الرئيسية » هاني المصري »   09 أيلول 2006

| | |
الإضراب والانقلاب وعملية السلام
هاني المصري

هل تحوّل الإضراب إلى انقلاب؟ بدليل ان الإضراب والمدرسين صاروا في خلفية المشهد، وان تغيير الحكومة، وحثّ الرئيس لاستخدام صلاحياته الدستورية، أصبح في الصدارة؟ أم ان الإضراب لا يزال يشكّل أداة ضغط فعّالة للدفع باتجاه تشكيل حكومة وحدة وطنية، تربح من خلالها فلسطين، ولا تُسقط >حماس<، ولا غيرها، وإنما حكومة تتسلح ببرنامج وطني قادر على توحيد الفلسطينيين، والإقلاع محلياً وعربياً ودولياً، ويستطيع إنهاء الحصار المالي والعزلة الدولية؟

أم ان حكومة الوحدة الوطنية مجرد وهم وتخدير، ولن تقوى على فك العزلة الدولية، والبديل عنها حكومة من الخبراء تحظى بشبكة أمان من الفصائل والأحزاب، خصوصاً الممثلة في المجلس التشريعي؟

 

أعتقد انه من السابق لأوانه القفز بخفة للحديث عن الانقلاب، واعتباره أصبح الحل الوحيد.. فالانقلاب ليس حلاً، وإنما محاولة من البعض للعودة الى الحكم، استناداً الى معاناة الناس وعذابهم.. وهو لن يعيد أحداً الى السلطة، وإنما يفتح أبواب الفوضى أكثر وأكثر، ويؤدي الى الانهيار، ويقود الى الاقتتال والانزلالق الى الحرب الأهلية.. وهذه الحرب، إذا اندلعت -لا سمح الله- ستأكل الأخضر واليابس، ولن يخرج مستفيد منها، سوى الاحتلال.

هناك مَن يزيّن خيار الانقلاب، مستنداً الى فشل الحكومة الحالية وفئويتها، والى استمرار فرض الحصار المالي والعزلة الدولية، وتردّي الأمن والأحوال الاقتصادية والمعيشية، الى درجة تفشّي الجوع واستفحال الفقر، والمس بالتعليم والصحة، وتدهور مكانة القضية الفلسطينية، والخسائر الفادحة في صفوف الفلسطينيين، جراء تصاعد العدوان العسكري الإسرائيلي، دون وقوع خسائر تُذكر في صفوف الاسرائيليين.. ويعتقد هذا البعض من أنصار الانقلاب، ان الأمر بسيط ومفتاحه أن يتمتع الرئيس أبو مازن بالإرادة اللازمة لاستخدام صلاحياته الدستورية بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة انقاذ وطني، أو حكومة طوارئ. وهم بهذه الآراء يلعبون بالنار، ولا يكترثون بإمكانية انتشارها لتحرق السهل كلّه.. ولا يتورّعون عن إعطاء الاحتلال مكافأة، عبر إسقاط حكومة، اعتماداً على اعتقال الوزراء والنواب.

ولكن، على خطورة أصحاب فكرة الانقلاب، إلاّ انهم أقليّة، وليس هناك ما يشير الى انهم استطاعوا إقناع الرئيس أو >فتح<، بضرورة الانقلاب.. بل لقد وصف الرئيس فكرة تشكيل حكومة طوارئ بأنها غير أخلاقية، وليس هناك ما يشير الى انه غيّر رأيه.

إن حديث الرئيس عن أن لقمة العيش أهم من نتائج الديمقراطية، لا يُفهَم سوى أنه صرخة تحذير، وليس اقتناعاً بأهمية الانقلاب.. فالانقلاب محكوم بالفشل، وكل البدائل عن حكومة متفق عليها، سواء سُمِّيت حكومة وحدة وطنية، أو انقاذ وطني، لن تنقلنا من الوضع المأزوم الحالي الى وضع أفضل، بل ستعمق الأزمة أكثر وأكثر.

حتى الولايات المتحدة الأميركية، التي دعت بعد الانتخابات التشريعية، الى الانقلاب، والى عدم المشاركة في حكومة تشارك بها >حماس<، أصبحت الآن، تدعو، سرّاً وعلناً، الى تشكيل حكومة واسعة، يشارك بها مَن يشاء المشاركة، شرط أن توافق في برنامجها، على الشروط الدولية الثلاثة.

مصير حكومة الوحدة الوطنية، أو أية حكومة قادمة، يتوقف على قدرة الفلسطينيين على صياغة برنامج يتعاطى مع الشروط الدولية الثلاثة، بصيغة فلسطينية، دون التنازل عن الحقوق الفلسطينية بلا مقابل.

فشرط الاعتراف بإسرائيل، وهو الشرط الذي تبدو >حماس< غير مستعدة للموافقة على المشاركة بحكومة تعتمده، يمكن تحقيقه بصورة رائعة ومتوازنة، من خلال الإقرار بمبادرة السلام العربية، التي تتضمن الاستعداد للاعتراف مقابل الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الأراضي المحتلة، ويمكن تحقيقه من خلال اعتماد صيغة دولتين لشعبين، مثلما فعل وزير الخارجية محمود الزهار في رسالته الشهيرة الى كوفي عنان.

وتستطيع >حماسحماسحماس< اتباع نموذج حزب الله، تستطيع اتباع نموذج حزب أكيل الشيوعي القبرصي، الذي نجح في الحصول على أغلبية برلمانية عدة مرات، لكنه امتنع عن تشكيل حكومة، خشية من عواقب ذلك على قبرص.. واكتفى بالتأثير على الحكومات القبرصية، تأثيراً كبيراً، دون المشاركة بها.

تستطيع >حماس<، إذا لم تستعد لبلع برنامج يتعامل مع الشروط الدولية بصيغة فلسطينية، أن تعطي الموافقة لتشكيل حكومة خبراء، تستطيع أن تتحكم بها من خلال أغلبيتها في المجلس التشريعي.

أما عدم تسهيل >حماسحماسفتح<، من العودة الى الحكومة، حتى كشريك.

خارطة الطريق ماتت ولا توجد نيّة لإحيائها

وما يعزز خيار تشكيل حكومة وحدة وطنية، عدم وجود أي عرض جدّي يعرضه الأميركيون والإسرائيليون، يسهل اتخاذ قرار الحسم باتجاه الانقلاب والاقتتال والحرب الأهلية.. فمثل هذه الحرب إذا اندلعت، ستكون بلا ثمن.. فإمّا استمرار الوضع الحالي، وهو كارثة، وإما الاتفاق على الحكومة، أو الذهاب نحو الفوضى والانهيار والاقتتال.. فأيّ الخيارات نختار؟

إسرائيل، رغم حديثها عن إمكانية استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين، وعن عقد لقاء بين أبو مازن وأولمرت، وعن سحب خطة الانطواء بعد حرب لبنان، من الأولويات، ليست أكثر استعداداً لإحياء عملية السلام، عمّا كانت عليه من قبل.. بل لا أبالغ في القول، إن إسرائيل الآن، أبعد عن السلام عمّا كانت عليه قبل الحرب.. والشغل الشاغل لديها هو كيفية استخلاص الدروس والعِبَر والاستعداد للحرب المقبلة، والسعي لاستعادة هيبة الجيش الاسرائيلي، التي سقطت في حرب الصواريخ والأنفاق والقلاع المحصنة والقذائف المضادة للدبابات.. وإسرائيل ستصعّد حربها ضد الفلسطينيين، كما بدأت فعلاً، حتى تعاقبهم على هزيمتها في لبنان، وحتى لا يستسهلوا استنساخ تجربة حزب الله، كما دعا بعض الفلسطينيين، دون التمييز بين الاستفادة الضرورية وبين الاستنساخ الضار.

حديث الولايات المتحدة الأميركية، عن العودة الى خارطة الطريق، يجب أن لا يخدع أحداً، لأن هذه الخارطة ولدت ميتة، وليس هناك ما يدل على الجديّة لإحيائها.. والحديث الأميركي عن إحيائها هدفه الرئيسي، إن لم يكن الوحيد، امتصاص تداعيات الحرب اللبنانية، على صعيد منع مفاقمة العوائق أمام المخططات الأميركية في المنطقة، وقطع الطريق على الجهود العربية الرامية الى إحياء مبادرة السلام العربية، عبر الإيحاء لهم بأن هناك بديلاً ممكناً.. فخارطة الطريق، إذا كانت هناك نيّة لإحيائها، تتطلب إزالة التحفظات الإسرائيلية عليها، التي تنسفها من الأساس.. وما يعطي أهمية لهذه التحفظات، ان الإدارة الأميركية، تعهدت، بأنها ستأخذ التحفظات الإسرائيلية بالحسبان، عند تطبيق خارطة الطريق.. وأخيراً، إن تعليق خطة الانطواء، لم يترافق مع تعليق مرتكزاتها، مثل استكمال بناء الجدار، ولا تكثيف وتوسيع الاستيطان، بل أقرت الحكومة الاسرائيلية، مؤخراً، بناء 557 وحدة استيطانية جديدة، ولا وقف العدوان العسكري والحصار، وتقطيع الأوصال، والاغتيالات والاعتقالات.. وتعليق خطة الانطواء استجابة لدعوات اليمين الاسرائيلي الأكثر تطرفاً، الذي يريد سياسات أشد ضد الفلسطينيين والعرب، ولا يريد إعطاء شيء لهم دون مقابل، ودون تحقيق انتصارات إسرائيلية ساحقة، غير قابلة للنقاش.

الإضراب حق مشروع ووسيلة سلمية وخيار طوعي

إن الإضراب وسيلة سلمية ديمقراطية، سببه الأساسي الجوع الذي يمعن بالموظفين، ولا يجب تجاهل هذه الحقيقة، بالرغم من ان وراء الإضراب أهدافاً سياسية لا علاقة لها باحتياجات الموظفين.

الاعتراف بالمشكلة أول طريق لحلها.. والاعتراف بأن عدم تلقي رواتب يسبب مشكلة حادّة، بصرف النظر عمّا إذا كانت الحكومة تستطيع أو لا تستطيع. مسؤولية الحكومة أن تبحث عن حل، وإذاكان الحل يكمن بتشكيل حكومة وحدة وطنية، كما يريد الجميع تقريباً، تعتمد برنامجاً قادراً على إيجاد حل، والحفاظ على الحقوق الوطنية.. فيجب الإسراع بتشكيل هذه الحكومة.. والإضراب حق مشروع، ويجب أن يكون طوعياً، لا مفروضاً بالقوة، ويجب أن لا يؤدي في مرماه لجهة الاستقطاب، بل يفتح طريق الحل الموحد.

على الحكومة أن تقدم استقالتها، لفتح الطريق للمشاورات لتشكيل حكومة وحدة وطنية خلال سقف زمني لا يتجاوز عدة أسابيع، لا تزيد على شهر واحد.

وإذا لم تفعل ذلك، لتقبل إقدام الرئيس على إقالة الحكومة، ليس بهدف الانقلاب على نتائج الديمقراطية، وإنما لتقديم سلّم ومخرج للحكومة من أزمتها وأزمة النظام السياسي الفلسطيني كله.. وهذا يكون بالشروع فوراً، بعد استقالة أو إقالة الحكومة، بمشاورات، من أجل تشكيل حكومة جديدة، قادرة على الإقلاع.

عندما يتم الاتفاق على البرنامج السياسي، تصبح مسائل، مثل: مَن رئيس الحكومة، وكيفية توزيع الحقائق الوزارية، وعدد الوزراء لكل فصيل، وللمستقلين، تفاصيل، يُراعى عند البحث فيها أفضل الصيغ الكفيلة بإخراج حكومة فعّالة، وبما لا يضرب الأسس والأعراف والتقاليد المتعارف عليها.. فمثلاً، بالتأكيد ان من حق >حماس< أن يكون رئيس الحكومة المقبلة منها، ولكنها بمقدورها أن تتنازل عن هذا الحق، لصالح رئيس وزراء مستقل وطني، ووزير محل ثقة وتوافق من الجميع، لأن وجود رئيس وزراء يتمتع بهذه المواصفات يجعل فرص النجاح للحكومة أكبر بكثير.

تستطيع >حماس< أن تطالب بـ60% من المقاعد في الحكومة المقبلة، ولكنها يمكن أن تقبل أقل من ذلك.. أولاً، لأن نسبة الأصوات التي حصلت عليها على صعيد دائرة الوطن بلغت 43%، بينما عدد المقاعد التي حصلت عليها حوالي 60% من مقاعد المجلس التشريعي، بسبب قانون الانتخابات المكوّن من نظامين مختلفين.. وثانياً، لأنها يجب أن تحرص على مشاركة كافة الكتل الممثلة بالمجلس التشريعي، إضافة الى المجتمع المدني والقطاع الخاص والكفاءات الوطنية المستقلة.

وبمثل هذه التنازلات، يمكن أن تخسر >حماسحماس< على الاستفراد بالحكم أطول فترة ممكنة، وتوظيف ذلك بتعيينات واسعة وتغيرات بالسلطة، ليس لها أول ولا آخر، وإصرارها على الحصول على كل ما تستحقه ولا تستحقه، سيزيد العراقيل، ويفاقم المخاطر التي تهدد الشعب والأرض والقضية!

 

 

مشاركة: