الرئيسية » هاني المصري »   02 كانون الأول 2009

| | |
الحجاج ضحايا الانقسام
هاني المصري

لا يمكن تفسير أزمة الحجاج في قطاع غزة الذين لن يتمكنوا من أداء شعيرة الحج هذا العام، إلا في إطار وضعها في سياق الانقسام الفلسطيني السياسي والجغرافي، الذي أدى واقعيا الى وجود سلطتين واحدة في غزة، والأخرى في الضفة.

وكل سلطة منهما تحاول أن ترسخ سلطتها وتحصل على الشرعية أو المزيد من الشرعية فلسطينيا وعربيا وإقليميا ودوليا، وحتى الآن هذا الواقع لم يحسم نهائيا بعد، هل يستمر الانقسام ويصبح انفصالا أو يمكن استعادة الوحدة؟

 

وبغض النظر عن سؤال الشرعية وأيهما الشرعي، حقا، وغير الشرعي، فالشرعية الفلسطينية القائمة ضعيفة ومعرضة للانهيار في ظل استمرار الانقسام، وتبقى الحقيقة الواضحة وضوح الشمس أن هناك سلطتين، والمعطيات المتوفرة حتى الآن تشير الى أن هذا الواقع الانقسامي يتجه نحو التعمق، ويمكن أن يصل الى انفصال يستمر الى فترة لا يعلم مداها سوى الله.

وليس من الوارد، حتى الآن على الأقل، أن تستطيع سلطة منهما أن تحسم الأمر لصالحها عسكريا أو بانتفاضة أو أن تتنازل سلطة منهما عن كل أو جزء من سلطتها طواعية للأخرى، لأن مثل هذا السلوك لو توفر، لكان يمكن حل مسألة الحج هذا العام، بطريقة واقعية عبر إيجاد آلية تنسيق يتفق عليها بين السلطتين مثلما حدث في إعلان نتائج الثانوية العامة، حيث لم تتولّ وزيرة التربية والتعليم إعلان النتائج، وتم الاتفاق على إعلانها عبر شخصين مسؤولين في وزارة التربية والتعليم واحد في الضفة والآخر في غزة.

وفي المباراة الرياضية التي نظمت، مؤخرا، استطاع جبريل الرجوب رئيس اتحاد كرة القدم أن يحفظ وحدة الفريق الفلسطيني الذي ضم لاعبين من الضفة وغزة، واستطاعت كل سلطة أن ترضي غرورها بشكل أو بآخر.

كان يجب وضع مسألة الحجاج بعيدا عن الانقسام والتجاذبات والمناكفات السياسية، والاتفاق على طريقة مشتركة لاختيار الحجاج من غزة والسماح لهم بالسفر لأداء فريضة الحج.

أعرف تماما أن مسألة الحجاج أصعب، وتوقيتها أزف في لحظة احتدام الأزمة الداخلية. فجاء الحج هذا العام بعد اعتذار "حماس" عن المشاركة في حوار القاهرة على خلفية وضع شروط للمشاركة، بعد أن كانت "حماس" طوال أكثر من عام تطالب بحوار بلا شروط، أهمها إطلاق سراح المعتقلين السياسيين من "حماس" في الضفة، ومشاركة خالد مشعل رئيس حركة حماس على قدم المساواة مع الرئيس الفلسطيني كدليل على أن "حماس" تنظر لأبو مازن كطرف في الصراع الداخلي، وليس كراعٍ للحوار، والشرط الأهم الأخذ بملاحظات "حماس" على الورقة المصرية التي تعتبرها "حماس" مطروحة للحوار وليست أساسا للاتفاق لأنها منحازة للسلطة، وحركة فتح وم.ت.ف.

طبعا "حماس" وسلطتها في غزة خرجت خاسرة في معركة الحجاج، لأنها لم يُعترف بسلطتها لا من العربية السعودية التي منحت تأشيرات للحجاج من غزة الذين اختارتهم حكومة تسيير الأعمال في الضفة، ولا من مصر التي فتحت معبر رفح أمام الحجاج، رغم الإعلانات المتكررة من حكومة "حماس" بأنها لم تتلق أي إشعار بذلك، مما أدى الى معركة سياسية وإعلامية علنية بين مصر والسعودية من جهة وحركة حماس من جهة أخرى، ما يدل على مدى العزلة التي وصلت لها "حماس".

ولكن "حماس" مستعدة أن تتحمل هذه الخسارة في سبيل تأكيد انفرادها بالسلطة في غزة وسعيها للحصول على الشرعية لها، وحقها وحدها باختيار حصة قطاع غزة من الحجاج، ولو أدى ذلك الى عدم تمكن أي حاج من غزة من أداء فريضة الحج هذا العام، ولأنها تراهن على الوقت، رغم أن الوقت يعمل ضد الجميع.

على "حماس" أن تدرك أن نتائج اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير أكدت اعتراف الجامعة العربية بشرعية السلطة التي يترأسها ابو مازن لدرجة مطالبته بمواصله مهامه لحين إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية متزامنة. وإن هذا الموقف العربي، رغم أنه في الجوهر لا يعكس الاجماع البادي في ظاهر البيان الصادر، حيث هناك دول الممانعة التي تتعاطف مع حماس، إلا أنه مفترض أن يشعل الضوء الأحمر لـ"حماس"، ويجعلها تدرك أن سلطتها المحاصرة في غزة لا يمكن أن تحصل على الشرعية العربية والدولية ما لم تحصل على الشرعية الفلسطينية والإسرائيلية، والشرعية الفلسطينية ممكنة من خلال إبداء "حماس" استعدادها للتخلي عن سيطرتها الانفرادية على غزة، واستعدادها لقبول المشاركة في السلطة والمنظمة وفقا لما تستحقه، لا أكثر ولا أقل، وعلى أساس الاتفاق على ركائز وطنية عليا وقواعد لعبة سياسية ديمقراطية يجب أن يتفق عليها الجميع سلفا.

و"حماس" لا يمكن أن تحصل على الشرعية الإسرائيلية إذا لم توافق على الشروط الإسرائيلية الدولية، ومن أجل الموافقة على هذه الشروط تتعرض "حماس" ومعها قطاع غزة للحصار الخانق والحرب المتواصلة، وهذا ظلم مجحف بـ"حماس" وبالفلسطينيين، ولكنها حقيقة سياسية تفرض التعامل معها، خصوصا إذا أرادت "حماس" أن تقود وتحكم سلطة أفرزها اتفاق اوسلو الذي هو أولا وقبل كل شيء اتفاق فلسطيني ــ إسرائيلي، ووظيفته أمنية خدماتية.

تستطيع "حماس" أن تختار أن لا تحكم وأن تكتفي بدورها في إطار المجلس التشريعي، الذي تستطيع من خلاله أن تؤثر بشدة على الحكم والحكومة، لحين تنشأ ظروف أخرى تجعلها قادرة على كسر الشروط الإسرائيلية والدولية.

وتستطيع "حماس" أن تخرج من هذه العملية كلها وتقول أنها تتبنى برنامج مقاومة يتصادم كليا مع اتفاق اوسلو وملحقاته وافرازاته، ومع برنامج التسوية الذي اعتمد المفاوضات كأسلوب وحيد لحل الصراع، ولو كان مقابل ثمن باهظ دفعه الفلسطينيون، وهم مستمرون بدفعه، وتعهدوا في اجتماع اللجنة الرباعية الأخير في شرم الشيخ بالاستمرار بدفعه في العام القادم عبر تمديد مسار انابوليس.

أما أن تتخذ "حماس" موقفا (نص نص) تريد من خلاله أن تحكم سلطة اوسلو ولو عبر غزة أولا وهي تكتفي باحترام اتفاق اوسلو ولا تلتزم به، وتنادي باعتماد خيار المقاومة وهي تلهث وراء التهدئة التي أبدت استعدادها لكي تكون لفترة طويلة. إن هذا الموقف يشبه الذي يريد أكل الكعكة والاحتفاظ بها معا. يريد مزايا اوسلو بدون أن يدفع ثمنه ولا أن يكتوي بنيران عيوبه. هذا ممكن عندما نصل الى وضع نستطيع فيه أن نتجاوز اوسلو وأن نلغيه. وحتى يحدث ذلك يجب أن نتعامل مع الواقع (لا أن نستسلم له) بأفق تغييره باعتماد استراتيجيات عمل قادرة على تغييره. ويجب أن نضع استراتيجية قادرة على تجاوز اوسلو، المسؤول الأول عن كل ما نحن فيه. بدلا من تجاوزه الى الأسوأ أو العمل تحت سقفه بادعاء احترامه بدلا من الالتزام به.

إن ما سبق يحتاج الى نقد المسيرة الفلسطينية نقدا جدليا، يؤكد على الايجابيات وعناصر القوة ويدعو لتجاوز السلبيات والثغرات القاتلة، ومنها جعل السلطة فوق المنظمة والغاية والهدف، واعتماد المفاوضات وحدها بدون مرجعية وبلا مقاومة مثمرة، والتعامل مع المقاومة كأداة في الصراع الداخلي أكثر مما هي استراتيجية لدحر الاحتلال.

مصير حجاج غزة، يقرع ناقوس الخطر، ويقدم نموذجا مظلما عن المستقبل الذي ينتظر الفلسطينيين إذا استمر الانقسام!!

 

مشاركة: