الرئيسية » هاني المصري »   12 كانون الأول 2006

| | |
الدعوة لانتخابات مبكرة: قفزة في المجهول
هاني المصري

بصراحة وبكل صراحة لم افهم حتى الان التوصية التي رفعتها اللجنة التنفيذية، بالدعوة لاجراء انتخابات مبكرة مع ابقاء الحكومة الحالية وترك الباب مفتوحاً للحوار واقامة حكومة وحدة وطنية. فالمنطق يقول ان الخيار يكون: إما استمرار الحكومة الحالية مع تواصل الحوار لتشكيل حكومة وحدة وطنية او التوجه الى انتخابات مبكرة، لكن مع الالتزام باساس دستوري واضح ومقنع وقوي لاجرائها.

توصية اللجنة التنفيذية لم تحدد موعد اجراء الانتخابات ولا اساسها الدستوري. والتوصية لم ترد في القرارات الصادرة والمنشورة عن اجتماع اللجنة التنفيذية، وهذا يدل على:

إما ان التوصية لم تتبلور واعلن عنها قبل وقتها، حيث كان من المفترض ان يعلن عنها الرئيس في خطابه المنتظر، ولكن اعضاء اللجنة التنفيذية لم يتمكنوا من كبت انفسهم امام اغراء وسائل الاعلام.

وإما أن الهدف هو الانتخابات، أما الحديث عن الحوار فما هو سوى ذر للرماد في العيون).

وأما ان التوصية محاولة للتوفيق ما بين وجهتي نظر داخل اللجنة التنفيذية واللجنة المركزية لحركة فتح، والاوساط الفلسطينية بشكل عام. وجهة النظر الاولى تطالب بالابقاء على الحكومة الحالية واعطائها فرصة للحكم، بعد تحميل حماس المسؤولية عن فشل المشاورات لتشكيل حكومة الوحدة، مع ترك الباب مفتوحاً امام تشكيل حكومة الوحدة عبر عرض مقومات قيامها، ودعوة الشعب لممارسة دوره والتحرك للضغط من اجلها، وتحميل الحكومة الحالية المسؤولية عن استمرار الازمة وعما يمكن ان يحصل. وتتضمن وجهة النظر هذه الاستعداد لتنظيم معارضة وطنية وشعبية واسعة للحكومة. واذا استطاعت الحكومة ان ترفع الحصار وتعيد القضية الى مكانها الطبيعي وتقديم الخدمات والاحتياجات للمواطن تستطيع ان تنهي دورة المجلس التشريعي كاملة. واذا لم تستطع تفاقمت الازمة على كافة المستويات، وتبلورت ارادة شعبية عارمة ضدها، عندها يتوفر مسوغ شعبي قاطع للرئيس يضاف الى المسوغات القانونية والسياسية، بما يسمح للرئيس باستخدام صلاحياته والقيام بمسؤولياته.

وتستند وجهة النظر هذه الى ان القانون الاساسي لا يعطي للرئيس حق حل المجلس التشريعي عند اعلان حالة الطوارئ. لذا من باب اولى ان ليس للرئيس مثل هذا الحق في الاحوال العادية. كما تستند وجهة النظر هذه الى ان ليس من صلاحيات م.ت.ف ورئيسها ولجنتها التنفيذية حل المجلس التشريعي والدعوة لاجراء انتخابات مبكرة، لان المنظمة هي المرجعية السياسية العليا للسلطة، اما المرجعية القانونية للسلطة فهي القانون الاساسي والمجلس التشريعي المنتخب مباشرة من الشعب، كما تنطلق وجهة النظر هذه من ان الازمة ليست اساساً أزمة دستورية حتى نجد حلاً دستورياً لها، بل أزمة شاملة اساسها فشل البرنامج الوطني وعدم وجود خطة مقنعة وممكنة التحقق لاعادة الاعتبار له وتحقيقه، فمن يتحدث عن المفاوضات لا يفاوض لعدم جود مفاوضات، ومن يتحدث عن المقاومة علق او مستعد لتعليق المقاومة، لان اشكال المقاومة بحاجة الى تقييم لاتباع الاشكال ذات الجدوى، والمنسجمة مع القانون الدولي.

وجهة النظر الثانية تطالب باقالة الحكومة وتشكيل حكومة كفاءات او حكومة طوارئ او اقامة حكومة انتقالية مهمتها التحضير لاجراء انتخابات مبكرة، وبعض انصارها يصر على ضرورة المرور بمحطة الاستفتاء لتوفير الاساس القانوني للتوجه الى انتخابات مبكرة، والبعض الاخر (الغالب) لا يرى ضرورة لذلك ويعتبر ان من صلاحية رئيس السلطة او المنظمة الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة. حجة اصحاب وجهة النظر هذه، الرئيسية ان لم تكن الوحيدة، هي ضرورة فك الحصار بحيث اصبح الحصار هو المبتدأ والخبر، البداية والنهاية.

نحن بحاجة الى حكومة تكون مهماتها اكبر من رفع الحصار، حكومة قادرة على التقدم على طريق انهاء الاحتلال والاستيطان والعدوان والجدار وتقطيع الاوصال، حكومة تحفظ الحقوق والمصالح الوطنية وتكون قادرة على الاقلاع ايضاً.

توصية اللجنة التنفيذية، كما تداولتها وسائل الاعلام اخذت من وجهة النظر الاولى، عدم اقالة الحكومة وترك باب الحوار لتشكيل حكومة وحدة مفتوحاً، واخذت من وجهة النظر الثانية الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة. وهذا مثل الجمع ما بين الجنة والنار.

ان وجود الحصار وضرورة العمل لازالته يجب ان تتم في سياق بلورة برنامج وطني مشترك، واذا لم نتمكن حالياً من التوصل الى برنامج مشترك، بسبب الاصرار على البرنامج الخاص والهيمنة على الحكومة المقبلة، فمن العناد دفع الامور نحو تفاقم الخلاف والانقسام والانفراد، بل فلتبق الحكومة وتتصرف وفقاً لصلاحياتها، وليعمل الرئيس وفقاً لصلاحياته، وليتم تفعيل واحياء م.ت.ف، ولكن ليس لكي تصبح حكومة موازية تنافس الحكومة القائمة على صلاحياتها، ولكن لتقوم بمهماتها كمرجعية عليا، وكممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني كله، فدوائر المنظمة مشلولة، ولا نراها تعمل الا في سياق الصراع مع الحكومة، المنظمة اكبر من هذا الدور.

وهنا لا يجوز لحركة حماس كلما اختلفت مع المنظمة ان تعود الى موقفها الاصلي، تشكك بشرعية المنظمة، وتنسى انها وافقت في >اعلان القاهرةوثيقة الاسرىالمحددات السياسية<، والمشاورات الاخيرة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، على الاعتراف بالمنظمة بما هي ممثل شرعي وحيد، بعد رفض الاشتراطات التي كانت تحاول ان تضعها بحيث لا تصبح ولا تكون المنظمة ممثلاً شرعياً وحيداً، الا اذا تمت اعادة بنائها، فالمنظمة ممثل شرعي وحيد منذ العام 4791، بعد حصولها على الاعتراف الفلسطيني والعربي والدولي؛ وهي مشلولة وتعاني من خلل وبحاجة الى اصلاح واحياء وبحاجة الى ضم الفصائل التي لا تزال خارجها.

ان الدعوة لاجراء الانتخابات بدون اساس دستوري، ولا وفاق وطني، وبدون التأكيد على ان اجراءها لا بد وان يتم على نفس شروط اجرائها السابقة، وعلى اساس قانون انتخاب جديد يتعامل مع الوطن كله كدائرة واحدة، وبدون الاتفاق على الاستراتيجية الفلسطينية الموحدة في مواجهة المرحلة الجديدة، خصوصاً بعد تقرير لجنة بيكر - هاملتون والفرصة التي تلوح في الافق مجدداً لاقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، لن تؤدي الى اطفاء امكانية الحرب الاهلية بل ستزيد من حدة الخلاف والانقسام، وربما تصل الامور الى حد الاقتتال والحرب الاهلية.

فما الذي سيقنع حماس وغيرها بالموافقة والمشاركة على اجراء الانتخابات، وهي تعرف سلفاً ان هذه الانتخابات معدة سلفاً من اجل اسقاطها وتغيير واقع وطريقة الانتخابات السابقة التي حصلت فيها حماس على الاغلبية؟

فما الذي يمكن ان يقنع حماس وهي تلاحظ ان الرهان الاساسي لاصحاب الدعوة لاجراء الانتخابات هو على الحصار والعدوان، وليس على اثبات الجدارة، وتقديم النموذج على انهم قادرون على الاصلاح والتغيير الايجابي ويملكون الحل البديل في السياسة والاقتصاد والمجتمع والثقافة وفي المقاومة؟

وهنا لا يقنعنا من يقول ان الذهاب للانتخابات يعني توفر الاستعداد المسبق لقبول نتائجها مهما كانت. ان الذهاب للانتخابات قبل موعدها، مرجعه الاساسي الازمة العاصفة الناجمة عن وجود رأسين وبرنامجين، ووجود اعتقاد يعززه بعض الاستطلاعات، بان قوة حماس قد تراجعت، مل يوفر امكانية كبيرة لخسارتها الاغلبية في المجلس التشريعي المقبل. ولكن على من يدفع لاجراء الانتخابات المبكرة بدون اساس قانوني قوي وبدون وفاق وطني ان يفكر بالاجابة على الاسئلة التالية:

ما الذي يضمن عدم فوز حماس مجدداً، خاصة انها ستظهر بصورة الضحية التي تتعرض لمؤامرة خارجية وصراع داخلي؟ واذا فازت هل ستجد الازمة حلاً؟ أم ان هناك مراهنة على عدم مشاركة حماس؟ واذا لم تشارك كيف سيتم توحيد الارادة الفلسطينية؟

ما الذي يضمن تغيير قانون الانتخابات لكي يصبح الوطن دائرة واحدة، اذا لم توافق حماس على اجراء هذا التعديل؟ الا اذا كان البعض يراهن على اجراء التعديل مستفيداً من وجود عشرات النواب من حماس بمن فيهم رئيس المجلس التشريعي وراء القضبان؟ ان مثل هذا التفكير ان وجد، لا يعطي للتعديل شرعية وطنية، ويعتبر عملاً لا اخلاقياً.

ما الذي يضمن الموافقة الاميركية والاسرائيلية على اجراء الانتخابات الآن ووضع شروط على المشاركين بها؟ مثل ضرورة ان يلتزموا بالاتفاقات المتوقعة بين اسرائيل والمنظمة، او ضرورة ان يكونوا اعضاء بالمنظمة التي وقعت الاتفاقات مع اسرائيل، أو استبعاد القدس من الانتخابات المقبلة.

هل ستنتظر اسرائيل نتائج الانتخابات المقبلة وهي مكتوفة اليدين؟ أم ستقوم بحملة اعتقالات واجراءات تحاول بها ان تضمن نتائجها؟ مع العلم بان اسرائيل لا تريد طرفاً فلسطينياً قوياً. وانما تريد عدة اطراف فلسطينية كلها ضعيفة.

تأسيساً على ما تقدم، فان الدعوة لاجراء انتخابات مبكرة لا بد ان تكون دستورية ومتوافقاً عليها او دستورية على الاقل بما لا يطعن بشرعيتها، وضمن اتفاق عام على الاستراتيجية الموحدة وعلى قانون انتخابات يؤكد وحدة الشعب، اما اذا لم يتوفر لها كل ذلك فانها قفزة في المجهول، قفزة لن تؤدي على الاغلب الا الى اجراء الانتخابات فعلاً. واذا جرت ستكون انتخابات غير مضمونة النتائج، او ستكون مقاطعة من قطاعات واسعة سياسية وشعبية لانها ستكون مطعوناً بشرعيتها، ولن تكون حلاً للأزمة التي جذرها الاساسي وجود حالة من التعددية في السلطات والاستراتيجيات والبرامج ومصادر القرار، ادت بدورها الى حالة من الفوضى والفلتان الأمني، التي يهدد استمرارها في أكل الاخضر واليابس

مشاركة: