الرئيسية » هاني المصري »   09 شباط 2011

| | |
الثورة المصرية والقضية الفلسطينية
هاني المصري

قبل أن أقف أمام تأثير ثورة اللوتس المصرية على القضية الفلسطينية لا بد أن أتمعن في مغزاها ودلالتها، فالشعب المصري يريد إسقاط النظام، ومن الصحيح قول كلمة الشعب، لأن الملايين ينزلون إلى الشارع منذ 25 يناير الماضي، ويتظاهرون ويعتصمون في ميدان التحرير والساحات العامة في مختلف المدن المصرية مرددين" الشعب يريد إسقاط النظام"، وقد بلغ عددهم يوم الجمعة الماضي وفقا لوكالة الأنباء الألمانية ثمانية ملايين شخص، أي حوالي ثُمُن الشعب المصري، بينما لم ينزل إلى الشوارع سوى الآلاف، وفي أقصى التقديرات عشرات الآلاف تأييدا لمبارك، وليس كما ادعت صحيفة الأهرام في مانشيت رئيسي يوم السبت الماضي بأن الملايين نزلوا للشارع دعما للرئيس مبارك.


وعندما يقول الشعب كلمته بهذه القوة والإصرار والاستمرارية، يجب احترام إرادته، فالشعب هو مصدر السلطات والدستور، وشرعيته (شرعية الثورة) فوق كل الشرعيات التي انهارت. وحتى ندرك مدى عمق ثورة اللوتس، علينا أن نتذكر أولا أنها صمدت في وجه القمع الدموي الذي مارسه النظام في البداية، حيث قام مليون ونصف المليون من الشرطة والأمن المركزي يدعمهم ثلاثة ملايين من الحزب الوطني الحاكم؛ بالقتل والاعتقال ثم الصدمة والترويع من خلال انسحاب الشرطة وعناصر الأمن، وبث الفوضى العارمة، التي انتصر الشعب عليها من خلال الوحدة والتنظيم، ثم الصمود في مواجهة بث الفتنة والمناورات السياسية، تحت يافطة الدعوة بالاستجابة لمطالب الشعب المشروعة بدون تطبيق سوى القليل القليل منها.

الثورة المصرية لا تريد إصلاح النظام، ولا تقدم مطالب تتعلق بمعالجة الفقر والبطالة والغلاء والصحة والتعليم فقط، وإنما تريد أن تضع مصر في موقعها الطبيعي بحيث تسير على طريق المستقبل.

مصر ما بعد 25 يناير2011، تختلف عن مصر قبل هذا التاريخ؛ لأن أي حاكم أو نظام سيحل مكان نظام مبارك، حتى لو استمر هذا النظام، سيأخذ في حسابه إرادة وقوة الشعب المصري، وهذا أمر لن يقتصر على مصر. فلقد بدأت رياح التغيير في تونس ثم مصر وانتشرت عدواها لبقية البلدان العربية، وستظهر العدوى بشكل أكبر في جميع البلدان العربية إذا كللت الثورة المصرية بالنجاح.

معيار نجاح الثورة المصرية هو نجاحها في تغيير النظام، فتغيير الأشخاص على أهميته وما يرمز إليه غير كافٍ على الإطلاق.

ولا يمكن تغيير النظام بالاعتماد على أشخاصه وأدواته ومؤسساته، بل لا بد من رحيل النظام القديم برئيسه ودستوره وقوانينه وحكومته ومجلسيه وحالة الطوارئ، ويقود المرحلة الانتقالية أشخاص ومؤسسات تعبر عن إرادة الشعب والثورة.

لا يوجد أي داعٍ لتبيان أهمية وتأثير ما يجري في مصر على فلسطين والمنطقة العربية والشرق الأوسط، وبالتالي في العالم كله، فمصر بلد مركزي وله تأثير قيادي عبر التاريخ.

وحتى ندرك أهمية ما يجري في مصر؛ علينا أن نراقب التفاعلات في الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل، فبعد التعليقات الأولى على مظاهرات 25 يناير بأن النظام المصري صديق ومستقر ولا خوف عليه، انتقلت إسرائيل إلى تحذير الإدارة الأميركية وأوروبا من التضحية بنظام مبارك، وانتقدت المواقف التي أوحت بذلك، ثم بدأت تصيح الحكومة الإسرائيلية ويتردد صدى كلامها في البيت الأبيض، بأن المهم هو معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية وعدم المساس بها، وأصبحت الرؤيا الأميركية فيما يجري محكومة بمصلحة إسرائيل، لا بتحقيق إرادة ومطالب الشعب المصري الثائر.

وهنا لا بد من تفسير الموقف الأميركي الذي أصبح يطالب بإصلاحات حقيقية، وبانتقال السلطة الآن، والذي انتقد أيضا النظام المصري على سياساته وإجراءاته علنا وبشكل فج.

فما يدفع إدارة أوباما إلى هذا السلوك؟ رغم أنها لا تريد تغيير النظام، بل على العكس، فهي فضلت مثل سابقاتها من الإدارات الأميركية الاستقرار على الديمقراطية؛ لأن الديمقراطية ستأتي إلى الحكم في المنطقة العربية بأحزاب وقيادات تعبر عن إرادة شعوبها ومصالحها، وهذا سيحد من النفوذ والسيطرة الأميركية بما يعيد رسم خريطة المنطقة، بحيث تأخذ إسرائيل دورها الطبيعي كمجرد دولة صغيرة وليست الدولة المركزية المهيمنة في المنطقة، فالإدارة الأميركية تحاول بموقفها الداعي للتخلص من مبارك إنقاذ النظام وقطع الطريق أمام تجذر الحركة الشعبية المصرية وامتدادها، وتحولها إلى قوة مستدامة لن يستطيع أحد بعد ذلك القفز عليها.

الانعكاسات الأولى لما يجري في مصر على فلسطين ستكون سلبية؛ لأن إسرائيل ستصر أكثر على الحل الإسرائيلي للصراع وخصوصا وفق شروطها الأمنية، بحجة أن إسرائيل واحة الاستقرار في منطقة هشة وغير مستقرة، كما صرح بنيامين نتنياهو.

في هذا السياق لاحظنا قرار الحكومة الإسرائيلية بالإسراع ببناء الجدار على الحدود المصرية، وتصاعد الدعوات باحتلال محور صلاح الدين (فيلادلفيا)، ووقف المفاوضات والمساعي حتى قيام دول ديمقراطية في المنطقة تؤمن بالسلام مع إسرائيل.

فإسرائيل تدرك أن النظام المصري القادم أيا ما يكون، سيحتفظ بمسافة عن إسرائيل، وستكون قبضته ضعيفة على الحدود، ولن يرضى بالاستمرار بمحاصرة قطاع غزة، ولا باتفاقية بيع الغاز المذلة.

صحيح أن هناك أصواتا قليلة في إسرائيل دعت إلى تحقيق السلام ردا على ما يجري في المنطقة من رياح التغيير، لكن هذه الأصوات هامشية.

كما أن انشغال مصر والمنطقة والعالم كله بما يجري في مصر سيدفع لفترة من الزمن نحو تراجع الاهتمام بالقضية الفلسطينية إلى الخلف، وسيؤثر بشدة على خطة السلطة لجعل العام الحالي وتحديدا أيلول موعدا حاسما لقيام الدولة الفلسطينية.

كما سيستمر تجميد ملف الحوار والمصالحة التي ترعاها مصر، ولن تكون مصر قادرة على متابعته لفترة قد تقصر أو تطول.

أما على المدى المتوسط والبعيد فما يجري في مصر سيؤثر إيجابا على القضية الفلسطينية؛ لأن تبوؤ سدة القيادة في مصر من نظام يعكس إرادة الشعب المصري ويكون ديمقراطيا، فهذا سيعيد مصر إلى مكانتها التي فقدتها خلال السنوات الأربعين الماضية، خصوصا بعد عقد اتفاقية كامب ديفيد التي أخرجت مصر من الصراع العربي الإسرائيلي، الأمر الذي جعل من إسرائيل قادرة على الاستفراد بفلسطين وبقية الأطراف العربية.

مصر الحرة الديمقراطية، ستكون داعمة لفلسطين بشكل أكبر بكثير من مصر المكبلة بقيود الاستبداد والفساد والتبعية.

فالقضية الفلسطينية قضية عربية، وما يجري في فلسطين وما تقوم به إسرائيل من دور عدواني استعماري استيطاني عنصري يمس بالأمن القومي المصري، ويضع حاجزا أمام قيام مصر بدورها التاريخي والطبيعي كدولة مركزية مفترض أن تلعب دورا حاسما في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط.

ولا يجب أن تخشى القيادة الفلسطينية من التغيرات الحاصلة بمصر؛ لأن مصر الجديدة ستكون أفضل بما لا يقاس من مصر القديمة.

أما ملف المصالحة فهو واقف أصلا قبل ثورة اللوتس لعدة أسباب، من ضمنها التمترس أمام ضرورة تلبية شروط اللجنة الرباعية الدولية المجحفة، أما الخوف من قيام الدولة فلا يوجد ما يبرره. ففي ظل المعطيات التي كانت قائمة قبل عودة الروح لمصر فأقصى ما يمكن أن يحصل عليه الفلسطينيون هو "حكم ذاتي" يسمى دولة، يقوم على البقايا، ويكون محمية إسرائيلية، فلا دولة حقيقية على الأبواب نهاية هذا العام.

إن التغيرات في مصر والمنطقة العربية تفتح الطريق أمام الشعب الفلسطيني لأول مرة ليسير بثقة على طريق تحقيق أهدافه بإنهاء الاحتلال ونيل الحرية والعودة والاستقلال، شرط أن يستخلص الدروس والعبر، وتكف قيادته عن السير وراء الحل القريب والمفاوضات التي ستؤدي إلى دولة، فلا دولة هناك قبل الخروج من اتفاق أوسلو وشق طريق آخر.

عندما تكون مصر قوية يكون الوضع العربي قويا، ويكون الفلسطينيون أقوياء، وعندما يكون الفلسطينيون أقوياء يكونون قادرين على تحقيق أهدافهم بسرعة أكبر وبتكاليف أقل.

 

مشاركة: