الرئيسية » هاني المصري »   01 آب 2009

| | |
الانقسام يلقي بظلاله السوداء على مؤتمر "فتح"
هاني المصري

منذ أكثر من أسبوعين أخذت اجازة من الكتابة والمقابلات، و هذا امر لم يحدث من قبل. فمنذ سنوات طويله اكتب بانتظام، وأجري مقابلات بشكل مستمر، الى حد أصبحت بحاجة ماسة لاستراحة أو الى وضع كل شيء جانباً.

لقد توفرت اخيراً لي فرصه للراحة وكنت في اشد الحاجة لها. فالكتابة، على خلاف ما هو شائع، حتى لو كانت كتابة صحافية وليست ابداعية عمل متعب جداً، لكل من يعمل بها ، خصوصا أذا أراد الكاتب والصحافي أن يكون مسؤولا ومفيداً و مقروءاً و منافساً .

خلال الأجازة من الكتابة توفرت لي فترة مناسبة للمراجعة والتفكير والتأمل، وآمل أن تكون نتائجها مفيدة، وان تترك آثاراً ملموسة وايجابية على ما سأكتبه وأقوله في المستقبل .

سأكتب في هذه المقالة عن الانقسام خصوصاً في ضوء قرار حركة حماس بمنع سفر اعضاء المؤتمر السادس لحركة فتح من ابناء قطاع غزة للمشاركة في المؤتمر، هذا القرار الخطير والمرفوض كلياً، والذي سيكون له تداعيات خطيرة سواء على الحوار الوطني الشامل وفرص الاتفاق، أو على الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية و قطاع غزة. فما يجري حالياً ينذر بما هو آت . فحركة حماس استدعت مئات من أعضاء المؤتمر وسحبت وثائقهم منهم، وحركة فتح هددت بالمقابل بانها بصدد دراسة اتخاذ اجراءات عقابية ضد أعضاء "حماس" في الضفة. والحبل على الجرار.

إن أي اعتداء مهما كان شكله على الأنسان الفلسطيني سواء بالاعتقال أو التعذيب أو منع السفر أو القتل أو اطلاق الرصاص لأي سبب كان وخصوصاً على خلفية الانتماء السياسي، مرفوض لأسباب سياسية ووطنية وديمقراطية وقانونية ودينية، لأنه يشكل انتهاكاً سافراً لأبسط حقوق الأنسان، وسيكون له تداعيات خطيرة على كل المستويات والأصعدة، وليس على الصعيد السياسي فحسب .

ولا يمكن قبول اي تبرير لما حدث ويحدث، وذلك من خلال القول بأن الانقسام هو جذر الاعتقالات السياسية، ومنع أعضاء مؤتمر حركة فتح. فلا يمكن تبرير التعرض للحقوق والحريات بأي شيء. و الانقسام ليس من الضروري أن يقود الى هذه الحالة الشاذة من التحريض المتبادل والانتهاكات المتبادلة، التي لن تبقي ولن تذر، اذا لم يتم وقفها الآن وفوراً قبل فوات الاوان .

من نافل القول، القول بان الانقسام مدمر ويعطي لأسرائيل مزايا هائلة كونه يمكنها من تطبيق مشاريعها التوسعية والعنصرية والاستيطانية والعدوانية باسرع وقت واقل التكاليف، كما يوفر لها ذريعة نموذجية للتنصل من استحقاقات عملية السلام، ومن الاصطفاف الدولي الحالي الذي يطالبها بتجميد الاستيطان والموافقة على حل الدولتين .

فاسرائيل تستطيع الادعاء بأنها لا تجد شريكا فلسطينيا للسلام. وذلك رغم أن اسرائيل غير جاهزة للسلام، وهي في ظل الحكومة الحالية، وأكثر من أي حكومة سابقة، معادية للسلام، وتعمل كل ما تستطيعه لقتل السلام. فالسلام يفرض على اسرائيل وقف مشاريعها التوسعية، والانسحاب من الأرض المحتلة، والقبول أن تكون دولة طبيعية في المنطقة، وهي لا تريد ذلك بل تريد أن تكون اسرائيل الكبرى الدولة الأحتلالية العنصرية الأستعمارية المهيمنة على المنطقة بأسرها .

إن الحديث الأسرائيلي عن "تحسين الوضع الاقتصادي" هو مجرد خداع وتضليل هدفه قطع الطريق على قيام مفاوضات جادة حول قضايا الصراع الأساسية وقادرة على انهاء الاحتلال والتوصل الى سلام حقيقي .

ان المخطط الإسرائيلي بحاجة حتى ينجح الى أن يعيش الفلسطينيون في وضع اقتصادي سيئ للغاية حتى يشكل ذلك عاملا اضافيا ضاغطا عليهم لأجبارهم على تغيير وعيهم و قبول ما تطرحه اسرائيل عليهم من حلول تصفوية، وعلى الأقدام على "هجرة طوعية" من خلال البحث عن فرص عمل وحياة افضل في الخارج . فتحسن الوضع الاقتصادي يشجع الفلسطينيين على البقاء في وطنهم، وهذا آخر ما تريده اسرائيل، فهي لا تزال وستبقى تحاول تطبيق مقولة "ارض بلا شعب، لشعب بلا ارض"، ولو بطبعته الجديدة التي تظهر من خلال السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض تمهيدا لضمها لأسرائيل، وحصر الفلسطينيين في اضيق مساحة ممكنة ضمن معازل منفصلة عن بعضها البعض.

و كما شاهدنا، ونشاهد، فان الانقسام لا يلقي بظلاله السوداء على المفاوضات وعملية السلام فحسب، وإنما على كل شيء، بما في ذلك على مؤتمر حركة فتح. فعدم حضور اعضاء المؤتمر من قطاع غزة يهدد اما بتأجيل المؤتمر أو أن عقده بدون مشاركة من أحد جناحي الوطن، سيقلل حتما من فرص نجاحه ويزيد المخاطر التي تهدده، بشكل ملموس، وذلك من خلال حدوث ردود افعال أو انشقاقات "فتح" في غنى عنها على خلفية عدم مشاركة مئات الاعضاء من قطاع غزة. فيكفي "فتح" ما لديها من مشاكل .

إن الانقسام يعني وجود سلطتين (كلاهما تحت الاحتلال) تحاول كل منهما ارضاء الاحتلال لاعتمادها هي ونبذ الاخرى، وتثبيت شرعيتها ومقومات استمرارها ونزع الشرعية عن السلطة الاخرى، بحيث تصبح السلطة الاخرى لكل واحدة منهما هي العدو، بينما ينعم الاحتلال بطول السلامة ويصبح صديقاً وحليفاً مباشراً او محتملاً، وذلك من اجل القضاء على العدو المشترك !!

ان القضية الفلسطينية مهددة بالضياع اذا استمر الانقسام، وذلك على ايدي ابنائها هذه المرة، والشعب سيكون الضحية وهو الذي يدفع الثمن الباهظ جداً.

لقد جربنا الانقسام واكتوينا بناره اللاهبة، ومرت فترة كافية على الانقسام، اكثر من 26 شهرا، واتضح لكل الفرقاء، رغم المكابرة ــ واذا وضعنا بعض الافراد والشرائح المحدودة المستفيدة من الانقسام جانباً - ان الانقسام مدمر للقضية وللمشروع الوطني ويسبب معاناة مضاعفة للانسان الفلسطيني .

لا يمكن التوصل الى مفاوضات جادة والى سلام في ظل الانقسام .

لا يمكن قيام مقاومة قادرة على انهاء الاحتلال في ظل الانقسام.

لا يمكن المراهنة على الجوع والحصار والاحتلال لانهاء الانقسام.

لا يمكن انهاء الانقسام عبر الحسم العسكري لسبب بسيط يرجع لأن الارض الفلسطينيية محتلة، وان اسرائيل تفصل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، واذا اتفق طرف فلسطيني مع الاحتلال لكي يمكنه من نقل القوات والمعدات عبر اسرائيل، فان هذا الطرف يصبح بنظر الشعب الفلسطيني طرفاً متعاوناً مع الاحتلال ولا يستحق بعدها قيادة الشعب، وهذا امر مستبعد جداً، لأن اسرائيل لا تريد انهاء الانقسام الذي اوجدته بنفسها، ولا تريد انتصار طرف فلسطيني على آخر، بل تريد الابقاء على كل الاطراف الفلسطينية ضعيفة تقاتل بعضها بعضاً.

ولا يمكن الرهان على الوقت، واعتماد الانتظار كسياسة، فالانتظار قاتل. فلن تستسلم "حماس" وتقبل بكل الشروط المطروحة عليها مهما طال الزمن.

ولا يمكن ان تقبل "فتح" والسلطة والمنظمة بشروط "حماس" أيضا مهما طال الزمن.

ان مفتاح نجاح الحوار الوطني يكمن في اعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية، وللبرنامج الوطني، فاعتماد هذا البرنامج، قولا وفعلا، خصوصا بعد ان اكدت التطورات منذ الانقسام وحتى الآن، ان الخلاف حول البرنامج السياسي يضيق بسرعة واضطراد. ومن لا يوافق على ذلك احيله لقراءة تصريحات ومقالات وخطابات قادة حركة حماس، خصوصا خطاب خالد مشعل الاخير الذي يمثل نقطة تحول مهمة في اقتراب برنامج حركة حماس من برنامج م.ت.ف.

فالبرنامج الوطني، برنامج العودة، وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة وعاصمتها القدس، هو وحده الكفيل بتوحيد الفلسطينيين على اسس وطنية وديمقراطية تجعلهم قادرين على تحقيق اهدافهم الوطنية .

إن معادلة انهاء الانقسام اصبحت واضحة تماماً، وهي تقوم على اقامة شراكة وطنية تنهي تمرد "حماس" في غزة وهيمنة "فتح" على السلطة والمنظمة ،شراكة تقوم على المساواة، من خلال ان يأخذ كل طرف ما يستحقه فعلا، من خلال الاحتكام للشعب بشكل منتظم عبر اجراء الانتخابات، عبر كل المستويات المحلية والقطاعية والعامة، واعتماد الوفاق الوطني بشكل دائم، الوفاق الذي يحتمه واقع ان فلسطين تحت الاحتلال، وان الشعب الفلسطيني يمر بمرحلة تحرر وطني تفرض على الجميع الالتفاف على برنامج يجسد القواسم المشتركة .

 

مشاركة: