الرئيسية » هاني المصري »   15 أيلول 2007

| | |
الاجتماع الدولي ورطة أم مخرج؟
هاني المصري

قال الكاتب فيصل حوراني لي: أتعرف أنني اتخذت موقفاً معارضاً لاتفاق أوسلو منذ البداية، رغم أنني واقعي جداً وأفهم أهمية موازين القوى وأخذ المعطيات والمتغيرات والمستجدات بالحسبان عند تحديد المواقف السياسية. قلت له: أعرف ذلك، ولكن هل تفسر لي لماذا بالضبط اتخذت مثل ذلك الموقف؟ أجاب: بكل بساطة لأن الاتفاق عقد في ظروف سيئة جداً، في مرحلة هبوط عام، وفي مثل هذه الظروف وتلك المرحلة لو كان الاتفاق ينص على تحرير كل فلسطين لن يكون قابلاً للتطبيق. فكيف والحال أن أوسلو كان ممتلئاً بالثغرات القاتلة؟ وإسرائيل ستطبقه كما يحلو لها!


كتبت المقدمة أعلاه كتمهيد لما سأكتبه عن الاجتماع الدولي المفترض عقده في الخريف القادم وفقاً لدعوة الرئيس بوش، خصوصاً أن الوضع الفلسطيني الحالي أسوأ من الوضع عشية أوسلو بكثير.

فمنذ طرح فكرة هذا الاجتماع في تموز الماضي وحتى الآن، يتحول هذا الاجتماع إلى ورطة أخذ الجميع يبحثون عن طريقة للتخلص منها، من خلال الدعوة إلى الاستعداد لتأجيله كما لمح أولمرت ووزيرة خارجيته وسط محاولات إسرائيلية مستمرة لخفض سقف التوقعات منه.

كما دأب الرئيس أبو مازن في الآونة الأخيرة على التحذير من انعقاده دون توضيح متى وأين سيعقد، ومن سيشارك به، وما هو مضمونه، وسط إشارات معلنة وتأكيد مصادر متعددة بأن الرئيس لن يحضر الاجتماع الذي لا يعرف هل هو اجتماع أو مؤتمر، فمرة يتحدثون عن اجتماع ومرة أخرى عن مؤتمر، إذا لم توجد ويضمن أن يكون فرصة حقيقية ودفعة ملموسة لعملية السلام.

وأكدت المملكة العربية السعودية مراراً كان آخرها بعد زيارة أبو مازن الأولى للسعودية بعد الأحداث التي شهدتها غزة، بأنها لن تحضر الاجتماع إذا لم تضمن نتائج جوهرية. ولم يتوقف الرئيس المصري عن الحديث عن غموض المؤتمر وضرورة خروجه باتفاق اطار ملموس، ونقلت مصادر متعددة أن ديفيد ولش مساعد وزيرة الخارجية الأميركية قال في زيارته الأخيرة إن المؤتمر قد لا يعقد إذا لم يحدث تقدم جوهري في اللقاءات الفلسطينية - الإسرائيلية.

وما يدل على عمق الورطة التي سببها هذا الاجتماع، أن الحديث بدأ عن إيجاد مخارج لفشله المرجح جداً إذا عقد، وذلك عن طريق اعتبار عقده مجرد حلقة في سلسلة من الحلقات بحيث يكون هذا الاجتماع هو الأول، يتبعه اجتماع دولي آخر بعد ستة أشهر وهكذا دواليك.

رغم كل ما سبق، فإدارة بوش بحاجة إلى إنجاز ما على صعيد الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي يساعدها في حربها في العراق وحربها المحتملة ضد إيران عن طريق تعميق التحالف بينها وبين الدول "المعتدلة" وربما ضم إسرائيل لهذا التحالف للوقوف في وجه الصعود الإيراني وتحالف دول وأطراف معسكر الممانعة في المنطقة. ولكن الإنجاز الحقيقي في أزمة المنطقة المركزية بحاجة إلى ضغط أميركي جدي على إسرائيل يدفعها لتغيير موقفها الذي يريد أن يحصل على كل شيء دون أن يقدم شيئاً يذكر. الموقف الإسرائيلي يريد أن يبقي أي اطار أو كيان فلسطيني مجرد حكم ذاتي خاضع للهيمنة الإسرائيلية مهما أخذ شكله واسمه دولة أو سلطة أو حتى امبراطورية وعلى أساس ابتلاع وضم أكبر مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية المحتلة، وإخلاء الأراضي الآهلة والمكتظة بالسكان.

إدارة بوش في آخر أيامها وهي في أضعف حالاتها ليست راغبة ولا قادرة على ممارسة أية ضغوط جدية على إسرائيل، بل مستعدة لممارسة الضغوط على الفلسطينيين والعرب.

تأسيساً على ذلك، فإن أقصى ما يمكن أن تقدمه إسرائيل قبل وفي هذا الاجتماع إعلان مبادئ أو اتفاقية اطار (الاسم ليس مهماً) دون تفاصيل ويكون غامضاً يحافظ على الموقف الإسرائيلي المتضمن اللاءات الثلاث:

لا للانسحاب إلى حدود الرابع من حزيران العام 1967.

لا لحق العودة وقضية اللاجئين لأراضي إسرائيل.

لا للتخلي عن القدس عاصمة إسرائيل الأبدية.

والأنكى مما تقدم وأمرّ، أن أي اتفاق يتم التوصل إليه، رغم غموضه وأن لا يشمل كل القضايا بل ما يمكن أيضاً الاكتفاء بالاتفاق حوله فقط دون تطبيق لأنه يراد له أن يكون اتفاق رف، بمعنى أن يتفق عليه ويركن جانباً لفترة لاحقة بحجة أن السلطة الفلسطينية ضعيفة وبحاجة إلى وقت حتى تقوى وتفرض سيطرتها في الضفة، وحتى تعيد سيطرتها في غزة. وإلى أن نصل إلى تحقيق هذه الأهداف تطرح حكومة أولمرت تطبيق "خارطة الطريق" وفقاً للقراءة الإسرائيلية التي تقوم على تنفيذ الالتزامات الفلسطينية أولاً ثم تنظر في تطبيق الالتزامات الإسرائيلية، وذلك كخطوة على طريق إقامة الدولة ذات الحدود المؤقتة التي ستتفاوض مع إسرائيل على قضايا الوضع النهائي.

أعود إلى ما سبق أن بدأت به هذا المقال، وهو ما قاله فيصل حوراني عن السبب الرئيسي لرفض اتفاق أوسلو، وهو أنه عقد في مرحلة هبوط عام، ما جعل تطبيقه في يد إسرائيل تماماً. ونحن الآن في مرحلة هبوط عام أعمق وأسوأ عما كنا عليه عشية أوسلو.

لذا لو افترضنا جدلاً، أن أولمرت من أجل البقاء في سدة الحكم لفترة طويلة وتجنب السقوط المرجح لحكومته بعد نشر تقرير فينوغراد، ومن أجل تعميق وتكريس واستثمار الانقسام الفلسطيني الحالي، قدم عرضاً سخياً ومفاجئاً ولكن مع طلب تأجيل تطبيقه إلى أن تنجح السلطة في الاختبار وتستطيع محاربة "الإرهاب" والقضاء عليه وتصفية بنيته التحتية من أجل توفير الأمن لإسرائيل واحتلالها، على الفلسطينيين بقيادة أبو مازن رفض هذا العرض السخي. فالمؤمن لا يلدغ من الجحر الواحد مرتين.

إن أي اتفاق إذا لم يكن واضحاً ومستنداً إلى مرجعية تضمن الحقوق الفلسطينية ويترافق مع ضمانات دولية حقيقية، وآلية تطبيق ملزمة، وجداول زمنية قصيرة، ويكون اتفاقاً دائماً وليس على مراحل انتقالية ونهائياً وشاملاً بحيث لا يتم فصل القضايا عن بعضها بعضاً، يجب رفضه لأن قبوله لن يعطيه فرصة للتطبيق بل سيكون غطاءً لما تقوم به إسرائيل على الأرض من مواصلة وتعميق الاحتلال والاستيطان والجدار والفصل وتقطيع الأوصال الذي يهدف إلى استكمال خلق أمر واقع يجعل الحل الإسرائيلي الذي يقوم على إقامة سلطة حكم ذاتي تحت الهيمنة الإسرائيلية على جزء من الأراضي المحتلة هو الحل الوحيد المطروح عملياً.

ورغم اطمئناني المتزايد من تصريحات أبو مازن الأخيرة التي تعكس حذره وعدم استعداده لقبول إعلان مبادئ عام أو دولة ذات حدود مؤقتة إلا أن ما يقلقني تلك الأصوات التي تردد في الكواليس ضرورة قبول ما يعرض علينا مهما كان، لأن رفضه سيؤدي إلى عقابنا مثلما حدث فيما بعد قمة كامب ديفيد. فكل ما نعانيه منذ ذلك الرفض وحتى الآن، هو الثمن الذي دفعناه ودفعه ياسر عرفات نتيجة رفضه "اللامسؤول"!!

إذا كانت السياسة فن أفضل الممكنات، فهذا يعني العمل والكفاح المتواصل من أجل حشد كل عناصر القوة لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه بأسرع وقت وأقل التضحيات. وهذا يختلف تماماً عن قبول تحول السلطة إلى وكيل عند الاحتلال وتصوير ذلك بأنه العمل السياسي الحكيم والمحنك والمسؤول.

إذا كانت إسرائيل الآن اختارت فرض حلها دون أخذ المصالح والحقوق الفلسطينية في الحسبان فلتفعل ذلك دون غطاء فلسطيني أو عربي أو دولي. ومن يستخف بالفلسطينيين عليه أن يعرف أنهم العروس في الاجتماع الدولي القادم، ولا عرس يعقد دون العروس.

وإذا كان الاجتماع سيكون فاشلاً، أو لترويج وهم جديد عن السلام بدون سلام، ولن يشهد أية مفاوضات أو ضغوط على إسرائيل، ولن يكون مؤتمراً دولياً حقاً، بحيث لن تكون مرجعيته القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ولن تترأسه الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا مجلس الأمن وإنما الولايات المتحدة الأميركية، ولن تشارك به كافة الأطراف المعنية مثل سورية ولبنان وستقاطعه السعودية والإمارات، فلماذا يعقد ولماذا نشارك به، خصوصاً أن عقده سيزيد حدة الانقسام الفلسطيني ويصب الوقود على ناره. الصورة ستتضح أكثر بعد زيارة رايس، ولكن يجب إبلاغها رسالة بأن الفشل عواقبه وخيمة، وأن ترويج وهم جديد عن السلام عواقبه وخيمة أكثر. فلنجرؤ على التخلص من هذه الورطة، ورطة عقد اجتماع دولي لتلبية احتياجات الإدارة الأميركية وليس لتلبية احتياجات الضحية الفلسطينية المزمنة للصراع العربي - الإسرائيلي!!

 

 

مشاركة: