الرئيسية » هاني المصري »   13 تشرين الثاني 2012

| | |
ماذا عدا عمّا بدا.. "إعلان الدَّوْحة" مجددًا
هاني المصري

 

فجأةً، وبعدَ أيامٍ معدودة على إجراء تعديل واسع على حكومة سلام فياض؛ تم مساء الأحد الماضي الإعلان عن الاتفاق بين "فتح" و"حماس" يقضي بتطبيق "إعلان الدَّوْحة".

الجديد في الاتفاق الأخير أنّه نصّ على التزامن ما بين تشكيل حكومة الوفاق الوطني وبدء لجنة الانتخابات عملها في قطاع غزة، وأزال حجة كل طرف بمن يبدأ أولًا، وأضاف نقطة جديدة أنه في حال تعذر إجراء الانتخابات في الموعد المتفق عليه نتيجة أي سبب خارج عن إرادة الأطراف يلتقي الطرفان لبحث إمكانيّة تشكيل حكومة وحدة وطنيّة جديدة برئاسة شخصيّة مستقلة يتم التوافق عليها، وتضمّن أيضًا إنجاز ملف الحريات العامة كاملًا في أسرع وقت ممكن قبل إجراء الانتخابات وفق القانون.

"ماذا عدا عما بدا" حتى عاد "إعلان الدَّوْحة" إلى الحياة، هل هو مزحة، أم جد، أم تلاعب بعواطف وآمال الفلسطينيين؟. أعتقد أن لا أحد سيصدق الأمر حتى يتم التطبيق بدءًا من تشكيل الحكومة وتسجيل الناخبين حتى إجراء الانتخابات بعد توفير الأجواء المناسبة لإجرائها، فقد سئم الفلسطيني من الاتفاقات التي لم تطبق ومن الجداول الزمنية التي لا يتم الالتزام بها.

من حيث الشكل ما منع تطبيق "إعلان الدوحة" الاستدراكات التي وضعها المكتب السياسي لـ"حماس" عليه، وجعل تطبيقه مستحيلًا، ولم يحدث جديد، فانتخابات "حماس" لم تستكمل، ولم يتم التجديد لخالد مشعل أو اختيار رئيس جديد للمكتب السياسي.

أما من حيث الجوهر فإن ما منع تطبيق إعلان الدَّوْحة" أنه عقد على عجل، وقفز عن قضايا أساسية مثل إعادة تشكيل المنظّمة والبرنامج السياسيّ وتوحيد المؤسسات، خاصة الأجهزة الأمنية، وركّز فقط على الانتخابات وتشكيل الحكومة.

سأكتفي بالإشارة إلى غياب البرنامج السياسيّ عن الاتفاق الأخير، فما هو برنامج الحكومة الوفاقيّة القادمة؟، هل هو برنامج الرئيس، كما صرّح أبو مازن بُعيْد التوقيع على "إعلان الدَّوْحة"، أم أنها ستكون من دون برنامج سياسي كما رددت "حماس"؛ لأن السياسة من اختصاص المنظمة وليس السلطة؟. وإذا اعتُمِدت وجهة نظر "حماس"، فما الذي سيغير موقف الإدارة الأميركيّة وإسرائيل وأطراف مؤثرة من المجتمع الدولي التي هددت دائمًا بمقاطعة الحكومة وقطع المساعدات عنها إذا لم تلتزم بشروط اللجنة الرباعية الدوليّة؟.

التجربة المُرَّة منذ الانقسام وحصيلة الاتفاقات التي لم تنفذ، والحوارات التي لم تنقطع؛ تجعلنا غير متفائلين إلى أن يثبت العكس.

إذًا ما الذي يفسر توقيع الاتفاق:

أولًا: لقد جاء رد نتنياهو على رسالة "أبو مازن" مخيّبًا تماما للآمال، كما هو متوقع، ولم يقتصر على رد مكتوب، بل يضاف إليه ما ينفذه على أرض الواقع من فرض حقائق احتلالية واستيطانية، وسبقه التراجع عن تبكير إجراء الانتخابات الإسرائيليّة وتوسيع حكومة نتنياهو بما يجعلها أقوى حكومة في تاريخ إسرائيل بصورة سمحت بتسمية نتنياهو بـ"ملك إسرائيل".

كما أن الإدارة الأميركيّة ليست بوارد الضغط على إسرائيل، خصوصًا الآن عشيّة الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة، أو حتى تقديم مقترحات قادرة على استئناف المفاوضات، ولا تزال تعارض أي توجه فلسطيني إلى الأمم المتحدة للحصول على العضويّة الكاملة أو المراقبة لدولة فلسطين، على أهميّة هذه المسألة، ولكنها كانت حاضرة عند تعديل حكومة فياض.

إن هذه التطورات وضعت القيادة الفلسطينية مجددًا أمام الحائط المسدود الذي وصل إليه خيار المفاوضات، والذي يؤدي استمراره إلى تآكل شرعيتها ومصداقيتها أمام الشعب الفلسطينيّ، كما أن تشكيل الحكومة الجديدة لم يقدم حلًا ولا وعدًا بحل.

ثانيًا: إن "حماس" راهنت أكثر مما ينبغي على انعكاس الربيع العربي وصعود الإسلام السياسي في المنطقة على فلسطين، بما من شأنه تحسين موقعها في الخارطة الفلسطينيّة، لتفاجأ بأن رهانها ليس في محله، لأن الإخوان المسلمين ليس من المضمون أن يحكموا مصر وغيرها من البلدان العربيّة كما بدا الأمر في العام الأول على اندلاع الثورات العربية، فالاستطلاعات لا تضع مرشحهم محمد مرسي في المقدمة، فضلًا عن أن نجاحه أو نجاح عبد المنعم أبو الفتوح لا يعني أن السلطة في مصر ستنتقل إلى الرئيس الجديد، بل سيبقى المجلس العسكري لاعبًا مهمًا في مصر بغض النظر عن شخصيّة الرئيس المقبل.

وما يمكن أن يكون قد ساهم في إعادة النظر في موقف "حماس" أن صعود الإسلام السياسي وتسلمه السلطة تطلّب إزالة عقدة "حماس" من طريق علاقاته مع الإدارة الأميركيّة وأوروبا وإسرائيل، لذلك نصحت جماعة الإخوان المسلمين في مصر "حماس" بالاعتدال والاتفاق مع "فتح" تحت مظلة الشرعية الفلسطينية، لأن مصر بحاجة إلى وقت قد يطول حتى تقف على قدميها، ستكون فيه بحاجة إلى الدعم الخارجي ودعم الاستقرار الإقليمي لتجاوز الفترة الانتقاليّة بمتاعبها الأمنيّة والاقتصاديّة والسياسيّة وتجاوز الأخطاء المحدقة.

ثالثًا: لقد لعبت مصر عبر جهاز المخابرات العامة دورًا أساسيًّا في عقد الاجتماع الأخير بين "فتح" و"حماس" في القاهرة وفي النتائج التي توصل إليها، فالمجلس العسكري بحاجة إلى إنجاز عشية الانتخابات الرئاسيّة المصريّة، ليفتح من خلاله نافذة لدوره في المرحلة القادمة.

إن نجاح الاتفاق الجديد القديم مرهون مرة أخرى بتوفر الإرادة السياسيّة للأزمة لتطبيقه، والاستعداد لدفع ثمن الوحدة من خلال أولًا، بالتنازل عن المصالح والبرامج الخاصة، والاستعداد لتطويره بالاتفاق على برنامج سياسي يجسد القواسم المشتركة أصلب من برنامج "فتح" وأمرن من برنامج "حماس"، ينص على الالتزام بالحقوق والأهداف الفلسطينيّة، ويستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويربط الالتزام بالاتفاقات الموقعة بين المنظمة وإسرائيل بالتزام إسرائيلي مقابل بتطبيقها، وإلا الاستعداد لتجاوز أوسلو وملحقاته والتزاماته كما كان يجب أن يحدث منذ زمن.

وثانيًا، بالمضي في إعادة هيكلة وتشكيل وتفعيل وتطوير وإصلاح جذري شامل لمنظمة التحرير، بحيث تضم مختلف ألوان الطيف السياسي الفلسطيني؛ لتعود قولًا وفعلًا الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني أينما تواجد ومرجعيّته السياسيّة، على أن يدرج على جدول أعمال المنظمة وضع ميثاق وطني يستلهم أفضل ما هو موجود في الميثاقين القومي والوطني السابقين ويستفيد من الدروس والعبر المستفادة والخبرات والمستجدات والحقائق الجديدة.

وثالثًا، بتوحيد المؤسسات المدنيّة والأجهزة الأمنيّة، وذلك باعتماد خطة متدرجة تبدأ بتوحيد جهازي الشرطة في الضفة وقطاع غزة، حتى تقوم لجنة الانتخابات المركزيّة بالإشراف على إجراء الانتخابات، وحتى يقود الاتفاق إلى إنهاء الانقسام وليس إلى إدارته والتعايش معه وإلى الاقتسام.

ورابعًا، بقيام شراكة سياسيّة حقيقيّة تستند إلى الانتخابات الدورية وتجسيد الديمقراطيّة على مختلف المستويات والقطاعات وليس إلى المحاصصة، وتعطي لكل فصيل ما يستحقه فعلًا دون هيمنة أو تفرد أو احتكار أو إقصاء لأحد، باعتبارها هي الضمان الحقيقيّ لتحقيق الوحدة وحماية القضيّة الفلسطينيّة وسيرها على طريق الانتصار.

إن الوحدة الحقيقية لن تقوم إلّا في سياق إحياء المشروع الوطني الفلسطيني الذي يفترض إعادة الاعتبار للمقاومة المثمرة التي توحد، بينما الصراع على السلطة يمزق، وما يقتضيه ذلك من عدم الربط بين الوحدة وبين تقدم أو تأخر ما يسمى "عمليّة السلام" واستئناف المفاوضات أو تقدم أو تأخر الثورات العربية، وظهور حكام لصالح هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك. فالوحدة ضرورة لا غنى عنها وليست خيارًا من الخيارات، وليست وسيلة ضغط لاستئناف المفاوضات أو تحسين شروطها أو للقفز لقيادة السلطة أو لتحميل كل طرف للطرف الآخر المسؤولية عن عدم تحقيقها.

فالفلسطينيون بحاجة إلى توحيد جهودهم من أجل تغيير ميزان القوى بشكل جوهري، حتى يستطيعوا ممارسة حقهم في تقرير المصير؛ بالتركيز على هدف إنهاء الاحتلال دون إهمال الحقوق الأخرى التي من أبرزها حق العودة، وحق الفلسطينيين في إقامة دولة مستقلة ذات سيادة عاصمتها القدس على حدود 1967، وحق فلسطينيي 48 في المساواة والحصول على حقوقهم الفردية والقومية، وفلسطينيي الشتاب في العيش بكرامة حتى يعودوا إلى وطنهم.

Hanimasri267@hotmail.com

 

مشاركة: