الرئيسية » هاني المصري »   15 أيار 2007

| | |
الاقتتال يطل برأسه مجدداً...
هاني المصري

بدلاً من الشروع في تطبيق الخطة الأمنية التي أقرتها الحكومة بمباركة من الرئيس، انزلق الوضع في قطاع غزة بسرعة إلى مربع الاقتتال والتحريض المتبادل والاستقطاب الثنائي، واندلعت الاشتباكات وأعمال القتل والخطف وتقسيم المناطق إلى مربعات أمنية أقيمت فيها الحواجز التي تفتش السيارات وتعتقل كل من ينتمي او تعتقد انه ينتمي للجهة المضادة، وانقسمت الأجهزة الأمنية مع هذا الطرف أو ذاك.

لقد تفجر الاقتتال مخلفاً حتى كتابة هذه السطور حوالي عشرة قتلى وعشرات الجرحى، وأكثر منهم من المخطوفين، ما ينذر بإمكانية الانجراف نحو الحرب الأهلية، إذا لم تتوفر الإرادة السياسية اللازمة لوقف هذا التدهور الخطير.

 

هل استنفد اتفاق مكة أغراضه؟ وهل وصلت حكومة الوحدة الوطنية إلى الطريق المسدود؟ أم يمكن تطويق الأحداث، ولو مؤقتاً؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة أمر شائك وصعب لأن الروايات عن الأحداث والاشتباكات متضاربة، ولا يوجد جهات قانونية ذات سلطة ومحايدة لتقدم الرواية الصحيحة وتردع وتحاسب المرتكبين لكافة الأعمال الإجرامية.

وعلى أهمية الوقوف عند اغتيال بهاء أبو جراد احد قيادات "فتح" على أيدي مسلحين، قالت "فتح" أنهم من كتائب القسام ونفت "حماس" هذه التهمة جملة وتفصيلاً، إلا أن التفسير المتكامل لما يحدث في غزة وثيق الارتباط باتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، وبما حدث منذ ذلك الوقت وحتى الآن.

إن اتفاق مكة، وحكومة الوحدة الوطنية التي قامت على أساسه، لم يشكل كما قلنا منذ البداية، اتفاقاً يقدم برنامجاً منسجماً قادراً على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، وإنما هو أشبه بصلح عشائري، ومجرد هدنة قامت على تقارب وتعايش بين برنامجين مختلفين، وبين قوتين متوازيتين تشعر كل واحدة منهما أنها أحق بالانفراد بالسلطة وبالقرار الفلسطيني، وأنها قادرة على تحقيق هذا الهدف، ولو بعد حين.

في هذا السياق لم يتم حقن الدماء كلياً بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، بل استمر الاقتتال متخذاً أشكالاً عائلية وانتقامية ليست بعيدة كلياً عن الفصائل المتحاربة.

فكما أشارت التقارير من جهات مختلفة، فقد سقط 741 قتيلاً وحوالي ألف جريح و55 مخطوفاً خلال الربع الأول من العام الحالي، وسقط أكثر من 05 قتيلاً منذ تشكيل الحكومة في السابع عشر من آذار وحتى الآن، والحكومة لم تستطع رغم إقرارها للخطة الأمنية أن تنفذها، وعندما شرعت أو همت بتنفيذها تفجر الخلاف حول تشكيلة القوة الأمنية التي ستنفذ ومتى ستبدأ بالتنفيذ، ومن المسئول عنها، فحماس تريد أن تشارك الشرطة والقوة التنفيذية بتنفيذ الخطة وإقالة مدير الشرطة ومدير الأمن الداخلي وإعطاء صلاحيات واسعة لوزير الداخلية، وترفض إشراك أفراد من الأمن الوطني أو المخابرات، وتشترط لكي تنفذ مطلب حل القوة التنفيذية وضمها للأجهزة الأمنية حل جهاز الأمن الوقائي.

وفتح تريد مشاركة كافة الأجهزة الأمنية واستبعاد القوة التنفيذية وحلها، وقيام وزير الداخلية بتحمل المسؤوليات المناطة به دون التدخل بصلاحيات الرئيس والأجهزة الأمنية المرتبطة بالرئاسة، أي أن هناك وضعاً أشبه ما يكون بحكومتين في حكومة واحدة، وكل حكومة لها أنصارها والأجهزة الأمنية التي تأتمر بأمرها، وهذا يقضي على أية إمكانية لنجاح أية خطة أمنية.

فالشرط الرئيسي لتحقيق الأمن أن تكون هناك سلطة واحدة وسلاح شرعي واحد، وقرار واحد، أما تعددية السلطات والاستراتيجيات ومصادر القرار فهي الجذر الرئيسي لحالة الفوضى والفلتان الأمني، لذلك بدون حل الميليشيات المسلحة التابعة للفصائل والعائلات، وتحول الأجهزة الأمنية كأجهزة للوطن، لا يمكن التقدم إلى الأمام في تحقيق الأمن والأمان.

ويزيد النار اشتعالاً أن هناك أجنحة لدى كل الأطراف، وخصوصاً داخل حركة "حماس" عبرت عن موقفها علناً، وتحفظت على اتفاق مكة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية لأنها كانت تعتقد بإمكانية تحقيق مكاسب فئوية أكبر، وانتقدت برنامج الحكومة في جلسة الثقة، وعارضت استقالة الحكومة السابقة قبل وفاء "فتح" بما تعهدت به بخصوص تحقيق الشراكة الوطنية التي تعني عملياً تقسيم الحصص والوظائف والمصالح والمغانم بين "فتح" و"حماس"، سواء داخل السلطة أو داخل المنظمة.

وزاد الأمر تعقيداً أن الحكومة لم تحدث اختراقاً جوهرياً على مختلف الملفات التي تصدت لها، فلم يتم فك الحصار ولم ترَ صفقة تبادل الأسرى النور، وأفشلت حكومة أولمرت كافة المحاولات الرامية لإحياء المفاوضات أو للاتفاق على تثبيت وتوسيع التهدئة، وتفاقمت الأوضاع الاقتصادية - الاجتماعية والأمنية، جراء كل ذلك، ما وفر أرضا ملائمة لتجدد الاقتتال.

رغم كل ما تقدم، اعتقد بوجود إمكانية لتطويق الإحداث إما مؤقتاً أو بصورة دائمة، يمكن تطويق الأحداث لان هناك مصلحة لدى كافة الأطراف بمنع الانجراف نحو الانفجار الكبير في ظل تعادل القوى الذي يعني أن الاقتتال خسارة للجميع، وفي ظل عدم وجود عرض إسرائيلي يقبله أي طرف فلسطيني، وعلى ضوء أن البدائل الأخرى عن الوفاق الوطني صعبة وغير مضمونة وخطيرة جداً.

أن التلويح بحل السلطة أو بالدولة ثنائية القومية أو إجراء انتخابات مبكرة أو الانتفاضة، أو المقاومة، أو الاستقالة، أو العودة إلى حكومة "حماس"، أو حكومة طوارئ، أو تكييف برنامج حكومة الوحدة مع الشروط الدولية، أو إعادة بناء المنظمة، أو تشكيل منظمة جديدة أو ترقيع المنظمة القائمة، لا تعدو كونها أوهاماً يمكن أن تزيد الأوضاع سوءاً، لأنها غير قابلة للتطبيق بدون وفاق وطني خصوصاً بين "فتح" و"حماس"، ولأن العواقب المترتبة عليها وخيمة، ولأن الظروف الإقليمية والدولية لا تساعد عليها، وإذا أردنا حلاً على المدى البعيد، لا بد من الشروع في حوار استراتيجي معمق، لا يستخدم الخيارات والبدائل من قبيل ردود الأفعال وبصورة تكتيكية لخدمة هذا الفصيل أو ذاك، حوار يهدف إلى بلورة رؤية استراتيجية متكاملة للسلطة والمنظمة والمفاوضات والمقاومة والشراكة الوطنية والبناء الداخلي على كل المستويات، رؤية يخرج منها برنامج مشترك يجسد المصلحة العامة والقواسم المشتركة ولا يكون هدنة أو برنامجاً يفسره كل طرف كما يحلو له.. برنامج قادر على الإقلاع وتحقيق أهدافه بالحرية والعودة والاستقلال

 

 

مشاركة: