الرئيسية » هاني المصري »   12 آب 2015

| | |
الشراكة السياسية مفتاح المصالحة الوطنية
هاني المصري

كلما فشلت مبادرة فلسطينية أو عربية من أجل إنجاز المصالحة الوطنية، يعزف المتشائمون ومعهم الرافضون للمصالحة الوطنية لحن إظهار العوائق الضخمة التي تجعل المصالحة الوطنية مستحيلة وفقاً لوجهات نظرهم.

يقول المتشائمون إن فريقي الخلاف في الساحة الفلسطينية يسيران في خطين متوازيين لن يلتقيا أبداً، جراء اختلافاتهما الايديولوجية والبرامجية ووقوعهما تحت تاثير ضغوط داخلية وخارجية مترافقة مع دعم ومساعدات من الصعب الاستغناء عنها
وهناك من يضيف إن الصراع على السلطة رغم أنها تحت الاحتلال يقدم سبباً كبيراً للاستمرار في الانقسام، وخصوصاً أن الانقسام جغرافي وليس سياسياً فقط. فاسرائيل تفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة جغرافياً، وقد بذرت بذور الانقسام منذ فترة طويلة خصوصاً منذ توقيع اتفاق اوسلو، حينما أنهت التواصل ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة، ومنعت حرية الحركة التي كانت قائمة بينهما، ومنعت تطبيق اتفاقية الممر الآمن والحر ما بين الضفة والقطاع والمنصوص عليه في اتفاق اوسلو.
لا أحد يستطيع طبعاً أن يقلل من أسباب وجذور وعوامل الانقسام المحلية والعربية والاقليمية والدولية ( والاسرائيلية طبعاً وقبل اي عامل آخر ) ولكن لا بد من رؤية الصورة من مختلف جوانبها.
فالانقسام يريد ان يقسم الشعب الفلسطيني الموحد، الذي تمتد جذوره عميقاً في التاريخ وصاغ هويته الوطنية وبلور كيانه الوطني في سياق مواجهة دامية ومديدة مع الحركة الصهيونية منذ الغزوة الاستيطانية الاولى الى عشية وغداة قيام اسرائيل وحتى الآن.
ولولا العوامل القوية جداً التي توحد الفلسطينيين، واشتداد عودها في مجرى الكفاح المشترك، لما استطاعت القضية الفلسطينية ان تبقى حية حتى الآن، رغم التطورات العاصفة التي شهدها العالم والمنطقة، ورغم الحروب والدمار والهزائم والانتصارات التي شهدها الصراع العربي الإسرائيلي منذ نشأته وحتى الآن.
فالاحتلال الاسرائيلي بحكم طبيعته كاحتلال استعماري عنصري اجلائي استيطاني عسكري، وبحكم اهدافه الجذرية الرامية الى اقتلاع الشعب الفلسطيني من ارضه، وعلى خلفية ايديولوجية صهيونية تدعي أن فلسطين هي أرض إسرائيل والموعودة لهم بالتوراة، يستهدف جميع الفلسطينيين وارضهم وحقوقهم وتاريخهم ويسعى لمصادرة حاضرهم ومستقبلهم
والاحتلال لايفرق ما بين فلسطيني وآخر، ما بين معتدل ومتطرف، ما بين "فتح" و"حماس"، رغم ادعائه بانه يقف مع "فتح" ضد "حماس"، وبالتالي فان الاحتلال يمثل قاسما مشتركا اعظم وحد في السابق ويمكن ان يوحد الآن الشعب الفلسطيني وقواه الحية.
فاذا توفرت الارادة السياسية اللازمة والوعي المناسب، وفي ظل التقارب الشديد في البرامج السياسية الذي شهدناه في السنوات الأخيرة، والذي وصل إلى حد الاقتراب من تبن مشترك لبرنامج الدولة المستقلة والالتزام بأشكال مختلفة وبتبريرات وذرائع متباينة بهدنة مع الاحتلال.
تأسيساً على ما سبق، فان العائق الابرز الذي يحول دون تحقيق المصالحة الوطنية، ليس الملاحظات التي تطرحها "حماس" على الورقة المصرية، فهي ملاحظات على اهميتها يمكن ان تبلعها "فتح" أوأن تتراجع عنها "حماس"، وانما هوغياب الاستعداد للشراكة السياسية الحقيقية في مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني، في المنظمة والسلطة.
واذا شعرت "حماس" أنها ستقبل كشريك أساسي في النظام السياسي الفلسطيني، بما يتناسب مع حجمها الذي تحدده الانتخابات، وليس ما تعتقد انه حجمها، عندها يمكن ان توافق على المصالحة وتستعد للتنازل عن سيطرتها الانفرادية على قطاع غزة لأنها ستصبح شريكة في الضفة والسلطة والمنظمة.
وإذا لم توافق "حماس" رغم توفر الاستعداد لمشاركتها ستظهر كطرف لا يريد الوحدة ولا الشراكة، وإنما يريد السيطرة الانفرادية.
واذا شعرت "فتح" ان دخول "حماس" للنظام السياسي الفلسطيني كشريك، لا يعني مرحلة اولى على طريق هيمنة "حماس" على هذا النظام كله، فانها تحت ظروف معينة يمكن أن ترضى بمشاركة "حماس" وغيرها من القوى والفعاليات الوطنية في النظام السياسي الفلسطيني، الذي قادته حركة فتح بدون منازع، لمده طويلة تبدأ من اواخر الستينات من القرن الماضي وحتى عام 2006 حين فازت حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي.
وإذا لم تقبل "فتح" بمشاركة "حماس" رغم تقديمها ضمانات تكفل توفير وتعميق الأساس الديمقراطي الفلسطيني، فإنها ستفقد مصداقيتها وثقة الشعب بها
بدون شراكة سياسية حقيقية لا يمكن انجاز المصالحة، واذا تم الاتفاق على المصالحة بدون شراكة ستنهار بسرعة مثلما انهار اتفاق مكة
بدون شراكة ستفضل "حماس" أن تبقى غزة في يدها، وتنتظر إتمام صفقة تبادل الاسرى ورفع الحصار وانهيار حركة فتح في ظل عدم تقدم مسيرة المفاوضات، كما ستنتظر حصولها على الاعتراف العربي والدولي الذي سيؤهلها لدخول الضفة والتقدم على طريق قيادة النظام السياسي الفلسطيني
وبدون شراكة ستفضل "فتح" ان تبقى المنظمة والضفة في يدها، وتنتظر تقدم المفاوضات أوخضوع "حماس" أو انهيارها تحت وطأة العدوان الإسرائيلي والحصار والعزلة والمقاطعة العربية والدولية
إن من شروط تحقق الشراكة ان تتفق جميع الفصائل والشخصيات الوطنية على ان التوافق الوطني ضروري جداً ما دامت فلسطين تحت الاحتلال، بحيث لا يمكن ان تجري انتخابات عامة بدون مصالحة وطنية، ويجب الاتفاق على تشكيل حكومة وفاق وطني ،سواء في الفترة الانتقالية التي تبدأ بتوقيع اتفاق المصالحة وتنتهي باجراء الانتخابات للمجلس الوطني والانتخابات الرئاسية والتشريعية، أوبعد الانتخابات مهما كانت نتائجها
اذا تم التوصل الى اتفاق يضمن شراكة حقيقية، فإن هذا الاتفاق، سيجعل جميع الاطراف تدخل المصالحة الوطنية، وهي مطمئنة انها لن تقصى، لا بسبب عوامل داخلية او خارجية.فالشراكة السياسية الحقيقية هي كلمة السر لتحقيق المصالحة الوطنية؟

 

مشاركة: