الرئيسية » هاني المصري »   26 كانون الثاني 2008

| | |
حتى لا يتحوّل القلق الإسرائيلي مما حصل في غزة الى ارتياح
هاني المصري

إنّ قيام مئات الآلاف من الفلسطينيين بعبور الحدود المصرية - الفلسطينية، بموافقة مصرية، ناجمة عن حرص مصر على ألاّ تكون شريكاً في الحصار الخانق الذي فرضه الاحتلال الاسرائيلي على غزة، يعتبر أمراً جيداً بكل المقاييس، ويستحق التأييد والإشادة به، والبناء عليه.. فلم تستطع الأمم المتحدة أن تكسر الحصار، والرهان على الإدارة الأميركية لم يتحقق حين اعتبرت ما تقوم به إسرائيل دفاعاً عن النفس.. فجاء الفرج على أيدي الناس الذين ذاقوا الأمرّين من الحصار المتواصل، ليس من بعد الانقلاب في حزيران الماضي، فقط، بل ومنذ تنفيذ خطة شارون بفك الارتباط بقطاع غزة، وحتى الآن.


إنّ المبادرة الشعبية الفلسطينية، المستندة الى احتجاج شعبي عربي متعاظم، وتغطية إعلامية واسعة، جاءت رداً على الحماقة الاسرائيلية بإيصال العدوان الى الذروة، عبر منع الطعام والوقود والأدوية، وهي مبادرة أفشلت أهداف إسرائيل من عدوانها وحصارها ومجازرها.. وهذا أمر أقلق إسرائيل، كونه أسقط فاعلية أدوات القوة والعدوان التي تملكها، وهذا أمر يجب أن يُفرِح الفلسطينيين والعرب والأحرار في العالم كلّه.. لا أن يجعلهم ينصبون خيام العزاء، بينما الميّت عند إسرائيل..

إسرائيل التي تلقّت صفعة قاسية بسقوط حصارها رغماً عنها، وبلا مقابل، تحاول أن تقلب قلقها البالغ مما حصل، وتحوله الى ارتياح، عبر تصدير أزمة غزة الى مصر، وذلك عبر استغلال الأوضاع الحالية في غزة، عبر السعي لإلحاقها بمصر، عن طريق عدم تحمّل إسرائيل لأية مسؤولية عن القطاع، كما طالب متان فلنائي نائب وزير الحرب الاسرائيلي.. ولكنه أعرب في تصريحه عن القلق من إمكانية تهريب كميات كبيرة من الأسلحة من سيناء الى غزة.. ولكن فلنائي نسي أن إسرائيل وفقاً للقانون الدولي، لا تزال تحتل غزة، لأنها لم تنسحب من هناك، وإنما أعادت نشر قواتها.. بحيث أصبحت تحاصر غزة وتتحكم بالحدود والمعابر، وتواصل العدوان العسكري، بحيث تحولت غزة الى أطول وأكبر سجن في التاريخ.. وإسرائيل ستبقى دولة محتلة ما دامت تمارس أي نوع من أنواع التأثير على القطاع.. إذا أرادت إسرائيل أن تنسحب كلياً وترحل، فلتفعل ذلك، شريطة تمكين الفلسطينيين في غزة من التواصل مع بقية الشعب الفلسطيني في فلسطين، خصوصاً في الضفة المحتلة.. وهذا يقودنا للحديث عن السيناريوهات الاسرائيلية، وأيّها السيناريو المفضّل؟؛ الانفصال التام عن غزة ورميها بحضن مصر، أم إبقاؤها ورقة في يد إسرائيل، بحيث لا تتحمل عواقب احتلالها، بينما تحصل على مزايا هذا الاحتلال؟..

إنّ السيناريو الإسرائيلي الرامي الى عزل قطاع غزة خلف ستار حديدي، وإجبار مصر على تزويده بالطاقة والمواد الغذائية والأدوية، وصولاً الى مرحلة تضطر فيها مصر الى ضمّه، أو إعادة الوصاية عليه، ليس السيناريو المفضّل لإسرائيل.. ولو كان الأمر كذلك، لقامت إسرائيل بتنفيذه طوال الفترة التالية، منذ فك الارتباط عن قطاع غزة وحتى الآن.. إنّ السيناريو المفضّل والأوّل لدى إسرائيل، هو الإبقاء على كيان فلسطيني موحّد شكلياً، تنضوي في إطاره عدّة كانتونات منفصلة فعلياً عن بعضها البعض، تقوده سلطة تكون أداة مطواعة في يد إسرائيل، وتكون بمثابة الوكيل الأمني لها.. مثل هذا السيناريو يحقق لإسرائيل الادعاء بحلّ القضية الفلسطينية، ويمكّنها من الهرب من خطر الدولة الواحدة، والتحكم بمصير الفلسطينيين، ومنع انفجار القنبلة الديمغرافية، التي من شأنها، إذا لم تقم "دولة" فلسطينية، أن تضع نهاية لإسرائيل، بوصفها دولة يهودية ذات وظيفة محددة في المنطقة، تجعلها أداة لترسيخ هيمنة الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، على المنطقة بأسرها.

وإذا فشل هذا السيناريو المفضّل جداً للاتجاهات المركزية في إسرائيل على اختلافاتها، بسبب الرفض الفلسطيني والعربي له، يمكن الدفع نحو تنفيذ الخيار الثاني، وهو إعادة غزة الى مصر، وإعادة ما يتبقى من الضفة، بعد أن تقوم إسرائيل بضمِّ أكبر مساحة ممكنة من الأراضي الخالية من السكان، التي تضم المواقع الاستراتيجية الأمنية والعسكرية، وأحواض الماء الرئيسية، الى الأردن.. ولكن هذا السيناريو لا يحلّ شيئاً من قضايا الصراع، ويبقي القضية الفلسطينية حيّة، وقابلة للانفجار في أية لحظة، ومرفوض فلسطينياً وعربياً ودولياً..

في سياق هذا الفهم لما يجري، أعتبر أن تهديد إسرائيل بفك ارتباطها الكامل بقطاع غزة، مجرّد "فزّاعة"، و"بعبع" حصوله يخيف إسرائيل أكثر مما يخيف أحداً آخر.

إنّ الانفصال الكامل لإسرائيل عن قطاع غزة، يُضعِف من إمكانية تأثيرها على ما سيجري في قطاع غزة، وسيحوّل القطاع الى قاعدة صلبة لـ"حماس"، وللمعسكر المناوئ للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل.. هذا الوضع يمكن أن يؤدي الى استمرار، بل وتصاعد في إطلاق القذائف والصواريخ ضد إسرائيل، وتنفيذ عمليات مختلفة ضدها..

صحيح أن هذا يخلق مشكلة لمصر، لأنه يصدر لها أزمة غزة.. ولكن مصر، التي اختارت ألاّ تستخدم في العدوان والحصار ضد غزة، تملك هامشاً لحرية الحركة ظهر بصورة واضحة، من خلال السماح لأهل غزة باختراق الحدود.. هذا التصرف الذي جعل القيادة المصرية تضرب عدّة عصافير بحجر واحد.. فما حصل يشكّل جزءاً من الرد المصري على الرفض الاسرائيلي للمطلب المصري، بتعديل معاهدة السلام المصرية - الاسرائيلية، بحيث تسمح بزيادة القوات المصرية المرابطة على الحدود.. كما أنه يشكّل رداً على الحملات الأميركية والأوروبية ضد مصر، بحجة حماية حقوق الانسان وحقوق الأقباط، وفرض الإصلاح والديمقراطية، التي تزايدت في الآونة الأخيرة، كما لاحظنا من خلال قرار الكونغرس بتقليص المساعدات الأميركية لمصر، بحجة عدم قيامها بالإجراءات اللازمة لمنع تهريب السلاح الى غزة.. وقرار البرلمان الأوروبي بخصوص حقوق الانسان في مصر، الذي يتضمن فقرة غريبة، تتحدث عن الدور المصري بتشجيع السلام، ومنع تهريب السلاح الى غزة!!

كما ان هناك مصلحة مصرية بعدم تساوق السياسات المصرية مع السياسة الأميركية - الاسرائيلية، التي ترمي الى المزيد من إضعاف وتهميش الدور المصري في المنطقة كما ظهر من خلال الزيارة الرمزية لمصر، التي خصصها الرئيس الأميركي بوش، واستغرقت عدة ساعات فقط، في ختام زيارته الى عدد من بلدان المنطقة، التي استغرقت ثمانية أيام.

رغم كل ما سبق، هناك خطر جدّي من أن تتمكن إسرائيل من تحويل الحدث السيئ الذي حدث لها في غزة، الى أمر جيّد، وذلك بجعله يصبّ في مصلحتها، بتعميق الانقسام في الوطن الفلسطيني، وجعل العملية السياسية مستحيلة، أو متوافقة مع الشروط والأهداف الاسرائيلية، التي تجعل تحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية أمراً مستحيلاً.

إنّ الفلسطينيين، قيادة وشعباً وقوى، بمقدورهم قطع الطريق على محاولات إسرائيل الاستفادة من الوضع الناشئ في غزة، بتعميق الانقسام، وذلك عبر الاتفاق على استلام معبر رفح، بحيث تقوم السلطة باستلامه وفقاً لاقتراح أبو مازن - فياض، بالتنسيق مع مصر وسلطة الأمر الواقع في غزة.. لا يمكن توقّع أن توافق "حماس" على أن تستلم السلطة المعبر، دون تنسيق معها، لأنّ المعبر هو شريان الحياة لها، فهو ليس ممرّاً لعبور الأفراد والبضائع، وتمكينها من الاتصال مع العالم الخارجي فقط، ولكنّه مكان للجباية المالية من الرسوم والجمارك التي لا يمكن أن تسلّم سلطة الأمر الواقع بأنها لا علاقة لها بها.. كان بالإمكان أن يحدث ذلك لو نجحت إسرائيل في تحقيق أهداف العدوان والحصار، ولكن لجوء باراك وأولمرت الى تصعيد جنوني ضد غزة، أدى الى سريان مفعول القانون الطبيعي، الذي يقول إنّ الضغط يولّد الانفجار.. وضغط أكبر يولّد انفجاراً أكبر، وأنّ لكلّ فعل ردّ فعل، مساوٍ له بالمقدار ومعاكس له بالاتجاه.. لا يمكن بعدما حصل في غزة، ترداد نفس المواقف التي كانت تقال قبل ذلك.. فهناك تطورات تسترعي تغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الخاصة، والحكمة على الحق..

لقد جاء الحل، كما كان الحال دائماً، بمبادرة من الشعب، وهذا يثبت للمرّة المليون، وجود طريق آخر، يختلف عن طريق المفاوضات العبثية وطريق المقاومة العبثية، وهو طريق المقاومة الشعبية، طريق الحل الشعبي والثقة به، وتنظيمه، وتفجير طاقاته، ووضعها في اتجاه تحقيق الأهداف الوطنية.. طريق لا يستبعد ولا يُسقِط الكفاح المسلح، لأنّ من حق الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، أن يقاوم الاحتلال بكل الأشكال الشرعية التي يقرّها القانون الدولي.. ولكنّه يركز أساساً على المقاومة الشعبية، لأنها أكثر جدوى، وتستجيب للمصالح والخصائص التي يمرّ بها الصراع في هذه المرحلة.. لا يمكن نقد المقاومة العبثية، واللجوء الى المفاوضات العبثية، بل باللجوء الى المقاومة المثمرة والمفاوضات المثمرة، عبر مزجٍ خلاّق ما بين المفاوضات والمقاومة.

 

مشاركة: