الرئيسية » هاني المصري »   25 آذار 2008

| | |
السيد الرئيس: المطلوب قرارات تاريخية جريئة
هاني المصري

لا أخالني أبالغ بالقول ان مقدمات كارثة محدقة تتلاحق بسرعة شديدة، دون أن تكون هناك اية استراتيجية وطنية او قيادة فاعلة لوقفها ومنعها، استراتيجية قادرة على شق الطريق أمام مسيرة فلسطينية كفيلة بتحقيق الاهداف الوطنية والديمقراطية بأسرع وقت وأقل الخسائر. يكفي للبرهنة على ما سبق أن أشير الى ما وصلت اليه ما تسمى عملية السلام بعد استئناف المفاوضات بعد أنابوليس. وهذا مصير حتمي لأن المفاوضات استؤنفت دون مرجعية واضحة وملزمة تستند الى القانون الدولي، ودون ضمانات او مشاركة دولية حقيقية وفاعلة، وبلا اتفاق على اهداف المفاوضات قبل بدئها. والأهم من كل ذلك دون اشتراط وقف العدوان والاستيطان والجدار وتقطيع الأوصال قبل استئناف المفاوضات.


لقد كان، ولا يزال، المشهد الفلسطيني بائساً عندما تحولت القيادة الفلسطينية والوفد المفاوض، الى أسرى مفاوضات هزيلة وضارة، وتحولوا الى محللين سياسيين يكتفون بوصف الاعمال الاسرائيلية الاستيطانية والعدوانية والعنصرية، ويحذرون تارة أنها ستنسف عملية السلام، وتارة اخرى بأنها نسفت عملية السلام، دون البحث عن سياسة فاعلة وقادرة على حشد وتجميع اوراق القوة والضغط الفلسطينية والعربية والدولية التي تبعثرت على مذبح الرهان على المفاوضات كخيار أبدي وحيد. وعندما يتم اتخاذ موقف مثل تعليق المفاوضات لا يقدم بصورة جيدة ولائقة، ويتم التراجع عنه دون تحقيق اي شيء سوى وعد أميركي ببذل الجهود بالتوصل الى تهدئة دون منع استمرار تكثيف الاستيطان وخلق الحقائق على الارض. لقد سقطت سياسة اعتماد المفاوضات وعملية السلام كخيار استراتيجي وحيد، عندما اغتيل اسحق رابين وفاز بنيامين نتنياهو، وجاء الى سدة الحكم في اسرائيل رؤساء حكومة مثل باراك وشارون وأولمرت كلهم جهروا بآرائهم ضد اتفاق اوسلو، بدرجات متفاوتة بين المطالبة بتعديله جوهرياً، وبين اعتباره كارثة على اسرائيل يجب التخلص منها. ان الذي افشل اتفاق اوسلو وخيار السلام اسرائيل اولاً وأساساً، بسبب كونها غير جاهزة للسلام وبسبب إصرارها على فرض السلام الاسرائيلي بدعم مطلق من الولايات المتحدة الاميركية، خصوصاً إبان فترتي رئاسة بوش الابن. فالذي افشل اوسلو اسرائيل وليس سياسة ياسر عرفات ولا التعددية في السلطات والقرار والاستراتيجيات الفلسطينية خصوصاً بعد ظهور وصعود حركة حماس والإسلام السياسي، رغم كل ما لياسر عرفات وما عليه. رغم كل ما لحركة حماس وما عليها. ان الدليل القاطع على ذلك ان ياسر عرفات في ذمة الله بعد اغتياله مسموماً منذ تشرين الثاني من العام 2004، ولم تقدم اسرائيل شيئاً للفلسطينيين، ورغم وجود قيادة فلسطينية معتدلة بزعامة سيادتكم السيد الرئيس، ورغم الانقسام الفلسطيني وتشكيل حكومة سلام فياض المقبولة من الولايات المتحدة الاميركية والعالم، ومع كل ذلك لم تتغير السياسة الاسرائيلية قيد أنملة بل وصل العدوان العسكري الى حد ارتكاب المحرقة في غزة، وازدادت معدلات التوسع الاستيطاني في العام 2008 اكثر بـ 11 مرة عما كان الامر عليه العام 2004. لقد سقط الرهان على المفاوضات كخيار وحيد، وعليك يا سيادة الرئيس، وعلى القيادة الفلسطينية ان تستوعبوا هذا الامر وتتصرفوا على أساسه وتسارعوا لبلورة خيار آخر، قبل فوات الاوان، فالخيار الأوحد هو الموت المؤكد. ثلاث فرص ضاعت اسمح لي يا سيادة الرئيس ان اتحدث معك بصراحة تامة، فالوقت من دم والتاريخ لا يرحم. لقد كان هناك عدة فرص لاتخاذ قرارات صعبة وجريئة وتاريخية من أجل اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني ومحاربة الفساد واجراء عملية اصلاح وتجديد وتغيير جوهرية، وإقامة مؤسسة فلسطينية قادرة على سد الفراغ الذي تركه ياسر عرفات ومعالجة الأخطاء والثغرات التي وقعت اثناء زعامته وورثتها أنت مثلما ورثت الانجازات التي حققها وأهمها ابقاء القضية الوطنية حية رغم العواصف والتطورات الدراماتيكية، وابقاء القرار الفلسطيني بأيدي الفلسطينيين. جاءت الفرصة الاولى بعدما انتخبك الشعب الفلسطيني على أساس برنامج واضح اهم ما جاء فيه الاصلاح وبناء المؤسسة الفلسطينية، وانتظر الشعب طويلاً دون طائل. فلم يحدث اصلاح ولا تجديد ولا تغيير. فالسياسات القديمة بقيت على حالها، والجديد فيها الكثير منه، كان ارتداداً عما هو جيد في السياسات القديمة. والقيادات "المجربة" طويلاً استمرت في مواقعها القديمة، والوجوه الجديدة القليلة لم تكن في غالبيتها الساحقة جديدة فعلاً لا فكراً ولا سياسة ولا ممارسة. ثم جاءت الفرصة الثانية حين فازت حركة حماس بالأغلبية في مقاعد المجلس التشريعي، حيث كانت هذه النتائج بمثابة قرع لناقوس الخطر ودليلاً لا يدحض على وجود خلل جوهري في السياسات والأداء، ولكن القيادة الفلسطينية، وحركة فتح مرت على هذه الهزيمة الكبيرة مرور الكرام دون علاج ولا اطاحة بالرؤوس الكبيرة المسؤولة عن هذه الهزيمة، بل اقتصر الاصلاح والعلاج على محاسبة الفتحاويين الذين خاضوا الانتخابات خارج القوائم الرسمية وتحميلهم المسؤولية عما حدث. لقد كانت الهزيمة الانتخابية فرصة نادرة للإصلاح، لأن الحرس القديم ومراكز القوى والفاسدين وحماة الفساد كانوا في أضعف حالاتهم، ولم يكونوا يتحملون غلوة فدفعة صغيرة كانت تكفي لإسقاطهم والتخلص منهم ولم يحدث شيء من كل ذلك. ثم جاءت الفرصة الثالثة حين انهارت السلطة في غزة انهياراً مدوياً وساحقاً بصورة أذهلت الجميع، بمن فيهم "حماس" نفسها. وتم تشكيل لجنة تحقيق هذه المرة، وهذا أمر جيد، ولكن اللجنة كان يجب ان تكون وطنية وتفويضها شاملاً. وكان الشغل الشاغل للجنة، رغم بعض النتائج الجيدة، كما يشير تقريرها، البحث عن كبش فداء، ووجدته في الضباط والافراد الذين تم تحميلهم المسؤولية، في حين اكتفت بقبول استقالة الرؤوس الكبيرة، ولم تقف أمام مسؤولية القيادة والقيادات عما جرى، ولا أمام أسباب وجذور الانهيار الصاعق للسلطة؟ ولماذا وصلت الامور الى هذا الحد؟ البحث كان يجب ان يدور عن الجذور بما فيها الخيارات والسياسات والفساد والانشغال في الصراع على السلطة والوظائف والصلاحيات وذوبان فتح في السلطة، وتحول المنظمة الى ملحق للسلطة، وتراجع المشروع الوطني وفشل اتفاق اوسلو وتدهور مكانة القضية الفلسطينية على مختلف المجالات والأصعدة، بينما تركز التحقيق حول لماذا لم تصمد السلطة وحركة فتح أمام حركة حماس.. هذه كانت النتيجة وليست السبب. كان المطلوب ولا يزال: أولاً: البحث في أسباب فشل وغياب المشروع الوطني واستخلاص العبر والدروس من تجاوز اسرائيل اتفاق اوسلو، التي اهمها انه لا يوجد حل وطني على الأبواب، وهذا يتطلب اعادة الاعتبار للمقاومة، المقاومة ذات الجدوى المثمرة المرتبطة باستراتيجية وطنية واحدة ومرجعية واحدة، مقاومة تخضع للتقييم ولحساب الربح والخسارة. ثانياً: البحث في اسباب هبوط حركة فتح والحركة الوطنية التي قادت المسيرة الفلسطينية طوال العقود الماضية، وأسباب صعود حركة حماس والإسلام السياسي. فالخطأ يا سيادة الرئيس لم يكن في قرارك إدخال "حماس" الى النظام السياسي الفلسطيني دون إلزامها بالاتفاقات والتزامات، ولا في اجراء الانتخابات، ولا في تسليم "حماس" الحكم بعد أن حصلت على الاغلبية، بل في عدم وجود استراتيجية وطنية واضحة لتوظيف كل هذه القرارات وغيرها وتعميقها بما يرسخ ديمقراطية فلسطينية تقوم على اساس وطني لأن فلسطين تحت الاحتلال، وهذا يوجب اعادة النظر بالسلطة بحيث يتم اخضاعها لخدمة البرنامج الوطني، بوصفها أداة من ادوات المنظمة، وانهاء التعامل مع السلطة كغاية بحد ذاتها لأنها قامت لفترة انتقالية وكخطوة على طريق قيام دولة فلسطينية. ومرت الفترة الانتقالية ولم تولد الدولة بل باتت ابعد عن التحقيق عما كانت عليه الامور قبل قيام السلطة. ثالثاً: هناك حاجة ماسة لسياسة فلسطينية فاعلة قادرة على اتخاذ القرارات الصعبة والجريئة داخلياً وخارجياً، فالسياسة الفلسطينية سياسة منفعلة وليست فاعلة تقوم على التعامل يوماً بيوم، وعلى اساس ردود الافعال، دون تصور استراتيجي واضح ودون خطط كفيلة بتحقيقه. ان الاحتلال لن يرحل حين يتحول الفلسطيني "المشاغب" الى "ولد مطيع" يؤدي واجباته اولاً وقبل ودون أن يأخذ شيئاً، وانما سيرحل الاحتلال عندما يخسر اكثر مما يربح، او عندما تقتنع اسرائيل انها يمكن ان تربح من انهاء الاحتلال اكثر مما تربح من بقائه، ونحن لم نتبع سياسة قادرة على تحقيق هذا ولا ذاك. الفرصة الأخيرة واليوم، هناك فرصة يا سيادة الرئيس لاتخاذ القرارات التي لم تتخذ سابقاً. ان الفضائح المتلاحقة الاخيرة توفر هذه الفرصة، وهي فضائح ملأت السماء الفلسطينية، وأهمها فضائح الأدوية والطحين والمستشفيات والجوالات المهربة، وهي نزلت كالصاعقة على رؤوسنا جميعاً. وآمل يا سيادة الرئيس أن تبادر لالتقاط هذه الفرصة التي يمكن أن تكون الاخيرة. فاضرب بيد من حديد على الفساد والفاسدين من أجل استعادة هيبة السلطة وكرامتها ومصداقيتها، وقم بإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والمقاومة المثمرة الكفيلة بإطلاق مفاوضات مثمرة، وبلورة خطة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، لأن عدة أسطر تضمنها اعلان صنعاء مع كل الاحترام لليمن ومبادرتها، لا يمكن ان تحل الأزمة المعقدة، التي هي قضية خيارات وبرامج وإرادات ومصلحة وطنية وليست قضية مبادرة يتم تقزيمها بالخلاف على انها للحوار أم للتنفيذ، حتى يتبادل الانتقادات والاتهامات عزام الاحمد رئيس كتلة فتح بالتشريعي مع نمر حماد مستشار الرئيس، حول تشاور او عدم تشاور الاحمد مع الرئيس قبل التوقيع على اعلان صنعاء. فالمطلوب خطة لا انتظار الآخرين لوضعها، وسياسة اغلاق ابواب الحوار مع "حماس" لا تجدي. اقدم يا سيادة الرئيس على اتخاذ القرارات الصعبة المطلوبة الكفيلة بالإصلاح والتجديد والتغيير في اطار استراتيجية وطنية ديمقراطية قادرة على توحيد الفلسطينيين في سياق قادر على تحقيق أهدافهم المطلوبة. الفساد غول يهدد كل شيء. والفاسدون بدأوا بالبحث عن ملاذ لأنهم بدأوا يتهاوون سريعاً وبسرعة البرق خصوصاً أنهم يعتقدون ان السفينة الفلسطينية تغرق، لذا أخذوا يلوذون بالفرار تحت عناوين مختلفة، من البحث عن سفارة او مهمة بالخارج، تكون غطاء لإقامة مشاريع شخصية ما يطرح السؤال للكثير من القادة والمسؤولين السؤال الشهير: من أين لك هذا؟! اضرب يا سيادة الرئيس بسلاح القانون وبسيف الإصلاح، والشعب كله سيكون معك، لا تفتش عن كبش فداء، ولا تكتفي بمعاقبة سائق أو مرافق او موظف هنا او هناك، بل ان المرض خطير لا تنفع معه المسكنات وبحاجة الى عملية جراحية. اننا بحاجة الى تغيير جوهري للسياسات والبرامج وإلى الإطاحة برؤوس كبيرة، لأنها عاثت بالأرض فساداً أو لأنها جربت وفشلت ويعطيها الله ألف عافية!!.

 

 

مشاركة: