الرئيسية » هاني المصري »   28 نيسان 2007

| | |
التهدئة في مهب الريح
هاني المصري

بعد مضي اربعين يوماً على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، لا يبدو ان الاجواء الايجابية التي رافقت هذا الحدث فلسطينياً وعربياً وحتى دولياً استطاعت ان تحدث اختراقاً حاسماً سواء على الصعيد الداخلي لجهة وقف او الحد من حالة الفوضى والفلتان الأمني، أو على صعيد فك الحصار المالي.

صحيح ان المدة التي انقضت غير كافية للحكم النهائي، الا ان ما حدث فيها يشعل كل الاضواء الحمراء، ويبين ان الاحتمالات كلها لا تزال مفتوحة.

فلقد حدثj خلال الفترة الماضية، ومنذ قيام الحكومة الحادية عشرة، التطورات البارزة التالية:

ü تراجع صفقة تبادل الأسرى بعد ان تقدمت الى درجة اصبحت فيها قاب قوسين أو أدنى من التحقق.

 

ü الحصار المالي على السلطة لا يزال على حاله، والتقدم الذي حدث تم على صعيد فكفكة الحصار السياسي، فاوروبا جددت العمل بآلية الدعم المؤقتة، والعرب اكتفوا بالكلام عن فك الحصار.

ü حالة الفوضى والفلتان الأمني استمرت حول معدلاتها ان لم تكن قد زادت، خصوصاً في قطاع غزة، لدرجة ان وزير الداخلية قدم استقالته، وهو بانتظار عودة الرئيس من جولته الخارجية، ليقرر المضي بها، او سحبها اذا منح صلاحيات واسعة على صعيد السيطرة على الاجهزة الامنية التي من المفترض ان تكون تحت سيطرة وزير الداخلية.

ü استمرار العدوان العسكري وبلوغه يوم السبت الماضي حداً خطيراً باغتيال تسعة مواطنين في نابلس وجنين وغزة، وفي ظل رفض اولمرت المطالب الفلسطينية التي حملها ابو مازن اليه في لقاءاتهما المتعددة، والتي تتعلق بتثبيت وتوسيع التهدئة لتشمل الضفة الغربية، بحجة ان المطلوب تحقيق هدوء تام لمدة لا تقل عن اسبوعين، يتم فيها وقف اطلاق اي صاروخ أو قذيفة أو تنفيذ اية عملية في قطاع غزة، قبل الحديث عن التهدئة المتبادلة في غزة وتوسيعها في الضفة. ولا ادري كيف يمكن تحقيق هذا الشرط التعجيزي بينما الاحتلال والحصار والعدوان لا يزال مستمراً.

ü اعلان كتائب القسام عن انهاء التهدئة رداً على تصعيد العدوان العسكري، وقيامها باطلاق عشرات الصواريخ والقذائف على اسرائيل، ما ادى الى اصدار قرار اسرائيلي لجيش الاحتلال بتنفيذ عمليات محدودة لا تستثني العودة الى سياسة الاغتيالات.

ü تجديد رئيس الحكومة اسماعيل هنية تحذيره للمرة الثانية وتأكيده ان حكومته امام قرار وطني خلال شهر او شهرين ما لم يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته برفع الحصار عن الشعب الفلسطيني من دون ان يفصح عن ماهية القرار. وما بقي غامضاً في تصريح هنية، حاول ان يوضحه محمود الزهار بقوله انه لا يستبعد حل الحكومة والسلطة اذا استمرت الامور على ما هي عليه.

ü استمرار حالة الشلل التي يعيشها المجلس التشريعي، وفشل المحاولة التي قام بها بعض النواب لاقرار جلسة مفتوحة لانهاء المواضيع المؤجلة والمطروحة على جدول الاعمال، ما اضاف اصواتاً جديدة الى الاصوات التي تنادي بحل المجلس التشريعي والتوجه نحو انتخابات مبكرة.

رغم المؤشرات السابقة والتي ترجح سير الامور نحو تصعيد المجابهة مع الاحتلال، وتدهور الوضع الداخلي الفلسطيني، الا ان هذا الاحتمال لا يمكن اعتباره الاحتمال الوحيد.

فحكومة اولمرت لم تأخذ بالخيارات التي بحثها الاجتماع الامني المخصص للبحث في الرد الاسرائيلي على اعلان القسام انهاء التهدئة، ومنها خيار فرض حصار كامل وخانق كلياً على غزة، او تنفيذ عمليات واسعة تستهدف السيطرة على الحدود الفلسطينية - المصرية، وعلى شمال قطاع غزة، وتنفيذ عمليات اغتيال لا تميز بين حماس السياسية وحماس العسكرية، والأخذ بخيار تنفيذ عمليات محدودة، وذلك لسببين، الاول: لان رئيس اركان الجيش غير متحمس لعملية عسكرية واسعة في الوقت الراهن خشية ان تنتهي دون حسم واضح، فضلاً عن انها لن تساعد في ترميم هيبة الردع الاسرائيلية التي تصدعت كثيراً في الحرب اللبنانية الاخيرة.

والثاني: ان اجهزة الامن الاسرائيلية اوصت بعدم تنفيذ عمليات كبيرة خشية ان يتوحد الفلسطينيون ضد العدوان الاسرائيلي، في وقت تزداد فيه الامكانية لتدهور الوضع الداخلي وعودة الامور الى مرحلة الاقتتال والتحريض المتبادل والاستقطاب الحاد.

واذا انتقلنا لحماس يجب ان نفكر هل قيام جناحها العسكري بخرق التهدئة مؤشر على سياسة جديدة، وعودة الى المواجهات؟ أم انه رسالة او تكتيك ووسيلة ضغط على المجتمع الدولي من اجل رفع الحصار المالي عن الحكومة التي لا تزال تقودها.

انا اميل بشدة إلى اننا لم نصل إلى نقطة اللاعودة، مع اننا يمكن ان نصل اليها، وحماس في وضع صعب فهي تعتقد انها ابدت مرونة سياسية عالية وتنازلت عن انفرادها في الحكومة لصالح تشكيل حكومة وحدة وطنية بدون ان تحصل على الثمن سواء على صعيد الشراكة في السلطة او المنظمة، او فيما يتعلق بفك الحصار المالي واتمام صفقة تبادل الأسرى، والاتفاق على تهدئة متبادلة او على صعيد حصولها على شرعية عربية ودولية.

واذا لم تتحرك الامور في هذه الملفات او بعضها، اعتقد ان حماس ستجد نفسها تسير بسرعة نحو العودة الى دائرة المواجهات خصوصاً ان حكومة اولمرت تستعد وتسير نحو التصعيد حتى تستعيد هيبة الردع المفقودة، وتصدر ازمتها الداخلية المتعددة الابعاد، وحتى تقطع الطريق على مبادرة السلام العربية، وحتى تتمكن من مواصلة سياسة خلق الحقائق على الارض التي تجعل رويداً رويداً الحل الاسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عملياً. ان استكمال سياسة فرض الامر الواقع يجعل امكانية قيام دولة فلسطينية حقيقية امراً صعباً جداً اذا لم اقل من المستحيلات.

ازاء هذا الواقع المطلوب رد استراتيجي فلسطيني موحد، بعيداً عن المناشدة والتوسل والمطالبة وانتظار غودو الذي لن يأتي، وبعيداً عن ردود الافعال الموسمية التي ترجع غالباً لحسابات فصائلية او بعيدة عن المصلحة الوطنية، ولا تقدم طريقاً يستطيع الفلسطينيون السير به لتحقيق اهدافهم الوطنية.

ولن تأتي المفاوضات السرية ان وجدت، او التي يمكن ان يجري في قناة خلفية من التوصل الى حل سحري لان اقصى ما يمكن ان تقدمه اسرائيل، خصوصاً في ظل حكومة اولمرت الضعيفة جداً، اقل مما يمكن ان يقبله اكثر الفلسطينيين اعتدالاً بكثير.

لا مفر من الاستعداد لصراع طويل، والصمود فيه وتنفيذ مقاومة ذات جدوى قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية، ووضع كل الثقل والدعم لمبادرة السلام العربية، والسعي لعقد مؤتمر دولي يستند الى قرارات الشرعية الدولية، ويسعى الى تطبيقها عبر توفير الضمانات المطلوبة لذلك!

 

 

مشاركة: