الرئيسية » هاني المصري »   28 تشرين الأول 2006

| | |
الخيارات الصعبة، والوفاق الوطني الضروري
هاني المصري

كنت من المبادرين، ومن أشد المدافعين عن فكرة اقامة حكومة وحدة وطنية، وذلك رغم ادراكي ومنذ البداية ان امكانية تحقيقها صعبة وصعبة جدا، ولكن بما ان الصدام هو البديل المرعب والمرجح لها، لم تكن ولا يجب ان تكون، ولا هي الآن مستحيلة. الاعتراف بالواقع يتطلب الآن، وبعد ثمانية اشهر على اجراء الانتخابات التشريعية، وخمسة اشهر على اطلاق وثيقة الاسرى، وأربعة اشهر على توقيعها، وبعد فشل كل المبادرات والجهود للاتفاق على حكومة وحدة، الإقرار بأن هذه الحكومة اصبحت وراءنا واحتمال اقامتها بات ضئيلاً للغاية. حكومة الوحدة تراجعت بينما حكومة الكفاءات الوطنية تتقدم. ولعل هنا بالضبط تكمن اهمية طرح هذا الخيار. فلو تصورنا عدم وجوده، فماذا سيكون البديل عن الفشل في الاتفاق على حكومة الوحدة: الصدام والانزلاق للحرب الاهلية للوهلة الاولى، تبدو حكومة الكفاءات خياراً سهلاً كونها تعطي مخرجاً مناسباً لكل الاطراف، وهي تحفظ ماء وجه الجميع. فمثل هذه الحكومة لا تطلب من الفصائل والاحزاب التخلي عن او تعديل برامجها، بل المطلوب منها ان تمنح الثقة لها، وتعطيها شبكة أمان لمدة عام، وهذا لا يحملها المسؤولية المباشرة بل يجعلها تتحمل مسؤولية غير مباشرة تضامنية. وهذا اقل وطأة عليها من المشاركة في حكومة تحمل برنامجاً لا توافق عليه. النظرة المتفحصة لخيار حكومة الكفاءات يتوصل صاحبها الى انها خيار صعب، وصعب جداً هو الآخر، وإن كانت صعوبته اقل قليلاً من حكومة الوحدة الوطنية، وترجع صعوبته الى انه يفترض موافقة الفصائل والاحزاب على عدم المشاركة بها، وهي تعتبر نفسها الأحق بالمشاركة، والأقدر على الحكم. وهذه الصعوبة تظهر بحدها الاقصى عند حركة حماس التي ستكون مطالبة عند تشكيل حكومة الكفاءات بالتخلي عن الحكم، ليس من اجل المشاركة مع الآخرين، وانما مغادرة الحكم كلياً. لذا كان من المتوقع، كما حدث فعلاً، أن ترفض حركة حماس المبادرة التي حملت اسم "نداء من أجل فلسطين" حتى قبل أن تلتقي بالوفد الذي من المقرر أن يلتقي مع اسماعيل هنية رئيس الحكومة، بعدما التقى الرئيس ابو مازن، حيث رحب بالمبادرة، واعتبرها اسهل الخيارات المرة. ورغم التنوع في الردود التي اطلقتها الحكومة وحركة حماس على مبادرة تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية، الا ان الموقف النهائي مال الى استمرار تمسك حماس بتشكيل حكومة وحدة وطنية على اساس وثيقة الوفاق الوطني،

واعتبار اية مبادرة لا يكون برنامجها منسجماً مع وثيقة الوفاق التفافاً على الديمقراطية ومحاولة لإقصاء حماس عن السلطة، وأعلنت حماس انها مستعدة لنقاش اية ورقة شريطة ان تنطلق من نوايا صادقة لا تعيدنا الى نقطة الصفر، وأكدت انها لن تمنح اية حكومة شبكة أمان في التشريعي، تأتي برؤية اسرائيلية اميركية، وشددت حماس على ان حكومة كفاءات دون برنامج سياسي لن يكتب لها النجاح ولن تستطيع تسيير الامور المعقدة خاصة في مجال الامن وحفظ النظام. الخلاصة التي يمكن استنتاجها من موقف حماس من حكومة الكفاءات هي ضرورة ان تكون وفق معايير وشروط واضحة ومحددة، تبدأ بأن يكون لها برنامج سياسي متفق عليه بين الفصائل والاحزاب وتكون مرجعيتها وثيقة الوفاق الوطني، بأن تتوفر لها ضمانات دولية واقليمية كافية لرفع الحصار الاقتصادي والسياسي عن الشعب الفلسطيني، وهذا يعيدنا الى عقدة عدم الاتفاق على البرنامج السياسي التي اطاحت بإمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية. واذا كان بالإمكان الاتفاق على برنامج سياسي فمن الافضل في هذه الحالة الاتفاق على حكومة وحدة وطنية. السؤال الذي يطرح نفسه على حماس هو: هل هي مستعدة لتمرير حكومة كفاءات تستند الى وثيقة الوفاق الوطني والمحددات السياسية التي اتفق عليها ابو مازن واسماعيل هنية، ووقع عليها ممثل عن حماس وآخر عن فتح، كما وقع عليها كل من زياد ابو عمرو، وروحي فتوح كشهود؟ واذا كان الجواب لا، فهل نقبل بحكومة دون برنامج سياسي على ان تعلن الحكومة القادمة التزامها بما وقعت عليه "م.ت.ف" من اتفاقيات، وعلى احالة الملف السياسي الى المنظمة؟ واذا كان الجواب لا، فهذا يعني ان حكومة الكفاءات الوطنية لن ترى النور، وسيكون مصيرها مثل مصير حكومة الوحدة الوطنية. وفي هذه الحالة، التي يمكن ان نصل اليها بعد مدة تقصر او تطول، وأعتقد انها لن تطول كثيرا، لأن الوقت من دم، ولا يحتمل الوضع الفلسطيني استمرار الازمة التي تنهش به لفترة طويلة وسنكون أمام الخيارات التالية: الخيار الاول: بقاء الوضع على حاله، واستمرار الحكومة الحالية بالعمل، وهذا سيفاقم الازمة، فليس هناك اذا استمر الوضع الحالي، ما يشير الى ازالة الحصار السياسي والاقتصادي، ولا الى تراجع حدة العدوان العسكري الاسرائيلي، بل تتزايد المؤشرات الى قرب تنفيذ المخططات الاسرائيلية باجتياح واسع لقطاع غزة. وفي ظل استمرار هذا الخيار، على الحكومة ان تستعد لقيام المعارضة بممارسة دورها بالمعارضة الى اقصى مدى، داخل المجلس التشريعي وخارجه، وعليها ان تستعد لاستمرار وتصاعد الإضراب، وما يمكن ان يؤدي اليه ذلك من تدهور شامل في كافة المجالات والصعد السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والأمنية. الخيار الثاني: دعوة الرئيس الى اتخاذ قرارات حاسمة، واتخاذه مثل هذه القرارات، كما تعهد خلال لقاءاته مؤخراً مع الإعلاميين ورجال الدين والمقاولين ولجنة الحوار، حيث اكد ان زمن اتخاذ القرارات الصعبة يقترب. وحسب ما لمح الرئيس فإنه يفكر بتنظيم استفتاء شعبي يتم الاحتكام فيه للشعب ولم يعرف حتى الآن على ماذا سيستفتى الشعب؟ هل على اجراء انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة؟ أم على برنامج المنظمة والرئيس؟ واذا فاز تتم دعوة الحكومة للالتزام به، واذا لم تلتزم تتم اقالتها وتشكيل حكومة تلتزم بما قرره الشعب؟ أم الدعوة لإجراء انتخابات مبكرة؟ واذا لم ينجح برنامج المنظمة والرئيس، يكون على الرئيس ضرورة الاستقالة، وهذا يفرض اجراء انتخابات رئاسية، ستكون نتيجتها معروفة سلفاً، أم سيكون الاستفتاء على خيار تشكيل حكومة انتقالية من الكفاءات الوطنية، والعقدة التي تقف أمام الاستفتاء مهما كان مضمونه، ان حماس لا تفرق بينه كأسلوب قانوني ديمقراطي سلمي وبين دعوات التمرد والانقلاب، حيث اعتبر أكثر من قيادي من حماس ان الاستفتاء هو الاخر انقلاب على الديمقراطية، وهذا الامر خطير كونه يجعل الديمقراطية اشبه بالاحتكار بيد حماس، ولكن هذا الموقف الخاطئ سيجعل الدعوة للاستفتاء خطرة لأنها يمكن ان تؤدي الى الانزلاق سريعاً نحو الصدام والحرب الاهلية، وفي السياسة ليس من المهم فقط ان تكون على حق بل يجب ان تكون حكيماً، بحيث تدرس العواقب الناجمة عن استخدام ما تعتبره حقاً لك لا شك فيه . تأسيساً على ما سبق، تبدو كل الخيارات صعبة وتواجه احتمالات سيئة ما يجعل لا بديل عن الوفاق الوطني، فالوفاق الوطني مطلوب من اجل حكومة الوحدة الوطنية، والوفاق الوطني مطلوب من اجل تحقيق حكومة الكفاءات الوطنية، وهناك حاجة لاتفاق وطني كذلك حتى يمكن اللجوء الى الاستفتاء. فأي فصيل معارض للاستفتاء، بل اية مجموعة مسلحة تستطيع ان تخرب الاستفتاء، فكيف اذا اعتبرت الحكومة القائمة الاستفتاء انقلاباً على الديمقراطية! فعلى حماس ان توافق على الاستفتاء اذا تعذر الاتفاق على حكومة وحدة وطنية او حكومة كفاءات وطنية. وإذا لم توافق حماس لا بديل عن محاولة اقناعها بالحوار والحجة والضغط السلمي الشعبي، وإذا لم تقتنع من حقها ان تحكم ما دامت تحظى بالاغلبية، وعليها ان تتحمل نتيجة موقفها امام الشعب والتاريخ. على حماس ان تختار: هل تريد ان تبقى في الحكم وتبلور برنامجاً ينسجم مع موقعها الجديد؟ ام تريد ان تتخلى عن الحكم وتحتفظ ببرنامجها وتتحكم بالحكومة من خلال اغلبيتها في المجلس التشريعي؟ اما ان تجمع حماس بين الحكم وبرنامجها عندما كانت في المعارضة، فهذا صعب جداً، اذا لم اقل إنه مستحيل، فلا يجب على حماس أو اي فلسطيني ان ينسى ان السلطة مقيدة بقيود غليظة اسمها اتفاقيات اوسلو وملحقاتها. وهي سلطة محدودة الصلاحيات وليست دولة مستقلة. وإن طريق فك هذه القيود ووضع السلطة في سياق خدمة استراتيجية تقوم على العمل على دحر الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال، طريق يجب فتحه ولكنه طريق طويل لا يمكن الوصول الى نهايته دفعة واحدة، وعبر حرق المراحل. اعلان الحكومة القادمة اياً كان شكلها حتى تفك الحصار عن التزامها بالاتفاقيات الموقعة هو الثمن الذي لا مفر من دفعه ودفع الثمن لا يعني تأبيد هذه الاتفاقيات، فهي اتفاقات ظالمة وتجاوزتها اسرائيل كليا، بحيث يسمح هذا لبلورة سياسة فلسطينية قادرة على تجاوز هذه الاتفاقيات بأسرع وقت ممكن. ومن لا يريد ان يدفع الثمن، عليه الا يشارك في الحكم حالياً. وعلى الجميع ان يتذكر ان خيار الجمع بين السلطة والمقاومة المسلحة، جرّب وسقط ضحيته الرئيس الراحل ياسر عرفات، من يريد مقاومة مسلحة كأسلوب وحيد أو رئيسي للمقاومة عليه ان يستعد ويعمل من اجل حل السلطة، او تغيير وظائفها ومرجعيتها على الاقل. وأخيراً، رغم صعوبة الوضع، والعراقيل امام تحقيق خيار تشكيل حكومة كفاءات وطنية، فإن هذا الخيار يمكن تحقيقه، اذا استطاعت مبادرة "النداء من اجل فلسطين"، ان تتحول الى قوة سياسية شعبية كبيرة، وأن تثبت انها مستقلة وبعيدة عن الاستقطاب الثنائي الحاد ولا تريد اسقاط حماس من اجل عودة فتح الى السلطة، وإنما ايجاد مخرج ولو مؤقت للأزمة الراهنة ريثما تنضج الظروف لاقامة حكومة وحدة وطنية على اساس برنامج حد أدنى مشترك. ولا ابالغ في القول، ان مصير الحركة الوطنية الفلسطينية بجناحيها الوطني والاسلامي يتوقف الى حد كبير على قدرتها على توحيد صفوفها بصرف النظر عن الخلافات، وعدم السقوط في شرك الفصل بين ما يسمى المعتدلين والمتطرفين حسب ما تعمل ادارة بوش ليس في فلسطين فحسب، وإنما في لبنان والعراق والشرق الاوسط، بل والعالم كله، حيث تريد تقسيم العالم بين محور الخير الذي قررت انها تمثله، ومحور الشر الذي يتسع ويضيق حسب الحاجات والمصالح الاميركية والاسرائيلية. ويمكن ان تتفق الحركة الوطنية بجناحيها بسبب عدم وجود عرض اسرائيلي يفرقها، ويستحق الاقتتال من اجله، اما السلطة فهي محدودة ومقيدة ولا تستحق ان يتقاتل الاخوة من اجل السيطرة عليها. وإذا كان الاستفتاء دون اتفاق مغامرة غير محسوبة فكيف اللجوء الى حكومة طوارئ، فهي تهور كامل، اما الدعوة للانتخابات المبكرة دون استفتاء فهي انقلاب واضح على الديمقراطية وتضر كل من يدعو اليها، وتوفر ذخيرة كافية لحماس ولكل المعارضين لها. اما اقالة الحكومة الحالية، دون اللجوء الى الاستفتاء، فهي خيار يمكن التفكير به بعد استنفاد خيار تشكيل حكومة الكفاءات الوطنية، وحتى ينجح يجب ان توافق عليه حماس او تصرف النظر عنه، وهذا يتطلب تشكيل حكومة كفاءات وطنية تكون محل رضى وتوافق وطني عليها، حتى يجعل حجب الثقة عنها امراً صعباً ومحرجاً للمجلس التشريعي، ولكتلة التغيير والاصلاح صاحبة الاغلبية في المجلس.

 

مشاركة: