع الشروط الإسرائيلية الثقيلة التي تفرغ هذه الموافقة من مضمونها بحيث تؤجل قيام الدولة وتجعل قيامها يتم وفقا للمصالح والاحتياجات الإسرائيلية. إن اسرائيل تضمن من خلال هذه الموافقة، عدم حدوث المجابهة مع إدارة باراك اوباما التي أكدت بشكل واضح أنها لن تقبل بعدم الموافقة على حل الدولتين، الى حد أن جورج ميتشل المبعوث الأميركي الى المنطقة أعلن في جولته الأخيرة أن قيام الدولة الفلسطينية مصلحة أميركية، وهو تعبير يستخدم للمرة الأولى، ويدل على مدى الأهمية التي تعلقها الإدارة الأميركية على حل الدولتين.

 

فكما قال رام ايمانويل رئيس موظفي البيت الأبيض لزعيم يهودي أميركي فإن الإدارة الأميركية مصممة على التوصل الى اتفاق فلسطيني ــ إسرائيلي ينهي الصراع خلال فترة رئاسة باراك اوباما.

وحتى لا نغرق بـ "شبر مية"، علينا أن ندرك ان الخلاف الاميركي الاسرائيلي محدود وينحصر بين المطالبة الاميركية باعتماد مسار انابوليس الذي ينص على حل الدولتين والموافقة الإسرائيلية على خارطة الطريق وفق الملاحظات الاسرائيلية عليها.

إن الاقرار الاسرائيلي بمبدأ حل الدولتين لا يساوي قلامة ظفر. فهذا الاقرار تم إبان حكومة ارئيل شارون، وأصبح التزاما إسرائيليا إبان حكومة ايهود اولمرت، ولكن هذا لم يغير شيئا على أرض الواقع. لذلك حذار من أن تقدم لنا الموافقة الاسرائيلية على حل الدولتين وكأنها تنازل اسرائيلي كبير نطالب بتقديم شيء مقابله، لا يقل عن الموافقة على استئناف المفاوضات كما كانت وفقا لمسار انابوليس. ان السياسة الفلسطينية يجب ان تركز على، والا ستقع ضحية فخ قديم ــ جديد، وقف الاستيطان والعدوان والحصار أولا، وعدم العودة لارتكاب الخطأ السابق القائم على أن المفاوضات يمكن ان تحقق هذه المهمة. وإذا قبلنا بذلك نكون لا نريد أن نتعلم من تجربتنا المريرة شيئا ونكون كأننا ندفع ثمن البضاعة الواحدة مرتين بل وعددا لا يحصى من المرات.

إن استمرار الإجراءات والسياسات الإسرائيلية الاستيطانية العنصرية العدوانية الرامية الى استكمال تهويد القدس وفصلها عن بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة العام 1967، والى تقطيع أوصال الضفة الغربية وفصلها عن قطاع غزة، يرمي الى خلق أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي القائم على اللاءات الإسرائيلية المعروفة، الحل الوحيد المطروح والممكن عمليا. وبالتالي من دون وقف هذه السياسة واستئناف المفاوضات تكون المفاوضات غطاء لتطبيق الحل الإسرائيلي، ولكن بموافقة غير مباشرة من الفلسطينيين.

من أجل البرهنة على ما تقدم يكفي أن نقول إن افيغدور ليبرمان وزير الخارجية الإسرائيلية والأكثر تطرفا وعنصرية داخل الحكومة الإسرائيلية أعلن سابقا وكرر ذلك حاليا أنه موافق على حل الدولتين، ولكنه يضع طريقا خاصا به لإقامة الدولة الفلسطينية يركز على الأمن أولا، وعلى تحقيق أهداف إسرائيل التوسعية ثانيا، وضم فلسطينيي 1948 لهذه الدولة ثالثا ضمن مبدأ تبادل السكان والأراضي ثالثا، أي أنه مستعد لإقامة دولة فلسطينية ولكن في نهاية المطاف شريطة أن تكون على جزء من الأرض المحتلة العام 1967، وبصورة تضمن بقاء إسرائيل كدولة يهودية وبحيث تكون متحكمة بهذه الدولة التي لن تمتلك، اذا قامت وفقا لاشتراطات ليبرمان من مقومات الدول سوى الاسم.

في هذا السياق يجب ألا نستمر بالدوران في دوامة المطالبة بالموافقة الإسرائيلية على حل الدولتين، والتي تمر بوضع المزيد من الشروط التعجيزية، مثل الشرط الذي أبلغه رئيس الحكومة الإسرائيلية لميتشل في لقائهما الأخير حول ضرورة الموافقة الفلسطينية على يهودية إسرائيل كشرط عاجل او مؤجل لاستئناف المفاوضات الفلسطينية ــ الإسرائيلية. وهناك شرط آخر يتم التلويح به دائما وهو إسقاط بند التفاوض حول القدس من خلال الإصرار على إعلان الموافقة الفلسطينية على أن القدس هي العاصمة لإسرائيل، إضافة الى المطالبة التي أشار إليها ايهود باراك بتعديل مبادرة السلام العربية.

إن جذر الصراع يكمن في الاحتلال وفي تشريد وإبادة وملاحقة الشعب الفلسطيني وطمس هويته وحقوقه الوطنية ومصادرة أرضه وتهويدها وطرد سكانها، لذا إن الأمر الحاسم هو اعتراف إسرائيل أولا بأنها دولة محتلة، واستعدادها لإنهاء الاحتلال عن كافة الأراضي المحتلة العام 1967 بما فيها وعلى رأسها القدس، وليس إنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967، وفقا للعبارة التي استخدمها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش وأخذنا نرددها دون تدقيق. فهناك فرق جوهري حاسم، سياسي وقانوني، بين إنهاء الاحتلال عن كافة الأرض المحتلة العام 1967 والعودة الى خطوط 4 حزيران 1967، وبين إنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967.

وثانيا: على إسرائيل أن تقر بحق الشعب الفلسطيني بتقرير مصيره، بما يشمل حقه بإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

ثالثا: إقرار القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية وخصوصا فيما يتعلق بقضية اللاجئين التي تعتبر أساس وجوهر القضية الفلسطينية.

رابعا: ضرورة وقف كافة الخطوات الاسرائيلية أحادية الجانب في الأرض المحتلة العام 1967، والتي تشمل الاستيطان ومصادرة الأرض وطرد سكانها وهدم المنازل والاعتقالات والاغتيالات والاقتحامات، وبناء جدار الفصل العنصري وإزالة الحواجز والحصار خصوصا الحصار الخانق على قطاع غزة، والسيطرة على المواقع الدينية والأثرية والتاريخية والاستراتيجية وعلى أحواض المياه.

إن تركيز الاهتمام والاكتفاء بالمطالبة بإقرار إسرائيل بحل الدولتين وإحياء عملية السلام، لا يمكن أن يؤدي الى وقف الاستيطان، ولا الى تحقيق المطالب الاخرى التي على رأسها استناد المفاوضات الى مرجعية واضحة وملزمة، ولا الى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والا تكون مفاوضات ثنائية دون تدخل دولي حقيقي فعال، ولا ضمانات دولية، ودون سقف زمني يتم التقيد به، ولا آلية تطبيق ملزمة، وهذا سيعيدنا، الى المفاوضات من اجل المفاوضات، وسيعيد الحياة لعملية السلام التي أصبحت، منذ فترة طويلة عملية سلام دون سلام.

إن هذا الواقع أوجد مصلحة لأطراف فلسطينية وعربية وإسرائيلية ودولية، باستمرار عملية السلام، كمجرد عملية، لأنها تضمن بقاء السلطة كغاية وليست كما يجب ان تكون وسيلة لإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة، بما يزيل عبء الاحتلال عن كاهل إسرائيل، وبما يساعدها على مواصلة فرض الحقائق الاحتلالية على الأرض التي تقطع الطريق على إمكانية التوصل الى حل يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية.

لقد التزم الرئيس الأميركي السابق بإقامة الدولة الفلسطينية خلال العام 2005، وأقرت خارطة الطريق التي أقرتها اللجنة الرباعية الدولية هذا التاريخ لإقامة الدولة، ولم يتم الوفاء بهذا الوعد أيضا. وأقر مؤتمر انابوليس بضرورة التوصل الى اتفاق سلام خلال العام 2008، وها نحن في شهر نيسان 2009 وهناك حكومة إسرائيلية ترفض حتى مسار انابوليس سيئ الصيت والسمعة. وحدد اتفاق اوسلو مدة 5 أعوام لإنهاء التفاوض على قضايا الوضع الدائم التي كان من المفترض ان تنتهي في أيار العام 1999 وأصبح اتفاق اوسلو كأنه يفتح الباب لمفاوضات الى الأبد، ولفترة انتقالية ليس لها نهاية.

تأسيسا على ما سبق نحن لسنا بحاجة الى تحديد موعد جديد لانهاء المفاوضات لا يتم الالتزام به أو الى مجرد إقرار إسرائيلي جديد بمبدأ حل الدولتين، بينما يتواصل الاستيطان والجدار والمصادرة وتهويد القدس والاعتقالات والاغتيالات والاقتحامات. فيجب عدم استئناف المفاوضات دون التزام إسرائيلي واضح بوقف سياسة فرض الحقائق الإسرائيلية على الأرض، ودون التزام إسرائيلي بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة بحيث تكون المفاوضات من أجل إنهاء الاحتلال وتطبيق القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وليس التفاوض حولها.

وحتى يحدث ذلك يجب اتباع سياسة فلسطينية وعربية مغايرة تركز على حشد واستخدام أوراق القوة والضغط الكفيلة بجعل إسرائيل ومن يدعمها يفكران مليا، قبل الاستمرار بتجاهل المطالب والحقوق والمصالح الفلسطينية والعربية.

أما إذا استمر الفلسطينيون والعرب، متمسكين بخيار السلام والمفاوضات كخيار استراتيجي وحيد، دون الاستعداد للخيارات والبدائل الاخرى، واذا استمروا باستجداء المطالب وتقديم التمنيات، فهذا يزيد إسرائيل اقتناعا بأن الوقت يعمل لصالحها، وأن ما يرفضه الفلسطينيون والعرب الآن سيقبلونه في المستقبل!!.

مشاركة: