الرئيسية » هاني المصري »   20 أيار 2006

| | |
الشراكة وحافة الهاوية
هاني المصري

قبل عدة أيام على انطلاق الحوار الوطني يتزايد الاستقطاب الحاد والاحتقان الشديد بين حركتي فتح وحماس، والرئاسة والحكومة بصورة تنذر بأن المأزق الفلسطيني مرشح لانفجار داخلي كبير قد تكون له "وعلى الأغلب ان تكون له" آثار مدمرة على الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة. الله يكون في عون المتحاورين هذا اذا بدأ الحوار فعلاً. فعلى خلفية الخلاف حول تشكيل وعمل القوة الامنية "الموازية اوالمساندة" حسب تعدد وجهات نظر، وبعد صاعق التفجير المتمثل بإعلان وزير الداخلية سعيد صيام مباشرة القوة التنفيذية مهماتها في ظل ما وصفه تباطؤ الاجهزة الامنية وتقاعسها عن تنفيذ الاوامر الصادرة اليها، واستمرار حالة الفلتان الامني وبعد قرار الرئيس نزول الشرطة والاجهزة الامنية الى الشارع لتولي مسؤولياتها ومنع اي اجهزة اخرى غير شرعية عن القيام بمهمات امنية، اصبح الانفجار الكبير مسألة وقت لا اكثر.

 

فوزير الداخلية اعلن ان تشكيل القوة الامنية تم وفقاً للقانون وبالاتفاق المباشر مع الرئيس وايده في ذلك رئيس الحكومة وحركة حماس وكتلتها في التشريعي واوساط واسعة من الجماهير افراد وضباط من الاجهزة الامنية التابعة لوزارة الداخلية، والرئيس اعلن ان هذه الخطوة غير قانونية ولم تتم بالتشاور معه وانما شكلت تحدياً مباشراً لصلاحياته وهيبته، وايد الرئيس في موقفه حركة فتح وكتلتها في التشريعي واوساط واسعة من الجماهير بما فيها التزام الاجهزة الامنية بقراره النزول الى الشوارع والاستعداد لضبط الامن فيها.

واذا كان كل طرف يدعي ان موقفه قانوني مائة بالمائة، فالامر يمكن احالته الى القضاء ليحسم قانونيته على اساس ابداء جميع الاطراف سلفاً الاستعداد للالتزام بما يقرره القضاء، وبدلاً من احالة الامر الى القضاء وانتظار حكمه اعلن اسماعيل هنية رئيس الحكومة امس الجمعة، تمسكه بالقوة الامنية والاستعداد لتعزيزها اكثر.

في الوقت نفسه الذي شهدت شوارع غزة ليلة الخميس صباح الجمعة اشتباكات متعددة، تضاربت الانباء حولها، بين من قائل انها ما بين الشرطة والقوة الامنية الجديدة، وبين ما قائل ان عناصر مسلحة مجهولة الهوية قامت باطلاق النار على الشرطة وعلى افراد القوة الامنية لدفعهما للاشتباك تحقيقاً لمصالح جهة ثالثة.

الامر الذي يزيد الطين بله، ان الحقيقة غائبة في الكثير في الاحداث والقضايا بحيث لم يعد احد يعرف حقيقة ما جرى ويجري بدقة، ما يقلل من القدرة على معالجتها معالجةً جذريةً والابتعاد عن مجرد اطفاء الحرائق كلما اندلعت بدلاً من الانشغال بمعالجة الاوضاع الساخنة المرشحة لاندلاع الحرائق امام اتفه الاسباب والخلافات.

ولكن ان شئنا الدقة، والحديث بصراحة، اكثر ان الخلاف حول القوة الامنية ليس خلافاً قانونياً في الاساس، وانما هو احد تجليات الازمة الشاملة النابعة عن الاختلاف حول البرامج السياسية وتنازع الصلاحيات والصراع على السلطة في ظل العزلة الدولية والعدوان العسكري الاسرائيلي المستمر والمتصاعد والمترافق مع الشروع في بلورة الخطط والخرائط اللازمة لتطبيق خطة اولمرت رسم حدود اسرائيل النهائية، والتي تعني اذا ما نجحت، لا سمح الله، تصفية القضية الفلسطينية من مختلف ابعادها ومستوياتها، لفترة من الوقت لا يعرف مداها سوى الله.

ان من المسائل التي تزيد المأزق الفلسطيني تفاقماً عدم وجود درجة عالية من ضبط النفس والشعور بالمسؤولية عند القوى الفاعلة في الازمة، ووجود عناصر في حركتي فتح وحماس تدفع الامور نحو المزيد من التأزم، ونحو الانفجار الشامل.

فهناك في فتح، ولا اقول كل فتح، ولا اقول الرئيس، الذي يبذل الجهود لخلق صيغة من التفاهم الفلسطيني العام، خصوصاً بين حركتي فتح وحماس، بدليل مطالبته القوية في البرلمان الاوروبي باعطاء الحكومة الحالية فرصة حتى تكون قادرة على التكيف مع المسؤوليات الجديدة، ومع متطلبات الشرعية الدولية.

هناك في فتح من يتصور ان المأزق الذي يعانيه النظام السياسي الفلسطيني، ناجم عن تولي حركة حماس السلطة. وان هذا المأزق سرعان ما ينتهي اذا ما سقطت الحكومة او اسقطت وعادت حركة فتح، ويتصور هذا البعض ان الحكومة ستسقط سريعاً، وان حركة فتح ستعود الى الحكم سواء عبر تنظيم اجراء انتخابات تشريعية او تشريعية ورئاسية او باعلان حالة الطوارئ او تشكيل حكومة طوارئ.

ينسى هذا البعض ان المأزق سابق لتشكيل الحكومة الحالية، وينبع بالاساس من تنكر اسرائيل لعملية السلام وللاتفاقات المعقودة، بما فيها اتفاق اوسلو وخارطة الطريق، واسقاط المفاوضات والحل المتفاوض عليه لصالح فرض حل اسرائيلي منفرد بالاعتماد على الخطوات الاحادية والقوة والعدوان وفرض الحقائق على الارض، ونابع من عدم بلورة استراتيجية فلسطينية واحدة.

فوز حماس، بأغلبية في التشريعي، وتشكيلها حكومة من لون واحد، وعدم تبنيها لبرنامج القواسم المشتركة، وفر ذريعة اضافية لاسرائيل لفرض شروطها على المجتمع الدولي ما زاد من الحصار المفروض على السلطة الفلسطينية بدرجات ملموسة، الى حد ان الوضع الفلسطيني بكل مكوناته اصبح على حافة انهيار سياسي، واجتماعي واقتصادي شامل.

وينسى هذا البعض من فتح ان سقوط الحكومة تحت تأثير العزلة الدولي والحصار الخانق، قد لا يسجل فشلاً لحماس وانما ثمرة خبيثة لمؤامرة أميركية - اسرائيلية تواطأت فيها عناصر محلية، وان فتح لكي تعود للحكم بمفردها يجب ان تثبت جدارتها وهذا بحاجة الى وقت.

ان سقوط الحكومة تحت الضغط الاسرائيلي والخارجي، سيضع علامات سؤال كبرى حول الشرعية والانتخابات والديمقراطية تحت الاحتلال ما يجعل الحكومة الحالية، قد تكون آخر حكومة، فأي شرعية لاي حكومة قادمة اذا جاءت دون انتخابات او بعد انتخابات قاطعتها حماس والجهاد الاسلامي وغيرها من القوى وقطاعات شعبية واسعة.

وهناك في حماس، ولا اقول كل حماس، من يتصور ان تصدير الازمة وتحميلها لحركة فتح والحكومات السابقة والبنوك والمؤامرات الخارجية، يعني حل الازمة او عدم تحمل حماس المسؤولية او قسطها من المسؤولية عنها. فحماس عندما شاركت في الانتخابات تحت شعار التغيير والاصلاح، وبعد شهور طويلة من توقيعها على اتفاق التهدئة، تدرك انها ستشارك وقد تحكم سلطة معروفة امكانياتها والصعوبات التي تواجهها، سلطة مقيدة باتفاقات، وولدت في ظل وبعد موافقة اسرائيلية واميركية وعربية ودولية، ضمن عملية سلام محددة لها شروطها والتزاماتها. وان هذه السلطة لا تستطيع ان تخرج كقفزة واحدة وبقرار فلسطيني منفرد، ومن طرف واحد من اطار هذه الامكانيات والصعوبات والاتفاقات والالتزامات ولعل هذه الاوساط في حماس، تعتقد فعلاً، بأنها تستطيع الجمع بين السلطة والمقاومة والعمليات الاستشهادية، ورفض المفاوضات كلياً، بالاستناد الى الدعم العربي والاسلامي المفترض، والى الانخراط مع المحور الايراني - السوري - اللبناني "حزب الله"، ان الدخول في لعبة المحاور، وفي الوقت الذي تشهد فيها المنطقة والعالم تحولات دراماتيكية عاصفة، ودون ان تتضح ابعاد وسياسات المحاور المختلفة، وفي ظل ان مصلحة القضية الفلسطينية بوصفها قضية عادلة، تفرض عليها السعي للبقاء بعيدة عن المحاور والعمل من اجل الحصول على دعم الجميع دون استثناء، حتى تستطيع ان تبقى حية وتواصل الصمود لحين توفر الظروف الملائمة للانطلاق لتحقيق الحرية والعودة والاستقلال.

اذا وقع الفلسطينيون في لعبة المحاور، ستضيع قضيتهم "فرق عملة" تحت اقدام اللاعبين الكبار، سواء اذا انتصرت ايران او عقدت صفقة من الاميركان او تراجعت عن برنامجها النووي، فايران لا يمكن ان تهدد وجودها من اجل فلسطين لكنها يمكن ان تستفيد من القضية الفلسطينية في صراعها من اجل تثبيت اقدامها كدولة اقليمية كبرى في المنطقة.

اناشد العقلاء في فتح وحماس وكافة القوى والفصائل والاحزاب وقوى وفعاليات المجتمع المدني بمن فيها القطاع الخاص والمنظمات الاهلية والشعبية التحرك الفاعل والمستمر للضغط على فتح وحماس لمحاصرة من يتصور ان الحرب الاهلية طريق لحسم الخلاف السياسي، وليعمل هذا التحرك من اجل تشكيل لجان شعبية مهمتها العاجلة رفض الاقتتال ومنع المظاهر المسلحة ووقف التحريض الاعلامي.

فمن محاسن الصدف، ان هناك توازن رعب بين فتح وحماس، يشكل احدى الضمانات الباقية لمنع اندلاع الاقتتال الداخلي، فالخلاف عمودي وافقي سياسي جماهيري، وعلى كل طرف ان يحسب نقاط ضعفه جيداً قبل ان يحسب نقاط قوته، وعلى كل طرف ان يتذكر ان المنتصر مهزوم في الحرب الاهلية، فالمنتصر المزعوم سيجد نفسه امام الاحتلال الذي لا يقدم حلاً يمكن ان يرضى عنه اكثر الفلسطينيين اعتدالاً، والحل بسيط، ان يقتنع الجميع خصوصاً فتح وحماس بالشراكة، وان زمن الانفراد بالسلطة قد ولى الى اشعار آخر.

 

مشاركة: