الرئيسية » هاني المصري »   26 تموز 2007

| | |
الركـض وراء السـراب
هاني المصري

مع اتفاقي التام مع الشرط الرئيسي الذي وضعه أبو مازن لاستئناف الحوار مع "حماس" وهو إزالة آثار الانقلاب الذي نفذته ضد الشرعية، الا أنني كنت آمل ان يضع الجانب الفلسطيني والعربي الذي التقى مع اولمرت بالأمس الاثنين شرطا مشابها من قبيل فتح مسار سياسي قادر على إنهاء الاحتلال. ورغم أنني أجازف بكتابة هذا المقال قبل القمة، إلا أنني مؤمن أن المكتوب يقرأ من عنوانه. وان اللقاءات مع القادة الإسرائيليين ليست سوى ركض وراء السراب ، فإسرائيل في عهد اولمرت ليست راغبة ولا قادرة على السلام ما لم تتعرض لضغوط دولية او أميركية او تشعر أنها ستخسر أكثر مما تريد فيما لم تقدم على إحياء مسار سياسي جدي. ان مجرد الاكتفاء بالقول ان القمة ستبحث في استئناف المفاوضات وعملية السلام لا يكفي على الإطلاق. فحكومة اولمرت أوضحت سياستها ومطالبها وما ستقدمه للفلسطينيين أثناء اجتماعها الأسبوعي يوم الأحد الماضي. فهي تريد ثمن تقديم المساعدة للسلطة، وثمنا آخر للانقسام الفلسطيني الذي تريد ان تعمقه سياسيا وجغرافيا من خلال طرح خيار الضفة أولا. وما لم تمنحه للرئيس ابو مازن وهو رئيس يتسلح بإجماع فلسطيني وحكومة وحدة، لن تعطيه اياه بعد ما حدث في غزة ويضعف الفلسطينيون جميعا.

 

ان حكومة إسرائيل ستقدم جملة من التسهيلات مثل:

ü الإفراج عن معظم الأموال الفلسطينية المحتجزة، لكن على ست دفعات بعد الاحتفاظ بـ 800 مليون شيكل تشكل حوالي 40 % هذه الأموال شرط ان يتم الاتفاق على آلية تحول دون وصول الأموال لخدمة أي أطراف او أهداف "إرهابية".

ü تسهيلات على الحواجز تتضمن فتحها وليس إزالتها كما تردد بعض وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية. وفي أحسن الأحوال يمكن إزالة بعض الحواجز الفرعية والاستعاضة عنها إذا لزم الأمر كالعادة بحواجز طيارة.

ü التوقف تدريجيا عن عمليات التوغل والاقتحام التي ينفذها جيش الاحتلال للمدن الفلسطينية مقابل استئناف التنسيق الأمني الفلسطيني ــ الإسرائيلي.

ü إصدار مزيد من التصاريح للتجار الفلسطينيين لدخول إسرائيل وشراء بضائع إسرائيلية أكثر من المسموح بها سابقا.

ü إعطاء المزيد من بطاقات "VIP" للوزراء و المسؤولين لتسهيل حركتهم في محاربة "الإرهاب".

ü التنسيق حول ما يجري في غزة لتجاوز "حماس" المسيطرة في القطاع، ومحاولة الحصول على ضوء اخضر فلسطيني عربي لتنفيذ عمليات عسكرية إسرائيلية ضد غزة، إذا لزم الأمر، بحجة تدمير البنية التحتية لـ"حماس".

وحسبما كتب شمعون شيفر الصحافي الإسرائيلي البارز والمقرب من اولمرت فان رئيس الحكومة الإسرائيلي لا يزال مصرا على إخضاع الرئيس أبو مازن لامتحان القدرة والاقتدار على قيادة الشعب الفلسطيني ومحاربة الإرهاب و"حماس" قبل التعامل معه كشريك في عملية السلام . وهذا يعني ان المفاوضات حول القضايا الأساسية مؤجلة حتى إشعار آخر، الأمر الذي يعني عمليا حصر علاقة إسرائيل بالسلطة في ان تكون مجرد سلطة وظيفية تهتم بالقضايا المعيشية دون الخوض في القضايا السياسية مثل إنهاء الاحتلال والاستيطان والقدس وجدار الفصل والحدود واللاجئين. في هذا السياق أكدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية على اشتراط كل خطوة بإدارة حكومة الطوارئ، و إذا أثبتت جدارتها في توفير الأمن لإسرائيل فسيكون لكل حادث حديث.

كما أعرب اولمرت في اجتماع الحكومة الإسرائيلية عن مخاوفه من إمكانية استجابة أبو مازن للمبادرة العربية الرامية لتوحيد الفلسطينيين مجددا. لذلك سيستخدم هذه المخاوف كمبرر لعدم إعطاء أي شيء جدي خصوصا فيما يتعلق بإطلاق سراح الأسرى ووقف الاستيطان والجدار وتهويد القدس والاغتيالات والاعتقالات، وسيحاول استخدام قمة شرم الشيخ لتعميق الانقسام بين المعتدلين والمتطرفين في المنطقة على أساس ان هذا الصراع هو جوهر الصراع في المنطقة وليس الصراع الناجم عن الاحتلال وتشريد الشعب ومحاولة إسرائيل للعب دور مركزي مهيمن على المنطقة برمتها.

أقصى ما يمكن ان تصل إليه قمة شرم الشيخ تقديم تسهيلات مختلفة وإبداء الاستعداد لاستئناف المفاوضات. وهذا لا يكفي بالمرة، بل ان استئناف المفاوضات وحده شيء مضلل ولا يسمن ولا يغني من جوع. فلم نكن نعاني منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن، رغم توقف المفاوضات في السنوات الأخيرة، من نقص المفاوضات، وإنما من عدم التزام إسرائيل بالاتفاقات، وهبوط سقف المفاوضات بشكل تدريجي بحيث أصبحت مرجعيتها الوحيدة ما يتفق عليه، أي الأمن الإسرائيلي وما تريده إسرائيل. أما مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية، وأسس مؤتمر مدريد خاصة مبدأ "الأرض مقابل السلام"، فقد أصبحت كلها نسيا منسيا، ما أدى الى ضياع المشروع الوطني الفلسطيني وعدم قدرته على التقدم على طريق تحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

ان ضياع المشروع الوطني الفلسطيني أدى إلى طغيان الصراع على السلطة والمصالح والمكاسب والوظائف وعلى أي شيء آخر، كما أدى إلى تراجع الوحدة إلى حد الاقتتال والانقلاب من جزء من الشرعية على الشرعية.

إن اللقاءات الفلسطينية والعربية مع القيادات الإسرائيلية بدون أن تستند إلى مرجعية واضحة وقادرة على إنهاء الاحتلال تعطي لإسرائيل الغطاء والقدرة لمواصلة سياستها الرامية لخلق حقائق على الأرض تجعل الحل الإسرائيلي هو الحل الوحيد المطروح عمليا.

ان إزاحة ولو حاجز واحد والإفراج عن دولار واحد أمر لا يمكن رفضه ولكن يجب الا يكون سقف اللقاءات الفلسطينية ــ الإسرائيلية.. و إذا سمحنا بذلك يكون عمل القيادة الفلسطينية هو مجرد تحسين مستوى معيشة الفلسطينيين وتلطيف شروط الاحتلال. وهذا ان حصل فهو مجرد أمر مدمر للقضية والشعب ووحدته التي قامت على أساس مقاومة الاحتلال وتحقيق الأهداف والأحلام الوطنية الفلسطينية.

 

مشاركة: