الرئيسية » هاني المصري »   05 آب 2006

| | |
الحرب على لبنان مرشحة للاستمرار
هاني المصري

 السؤال المفترض طرحه الآن هو: هل من الصحيح ان الحرب على لبنان تقترب من نهايتها، وما هي سوى أيام قليلة أو أسبوع أو أكثر حتى تضع الحرب أوزارها؟ الجواب على هذا السؤال كان بالايجاب بعد مجزرة قانا، وعندما كانت كونداليزا رايس في اسرائيل وتعهدت بصدور قرار من مجلس الامن خلال أسبوع ولم تستطع أن تزور لبنان بعد اعتذار الحكومة اللبنانية عن استقبالها.

الآن، لم أعد واثقاً أن الجواب على هذا السؤال بالايجاب. فبعد المعركة البرية، وبعد القرارات الاسرائيلية بتوسيعها، وبعد تعثر الجهود الديبلوماسية الرامية الى إصدار قرار من مجلس الامن يقضي بوقف الحرب، أصبح من المحتمل أن تستمر الحرب لعدة اسابيع، وعدة اشهر وربما لعدة سنوات، كيف ذلك؟

 

تتوقف الحروب في العادة، عندما يستطيع ان يحسم طرف الحرب لصالحه أو عندما تقبل الأطراف المتحاربة بوقفها، لأنها تعتقد أن اهدافها تحققت أو لاقتناعها بعدم قدرتها على تحقيق هذه الاهداف، أو من اجل التقليل من حجم الخسارة، أو عندما تمارس ضغوط خارجية اقليمية أو دولية على الاطراف المتحاربة الى درجة تجعل عدم وقف الحرب مكلفاً لها أكثر من استمرارها، ولا يتوفر حتى الان أي من هذه الظروف حتى نثق بأن الحرب شارفت على الانتهاء.

في الحرب الدائرة الآن في لبنان للاسبوع الرابع على التوالي، اسرائيل لا تريد ان توقف الحرب، قبل أن تحقق انجازات عسكرية أو قبل ان تقتنع ان العملية السياسية ستؤدي الى تحقيق أهدافها من الحرب، أو جزء من هذه الاهداف، أو عندما تقتنع ان استمرار الحرب سيكبدها خسائر اكثر من وقفها، في الحقيقة ان اسرائيل تخشى من ان وقف الحرب دون ان تحقق انجازات عسكرية قادرة على تحويلها الى انجازات سياسية، ودون ثقة بأن هذه الانجازات ستتحقق عبر العملية السياسية، فهذا سيؤثر على موقع اسرائيل ودورها في خريطة الشرق الاوسط الجديدة، التي سترسم في كل الاحوال، ومهما كانت نتائج الحرب.

الانجازات العسكرية الاسرائيلية لم تتحقق حتى الآن، ولا يبدو أنها ممكنة التحقيق، وإذا تحققت ستدفع اسرائيل مقابلها ثمناً غالياً، كما تدل معارك عيتا الشعب ومركبا وغيرهما من القرى والبلدات اللبنانية، بعد معارك مارون الراس وبنت جبيل وعيترون وإذا حققت اسرائيل انجازات عسكرية، عن طريق احتلال شريط حدوي عازل بعمق 2، أو 6، أو 15 أو 30 كم، فهذا لن يقود بالضرورة لتحقيق انجازات سياسية، بل سيفتح على الاغلب الابواب أمام مرحلة جديدة من مراحل المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي الجديد، لذلك لم يكن من قبيل الصدفة اعلان حزب الله، عن طريق نعيم قاسم نائب الامين العام، بأن الحزب لن يلتزم بأي وقف لاطلاق النار، دون انسحاب آخر جندي اسرائيلي من الأراضي اللبنانية التي تقدمت الدبابات الاسرائيلية نحوها او منها في الحرب الحالية، والادارة الاميركية لم تنجح حتى الآن باقناع مجلس الامن بإصدار قرار يتضمن الشروط الاسرائيلية.

الحرب الحالية، أشبه بملاكمة بين ملاكمين الاول من الوزن الخفيف والثاني من الوزن الثقيل، واسرائيل تمثل الملاكم من الوزن الثقيل، وهي رغم تفوقها العسكري وتكبيدها حزب الله ولبنان (الملاكم من الوزن الخفيف) ضربات مؤلمة إلا نها استهدفت مواقع مدنية ولم توقف مقاومة وقصف حزب الله. فاسرائيل لا تزال تتلقى الضربات ولا يزال خصمها واقفاً على رجليه دون أن تستطيع أن تحسم المباراة بالضربة القاضية، بل معظم التقديرات والمؤشرات بما فيها تقديرات محافظ بنك اسرائيل والكثير من المعلقين والاستراتيجيين الاسرائيليين، بأن القوات الاسرائيلية لن تستطيع ان تحقق أهدافها بل تسير اذا لم تتراجع نحو إعادة تكرار ما حدث العام 2891، ولكن لظروف اسوأ لها بكثير، والجميع يعرف أن اسرائيل خرجت بعد غزوها للبنان العام 1982 بعد 18 عاماً مهزومة وتجر اذيال الخيبة.

اذا انتهت الحرب، وأعلن الحكم نهاية الجولة الاخيرة (الخامسة عشرة)، مع بقاء حزب الله قادرا على إطلاق الصواريخ على اسرائيل، وعلى التصدي لتقدم القوات البرية الاسرائيلية، فهذا يعتبر هزيمة من النوع الكبير لاسرائيل الامر الذي يعني نهاية الردع الاسرائيلي لاعداء اسرائيل ما يشجعهم على حربها ومقاومتها واستقطاب انصار جدد على امتداد العالم وليس العالم العربي والاسلامي وحده، واذا انتهت الحرب بنجاح اسرائيل بابعاد حزب الله ووقف صواريخه فهذا يعتبر ايضا هزيمة لاسرائيل من النوع الصغير، والملاكم في الوزن الثقيل نصره بهزيمة خصمه الملاكم من الوزن الخفيف، بالضربة القاضية لا بالنقاط اذا افترضنا ان اسرائيل ستحتل شريطاً حدوياً لمسافة 2 او 6 او 15 او 30 كم، فلا احد يدري حقيقة الهدف الاسرائيلي من الحرب البرية، فالحكومة الاسرائيلية تغير هدفها كل يوم، واحياناً تغيره في اليوم الواحد عدة مرات، ما يدل على حجم الارتباك الذي تتخبط فيه فإن هذا الاحتلال، من المحتمل، انه لن يزول بسرعة. فأولمرت قال انه لن يسحب قواته الا عند مجيء القوات الدولية، ومجيء القوات الدولية بحاجة الى وقت، وقت منذ الآن وحتى صدور قرار من مجلس الامن، وحتى يتم تشكيل هذه القوات ووصولها ومرابطتها على الحدود، وطبعا تنفيذ هذا القرار بحاجة الى موافقة لبنان، الحكومة وحزب الله، ولبنان قال انه لا يوافق على قوات متعددة الجنسيات تأتي اعتمادا على البند السابع من اتفاقية جنيف، اي كقوة رادعة مقاتلة وإنما يوافق على زيادة وتوسيع عمل القوات الدولية لحفظ السلام، وهذا ما ترفضه اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية، وإذا تذكرنا أن أوروبا والعديد من الدول في العالم التي من المقرر ان تشارك في القوات الدولية، اعلنت انها لن تفعل ذلك، دون موافقة كل الاطراف، بما فيها حزب الله، لانها لا تريد ان تعرض قواتها للخسارة مثلما حصل مع قوات المارينز والقوات الفرنسية بعد الغزو الإسرائيلي العام 2891، حيث خسرت مئات الجنود من الأميركيين والفرنسيين في عمليات نفذتها المقاومة اللبنانية.. ندرك أن احتلال إسرائيل لشريط حدودي مرشح للاستمرار لفترة قد تطول.

تأسيساً على ما تقدم، فإن إطالة الحرب أمر محتمل، ومحتمل جداً.. ولا يمكن إسقاطه من الحساب.. ولن يصدر قرار عن مجلس الأمن قابل للتطبيق إلاّ عندما تقتنع الإدارة الأميركية أن إسرائيل غير قادرة على تحقيق انجازات عسكرية، وإذا حققتها لن تكون قادرة على المحافظة عليها، ولا على ا ستثمارها سياسياً، حتى لو وقفت الإدارة الأميركية -كما تفعل- بكل قوتها الى جانبها.

فالرهان الإسرائيلي على استمرار الحرب خاسر، كما تدل النتائج الملموسة حتى الآن.. والرهان الأميركي - الاسرائيلي على الوضع الداخلي اللبناني وانقلابه ضد المقاومة وحزب الله خاسر، بدليل ان لبنان لم يكن رغم كل عوامل الانقسام والخلاف، موحداً في أي يوم من الأيام، كما هو موحد في هذه الفترة.. فلبنان ذاق مرارة الحرب الأهلية، ويريد أن يتجنب الانزلاق إليها مهما كان الثمن.. وإسرائيل في حربها ضد لبنان كله، ساعدت على توحيد اللبنانيين، وهي بحماقاتها البالغة والموجعة ستساعد على تعميق هذه الوحدة أكثر وأكثر.

أولمرت يبحث عن صورة انتصار

هناك احتمال أن يكتفي أولمرت بالبحث عن صورة انتصار لتعويضه عن الانتصار الحقيقي.. وهذا يظهر من خلال انتقاله خلال يوم واحد، من الحديث عن عدم تحقيق الأهداف الاسرائيلية، الى إعلان الانتصار لدرجة جعلت العديد من الجنود والضباط الاسرائيليين أنفسهم، يعلقون على ما وصف بـ "خطاب الانتصار" الذي ألقاه أولمرت، بقولهم يبدو أن أولمرت يتحدث عن حرب أخرى، غير تلك التي يخوضها في لبنان.

من الصعب، إذا لم يكن من المستحيل، هزيمة المقاومة، لأنها تعتمد على الشعب.. والشعب يزودها باستمرار بعوامل الصمود وبالمقاتلين.. لتعويض خسارتها، طالما اقتنع انها تخوض حرباً عادلة وقادرة على الانتصار بها.. والشعب اللبناني مقتنع بأن المقاومة تخوض حرباً عادلة، واشتدت جاهزيتها وبسالتها.

ومثل هذه المقاومة قادرة على الانتصار.. فهي سبق وانتصرت العام 0002، ويمكنها أن تنتصر الآن، خصوصاً ان لبنان لم يعد لديه الكثير لكي خسره.. فلن "يخسر" من استمرار الحرب سوى الاحتلال والعدوان وتحجيم القوة العسكرية الاسرائيلية وتلقينها درساً لن تنساه أبد الدهر.. فهذه الحرب أطول حرب تخوضها إسرائيل مع طرف عربي، باستثناء الشعب الفلسطيني، الذي خاض الانتفاضة الشعبية الأولى فترة 6 سنوات، ولا يزال يخوض الانتفاضة الثانية منذ حوالي 6 سنوات.. والحرب الحالية تخوضها إسرائيل على جبهتين، خارج حدود إسرائيل، وداخل حدود إسرائيل.. وهذا مصدر القلق لأولمرت وقادة إسرائيل!!

.. وحرب إسرائيل على غزة مستمرة ومتصاعدة

وفي ظل انشغال العالم كله بما يجري في لبنان، ووسط ترحيب قيادة جيش الاحتلال بهذا الانشغال، حسب ما أشارت وسائل الإعلام الاسرائيلية، تواصل قوات الاحتلال عدوانها على غزة وسائر الأراضي الفلسطينية، فخلال الـ 24 ساعة، الممتدة من صباح الخميس الماضي حتى صباح الجمعة، ارتقى 12 شهيداً وجرح 30 فلسطينياً، جراح 10 منهم خطيرة، في بلدة الشوكة شرق رفح.. هذا بعد أن ارتقى حوالي 30 شهيداً في يوم واحد في نهاية الأسبوع الماضي.

وخلال شهر تموز الماضي استشهد 177 فلسطينياً من بينهم 44 طفلاً، وأصيب أكثر من ألف آخرين، من بينهم 330 طفلاً، وان جثامين 23 من الشهداء وصلت ممزقة الى المستشفيات.. وقال وزير الصحة في بيان أصدره، إن من بين الشهداء والجرحى الأطفال ثلاثة شهداء و32 جريحاً تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر وأربعة أعوام.. وأشار الى ان استشهاد 20 أنثى، من بينهن عشر طفلات، فيما أصيب نحو 90 امرأة وطفلة بجروح متفاوتة.. وبسقوط هذا العدد من الشهداء خلال شهر واحد، فإن عدد الشهداء الذين سقطوا منذ مطلع العام الجاري يرتفع الى 372 شهيداً، وهذا يدل على أن العدوان مستمر ومتصاعد ويتوجب توفير مقومات الصمود، والتصدي له بأحسن شكل، لايقاع أفدح الخسائر في صفوف الاحتلال، وأقل الخسائر في صفوف الفلسطينيين.

 

مشاركة: