الرئيسية » هاني المصري »   18 تشرين الثاني 2006

| | |
السياسة الأميركية بعد الانتخابات: تغيير جوهري أم استبدال سياسة تجاهل الأزمة بإدارة الأزمة؟
هاني المصري

 نفى متحدث باسم البيت الأبيض مؤخراً، الأنباء التي تحدثت عن قرب إطلاق الإدارة الأميركية لمبادرة جديدة لحل أزمة الشرق الأوسط، وفي الاجتماع الأخير للجنة الرباعية الدولية عزلت الإدارة الأميركية نفسها باتخاذ موقف مخالف، ميزها عن بقية أطراف اللجنة الرباعية، حيث تحفظت على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بقولها إن من الصعب عليها أن تغير موقفها بشكل ملموس من الحصار المفروض على الفلسطينيين إذا ضمت الحكومة الفلسطينية القادمة عدداً كبيراً من وزراء حماس. ويختلف هذا الموقف مع التصريحات التي أدلت بها رايس قبل أسابيع قليلة وقالت فيها إن حماس داخل النظام الفلسطيني أفضل من بقائها خارجه وفي الشارع. وأشارت مصادر متعددة أن الموقف الأميركي من الحكومة الفلسطينية الجديدة غير مضمون ولا محسوم لأنه لا يزال يشدد على التزامها بالشروط الدولية الثلاثة، ولا يكتفي بالتزامها بخطاب التكليف الرئاسي الذي أصدره الرئيس أبو مازن لحكومة اسماعيل هنية + وثيقة الوفاق الوطني، بل حرصت الإدارة الأميركية على تعليق موقفها النهائي من الحكومة الجديدة. وهذا يعني أن إدارة بوش ستضع الحكومة القادمة تحت الاختبار لتتأكد من برنامجها أولاً، ومدى مطابقة الأفعال للأقوال. إذاً الموقف الأميركي غير محسوم، وسيكون مرتبطاً بعدد من التطورات، وخصوصاً بالموقف الإسرائيلي. فلا يمكن أن تبتعد السياسة الأميركية في أواخر عهد بوش عن السياسة الإسرائيلية لأنها كانت نصيراً دائماً لها، لدرجة أن السياسة الأميركية نافست نظيرتها الإسرائيلية في التطرف في أحيان عديدة،

أبرزها اعتبار الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة ضد الفلسطينيين، بما فيها المجازر والاغتيالات والاقتحامات، نوعاً من الدفاع المشروع عن النفس. هذه المقدمة الضرورية لسببين السبب الأول: للتقليل من التوقعات الكبيرة التي ظهرت بعد الانتخابات النصفية الأميركية الأخيرة. فهناك عندنا وفي العالم كله، بما في ذلك داخل الولايات المتحدة الأميركية من "طاش على شبر ميه"، وبالغ في التغييرات التي حدثت ويمكن أن تحدث سريعاً على السياسة الأميركية في العراق وأزمة الشرق الأوسط بل في العالم كله. فعلى سبيل المثال ريتشارد هاس اعتبر في مقالات وتصريحات عديدة ان الهيمنة الأميركية على منطقة الشرق الأوسط قد انتهت. وبريجنسكي شبه ما يجري حالياً في العراق بحرب السويس 1591 التي كانت ايذاناً بانتهاء النفوذ البريطاني ـ الفرنسي في المنطقة، وعندنا هناك من ينادي برفع سقف المطالب الفلسطينية، والتراجع عن الاتفاق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية بحجة أن السياسة الأميركية هزمت وستتراجع وستفرض التراجع على إسرائيل. السبب الثاني لتفنيد التحليلات المتشائمة، التي لا ترى التغييرات الحادثة، ولا تتوقع التغييرات المحتملة، وتعتبر أن لا شيء سيتغير في سياسة الولايات المتحدة الأميركية على أساس أن سياسات الامبراطوريات الكبرى، خصوصاً عندما تكون بحجم الامبراطورية الأميركية التي لم يعرف التاريخ مثيلاً لقوتها واتساعها ونفوذها، لا تتحدد بناء على اعتبارات حزبية أو مصالح أو سياسات حزبية مثل سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي، حتى تتغير عندما يفوز حزب ويخسر آخر. وإنما تتحدد سياسات الامبراطورية الأميركية استناداً الى المصالح الأميركية العليا، والى الاستراتيجية التي تخدم هذه المصالح، والتي ترسم في مراكز صنع القرار التي يتحكم بها، مراكز القوة الثابتة والدائمة والموجودة داخل الجيش وأجهزة الأمن والبنوك والصناعات والاعلام، فالاستراتيجية ثابتة أياً من يكون الحزب الفائز، أما السياسات فهي التي تتغير، ويبرهن أصحاب النظرة الكونية للسياسة الأميركية الى التصريحات التي صدرت عن الرئيس الأميركي الذي قال فيها إنه لن يتنازل عن هدفه بإحراز النصر، وتلك التي صدرت عن كوندوليزا رايس التي رفضت فيها توصيات لجنة بيكر ـ هاملتون التي تطالب بفتح الحوار مع طهران ودمشق، وتوصيات توني بلير الذي ربط فيها بين حل الأزمة التي يعاني منها الاحتلال الأجنبي في العراق، وبين حل الأزمة الفلسطينية. ويسوق أصحاب نظرة التشاؤم حيثيات أخرى لتبرير موقفهم من ضمنها ان الولايات المتحدة الأميركية يمكن أن تغير سياستها فيما يتعلق بأي شأن ومنطقة في العالم، أما سياستها ازاء القضية الفلسطينية فلن تشهد تغييراً يذكر. فالحزب الديمقراطي الفائز في الانتخابات الأخيرة معروف بتأييده لإسرائيل، وهو يضم أكثر عدد من اليهود والصهاينة لدرجة أن الكونغرس الحالي يضم أكبر عدد من اليهود منذ تأسيسه، كما ان زعيمة الديمقراطيين في مجلس النواب نانسي بلوسي، والتي ستلعب دوراً مهماً في تقرير سياسة الحزب الديمقراطي المستقبلية معروفة بتأييدها المطلق لإسرائيل لدرجة أنها صرحت مراراً بأن أزمة الشرق الأوسط أزمة تتعلق بكيفية الحفاظ على وحدة إسرائيل، وليس في كونها أرضاً محتلة تحتلها إسرائيل. فالمهم عند بلوسي الحفاظ على وجود اسرائيل وتدعيمه وليس انهاء الاحتلال التي لا تعترف بوجوده أصلاً. بعيداً عن النظرات المتفائلة أكثر من اللزوم، والمتشائمة جداً، نجد أن الوقائع على الأرض تشير الى أن الانتخابات الاميركية الأخيرة أكدت بما لا يدع مجالاً كبيراً للشك بأن الناخب الأميركي لم يعد يثق بالرئيس جورج بوش، وأصبح الشعب الأميركي بغالبيته الساحقة يعارض السياسة الأميركية في العراق، ويطالب بايجاد مخرج يتيح انسحاب القوات الأميركية بأسرع وقت ممكن. كما أكدت الانتخابات الأخيرة أن الأميركيين باتوا يدركون بشكل أكبر وبأغلبية متزايدة خطر الاطروحات والبرامج السياسية للمحافظين الجدد الذين بتقسيمهم العالم بين محور الخير ومحور الشر وبحروبهم الاستباقية وتهميش الأمم المتحدة والقانون الدولي والتعاون بين الدول سببوا أضراراً فادحة للمصالح الأميركية، ويشكلون تهديداً للأمن والسلام الدوليين. وما سبق يؤشر بوضوح الى أن الرئيس الأميركي في آخر سنتين من ولايته سيكون مقيداً، بحيث لا يستطيع التحرك بحرية. ولكن الأغلبية الديمقراطية، لا تستطيع منعه لأنه صاحب السلطة والصلاحية في السياسة الخارجية. ولكنه بحاجة إلى تعاون الأغلبية الديمقراطية حتى تمرر له القوانين والموازنات الضرورية لتنفيذ سياساته، فالسياسة الأميركية الآن، خصوصاً في العراق لن تبقى على ما كانت عليه ولكنها لن تنقلب كلياً. بل إن إدارة بوش نفسها أجرت تغييرات على سياستها في العراق ظهرت من خلال تخفيض التوقعات حول إمكانية تحقيق الأهداف الأميركية، والاعتراف بصعوبة الوضع الى حد دفع الرئيس الأميركي لتشبيه ما يحصل في العراق بما حدث في فيتنام بعد أن كان أعلن الانتصار أكثر من مرة. والتغيير في السياسة الأميركية ظهر من خلال الغاء هيئة اجتثاث حزب البعث والسماح للبعثيين بالعودة إلى وظائفهم، والبدء بفتح قنوات للتفاوض مع بعض فصائل المعارضة والحديث الآن عن حلول ترضي جميع الأطراف، وتقليل الاهتمام بإنجاح التجربة الديمقراطية والتركيز أكثر على دعم الاستقرار. إن المتوقع أن تستمر هذه التغييرات أكثر وتتبلور من خلال ليس اللجوء إلى انسحاب سريع من العراق، لأن مثل هذا الانسحاب لن يغير الهيمنة الأميركية في العراق فقط وانما سيوجه ضربة كبيرة، ويمكن أن تكون قاضية للنفوذ الأميركي في المنطقة برمتها، وربما في العالم كله. التفكير يتجه ويمكن أن يتجه أكثر نحو انسحاب تدريجي يقضي بتجميع القوات الأميركية المحتلة في قواعد محددة بعيداً عن التجمعات السكنية، ولكن شرط نجاح هذه الخطة يتوقف على قدرة الحكومة العراقية على توفير الأمن، والاستقرار وهذا أمر لا يبدو أنه في متناول يدها. وهذا الأمر قد يدفع الإدارة الأميركية الى زج المزيد من القوات لتوجيه ضربات للمقاومة تشجعها على التوصل إلى نوع من الحل الوسط مع الحكومة. ولكن المقاومة العراقية التي بدأت تلاحظ معالم الهزيمة والتراجع على الاحتلال الأجنبي، يمكن أن تفضل دفعه إلى المزيد من التراجع قبل التفكير بالاتفاق معه فرهان المعارضة ليس على المدى والقصير فقط وانما على المدى الأبعد، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية القادمة. وإذا كان هذا هو المتوقع في العراق على المدى المباشر، فالمتوقع بالنسبة لأزمة الشرق الأوسط أقل.. فأقصى ما يمكن أن تصل إليه الإدارة الأميركية في أواخر عهد بوش، الذي أعطى ورقة الضمانات لشارون، ووفر الحماية الأميركية للسياسة الإسرائيلية حتى وهي ترتكب المجازر وبعد أن اسقطت خارطة الطريق الدولية، عبر الملاحظات الإسرائيلية، الشهيرة عليها، كما أسقطت معها الحل المتفاوض عليه، وفتحت الطريق للحلول والخطوات الإسرائيلية الأحادية الجانب، وهو الانتقال من إدارة الظهر لأزمة الشرق الأوسط وتجاهلها وترك يد إسرائيل حرة في التعامل معها، إلى سياسة إدارة الأزمة واحتوائها دون حلها، وذلك بهدف قطع الطريق على أية مبادرات فلسطينية أو عربية أو دولية. فكما نلاحظ هناك مبادرة فرنسية ـ اسبانية ـ ايطالية، وهناك دعوة روسية لعقد مؤتمر دولي، كما هناك أفكار عبر عنها بلير لإطلاق عملية السلام والمفاوضات، وهناك المبادرة العربية التي جرت في الأشهر الأخيرة محاولات عربية للتذكير بها واحيائها. وتستهدف كل هذه المبادرات ملء الفراغ الناجم عن فشل وسحب خطة الانطواء الإسرائيلية، رداً على هذه المبادرات نصحت ادارة بوش حكومة أولمرت بإبداء بعض المرونة مع الفلسطينيين، وتقديم بعض الخطوات من أجل بناء الثقة، وتشجيع الرئيس أبو مازن من خلال تقديم بعض الأسلحة والاستعداد للسماح بقدوم قوات بدر، ويجري العمل في الحكومة الإسرائيلية على إطلاق مبادرة سلام تحت اسم "انطواء بالتوافق" كما تحدثت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني. كل هذا الحراك الإسرائيلي يستهدف قطع الطريق على المبادرات الأخرى، وجعل الأفكار الإسرائيلية باستمرار هي اللعبة الوحيدة بالمدينة. ولا تطمس هذه التلميحات التي وصلت الى حد تكرار أولمرت عن استعداده للقاء أبو مازن دون شروط، حقيقة السياسة الإسرائيلية التي تتجه نحو المزيد من التطرف كما يتضح من العدوان المتصاعد خصوصاً في غزة، أو من ضم ليبرمان وحزبه الى الحكومة وهذا يزيد الحكومة تطرفاً وتعصباً ولا يقرّبها من السلام الأمر الذي يجب أن يدركه الفلسطينيون جيداً، ان هناك متغيرات قد حدثت على خلفية الهزيمة الأميركية في العراق والهزيمة الاسرائيلية في لبنان، وان هناك تغيرات محتملة يمكن أن تحدث وهذا كله يمكن أن يساعدهم ويصب في مصلحتهم. ولكن قدرة الفلسطينيين على الاستفادة من الفرص التي تتيحها هذه المتغيرات، كما قدرتهم على تقليل الخسائر والحد من الأضرار من أية متغيرات معاكسة، تتوقف على إدراكهم لأهمية وحدتهم وسيطرتهم على قرارهم بعيداً عن السياسات والمحاور المختلفة العربية والاقليمية والدولية. ان انحياز الفلسطينيين أو أطراف منهم لهذا المحور أو ذاك، يؤدي الى إضعافهم وشرذمتهم واضاعة قضيتهم. تأسيساً على ما سبق لا يمكن أن تستقوي فتح بواشنطن والعواصم العربية على حماس، كما لا يمكن أن تستقوي حماس بطهران ودمشق وحزب الله على فتح. فالاحتلال هو العدو الرئيسي لفتح وحماس ولجميع الفلسطينيين، ويجب العمل معاً لإزالته والاستفادة من كل دعم لتحقيق هذا الهدف من أية جهة أتت في العالم وفي أربعة أصقاع الأرض، فالقضية الفلسطينية توحد وهي المركز وليست ورقة يستخدمها هذا المحور أو ذاك.

مشاركة: