الرئيسية » هاني المصري »   25 أيلول 2007

| | |
الأمن في نابلس أولاً... خطة ناقصة
هاني المصري

بعد مماطلة وتسويف، وافق وزير الحرب الاسرائيلي باراك على الطلب الفلسطيني بالسماح بإدخال ونشر 500 شرطي فلسطيني اضافي في مدينة نابلس. ويكتسب هذا الامر اهمية خاصة نظراً لحالة الفوضى والفلتان الأمني التي تعاني منها نابلس، والتي تجعل السلطة تدرك ان عودة الرواتب وحدها لا تكفي، بل انها بحاجة الى انجاز فعلي في عدد من الملفات الاخرى، وأهمها الأمن والأمان وفرض النظام العام وسيادة القانون. ولكن قبل أن "يطيش أحد على شبر ميِّه" عليه أن يتذكر ان الاحتلال وما يقوم به من عدوان واقتحام هو المسؤول الاساسي عن استمرار وتفاقم حالة الفوضى والفلتان الأمني دون إنكار ان هناك أسباباً فلسطينية تقتضي المعالجة.


تأتي الموافقة الاسرائىلية على دخول قوة شرطية اضافية لنابلس غداة اقتحام قوات الاحتلال مخيم العين واحتلاله لعدة ايام، حيث قامت باعتقال العشرات ودمرت عدداً من البيوت وفرضت حظر التجول في المخيم وعاثت فيه قتلاً وخراباً، ونشير لمن لا يعرف انه في الوقت الذي تقوم فيه قوات الاحتلال بأعمال عسكرية في نابلس وغيرها من المدن الفلسطينية، يمنع على الشرطة وأفراد الاجهزة الأمنية الظهور والتواجد بأسلحتهم ولباسهم الرسمي، حيث يكون هناك تنسيق أحياناً وبحكم العرف احياناً اخرى، بصورة يحرص خلالها الطرفان على أن لا يتم تواجد أفراد الاجهزة الأمنية بسلاحهم في منطقة تقوم بها قوات الاحتلال بأعمال عدوانية عسكرية. واذا اضفنا الى معلوماتنا ان مدينة نابلس والعديد من المدن والمواقع الاخرى تتعرض للاقتحام وحملات الاغتيال والاعتقال كل يوم تقريباً، ندرك مدى محدودية أثر خطوة السماح بقوة شرطية اضافية اذا لم يرافقها اتفاق حول وقف اطلاق نار متبادل، وحول وقف الاقتحامات والاجتياحات والاغتيالات وحملات الاعتقال اليومية.

وحتى نسبر أغوار هذه الخطوة، علينا أن نتمعن بتصريحات حاييم رامون نائب رئيس الحكومة الاسرائيلية، حيث قال في تفسيره لهذه الخطوة بأنها تهدف الى تعزيز قدرة السلطة على ضمان تطبيق القانون والنظام على الارض، واذا نجح فسيتم تعميمه في مدن اخرى. رامون حرص على التأكيد على ما يكرره وزير الحرب باراك، بأن الانسحاب من الضفة لا يزال غير وارد، وشدد على ان قوات الاحتلال ستظل في محيط نابلس وستدخلها عند الضرورة. فالسلطة الفلسطينية للأسف عاجزة عن السيطرة على الضفة ومحاربة الإرهاب وهي تقر بذلك (الكلام لا يزال لرامون) لكنها تحاول ونحن سنساعدها، إنها خطوة اولى، اذا نجحت فسنحقق تقدماً، وإذا فشلت فنحن هناك.

الشيء بالشيء يذكر، أود قبل المتابعة في عرض وتحليل مغزى ادخال قوة شرطية اضافية الى نابلس أن أقول: ان قوات الاحتلال اعتقلت وفي نفس اليوم الذي وافقت فيه على ادخال القوة الإضافية رياض منصور، وهو من كفر قليل واسمه يندرج في القوائم التي اعلنت اسرائيل انها ستكف عن ملاحقة الواردين فيها، وذلك في اشارة جديدة الى نوع "الدعم" الذي تقدمه سلطات الاحتلال للسلطة الفلسطينية.

وحسبما نقلت مصادر موثوقة عن أحد المسؤولين الفلسطينيين، فإن اسرائيل تريد أن تحرق السلطة أمام شعبها، عبر اظهارها كدمية ومتعاونة مع الاحتلال، وذكر هذا المسؤول انه في اكثر من مرة عندما كانت تهم الأجهزة الأمنية باعتقال بعض المخالفين للقانون تسارع قوات الاحتلال باعتقالهم لكي توحي بان الأمر يتم بالتنسيق مع السلطة.

لا أحد ينكر أن السلطة ضعيفة وتقف منذ سنوات على حافة الانهيار التام، ولكن الشيء الذي يجب أن يعرف أيضاً أن العامل الأساسي الذي أوصل السلطة الى هذا الوضع هو الاحتلال، وما قام به من عدوان عسكري شامل استهدف ضمن ما استهدفه مقرات السلطة والأجهزة الأمنية، لدرجة تدمير معظم هذه المقرات واستشهاد المئات من أفراد الأجهزة الأمنية على أيدي قوات الاحتلال وجرح واعتقال أضعاف هذا العدد. وتواصل سلطات الاحتلال إضعاف السلطة من خلال التنكر لعملية السلام والاتفاقات وقرارات الشرعية الدولية والتعامل معها بشكل فوقي وبغطرسة، وحصر كل ما يمكن أن يتم من خطوات في اطار اجراءات بناء الثقة وحسن النية وفق المعايير والتوقيت الذي يخدم المصالح والاهداف الاسرائيلية، وبعيداً عن الحق والقانون الدولي والاتفاقات وقرارات الشرعية الدولية. فإذا أخذنا كيف تعاملت اسرائيل مع ملف المطلوبين نجد أنها جزأت الملف الى عدة دفعات وأبقته مفتوحاً ولم تستكمله واستثنت المطلوبين من الفصائل الاخرى، ولم تحترم تعهداتها حيث قامت باعتقال العديد من المطلوبين الذين سبق وأعلنت أنها ستكف عن ملاحقتهم.

أما ملف الأسرى فالصورة لا تقل قتامة، حيث أفرجت عن دفعة شملت 256 أسيراً وتنوي الإفراج عن 90 أسيراً آخر وفق معايير تحددها اسرائيل من جانب واحد ودون تفعيل لجنة الأسرى المشتركة، وبالقفز عن التفاوض الجدي، للإفراج عن أكثر من 005،11 أسير فلسطيني، العديد منهم من الأطفال والمرضى والنساء وكبار السن، ومنهم من يقضون أحكاماً عالية منذ ما قبل اتفاق اوسلو. واذا نظرنا الى ملف الأسرى نجد أن سلطات الاحتلال اعتقلت 650 معتقلاً جديداً منذ الإفراج عن الدفعة الاولى من الأسرى. وستقوم باعتقال عدد أكبر من المنوي الإفراج عنهم، منذ قرار الإفراج عن 90 أسيراً وحتى يتم الإفراج عنهم فعلاً. أما ملف التهدئة ووقف اطلاق النار المتبادل، فيبدو ان الجانب الفلسطيني بنفسه سلم بأن وقف المقاومة المسلحة من الافضل أن يتم من جانب واحد ودون مقابل، حيث تواصل اسرائيل كل أشكال العدوان العسكري بما في ذلك الاقتحامات والاغتيالات، وتعلن قطاع غزة منطقة معادية، بينما يكتفي الجانب الفلسطيني بالاستنكار والشجب ويطالب بإيصال المساعدات الإنسانية لقطاع غزة شأنه شأن اي بلد آخر في العالم، بينما تتواصل اللقاءات الفلسطينية - الاسرائيلية، وأشكال من التنسيق، والتحضير "لمؤتمر" الخريف، وكأن شيئاً لا يجري على الأرض، ومن شأنه أن يجحف بحق القضايا التي من المفترض أن يتم التفاوض بشأنها.

ما سبق يوضح أن اسرائيل لا تريد حلاً متوازناً ولا عادلاً مثلما لا تريد سلطة قوية، بل سلطة ضعيفة في رام الله تحاول ان تحتويها وتحويلها الى وكيل للاحتلال، وسلطة معادية في غزة تحاصرها وتحاربها، وتخرج للعالم للقول ان السلطة ضعيفة ومنقسمة ولا يمكن عقد اتفاق معها لأنها لا تقدر على تسويقه ولا على تطبيقه.

إن ما يجري على الارض من استمرار تعميق الاحتلال والاستيطان واستكمال الجدار ومواصلة الحصار وتقطيع الأوصال والعدوان بكل أشكاله، يفرض على الفلسطينيين مراجعة سياستهم واستراتيجيتهم التفاوضية. لقد وصل الحال بنا الى درجة خوض مفاوضات ثنائية دون مرجعية، وبحيث اصبح ما يتفق عليه هو المرجعية. وبما أن اسرائيل لا توافق الا على ما يحقق أهدافها ومصالحها، وهي الطرف القوي على الأرض، والطرف المدعوم من ادارة بوش، فليس لديها ما تخشاه. إننا أمام وضع أصبحنا نطبق بوعي او دون وعي خارطة الطريق الإسرائيلية، أي تطبيق الالتزامات الفلسطينية أولاً ومن جانب واحد، وبعد ذلك ترى اسرائيل ما تقدمه بالمقابل من عطايا وخطوات بناء ثقة!! فلنقف ولنراجع هذا الطريق قبل فوات الأوان!! فإنه طريق لا يؤدي الى السلام بل الى الحروب والدمار والموت!!

 

مشاركة: