الرئيسية » هاني المصري »   29 أيار 2007

| | |
الصواريخ: ألعاب نارية أم مقاومة مجدية؟
هاني المصري

بعد إعلان أولمرت عن رفض حكومته التهدئة وأنها ستواصل ضرب حماس والفصائل الأخرى، سواء أوقفت إطلاق النار أو لا، داعياً الاسرائيليين للاستعداد لمعركة طويلة الأمد لن تكون فيها حصانة لأي أحد، مؤكداً أن اسرائيل غير مرتبطة بأي جدول زمني، ولن تخضع لأي ضغوط خارجية، أعلنت الفصائل الخمسة التي لديها كتائب عسكرية أنها لن ترضى بتهدئة مجانية، وان التهدئة تكون متبادلة ومتزامنة وشاملة أو لا تكون أبداً، وطالبت أيضاً حتى تقبل بأية تهدئة أن تترافق مع ضمانات دولية.

قبل اجتماع الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد الماضي، كان الفلسطينيون يتحدثون عن 42 ساعة حاسمة، ويبحثون في تهدئة على مراحل تبدأ لمدة شهر في غزة، ثم تنتقل بعد ذلك إلى بقية الأراضي المحتلة. ولكن بعد القرار الإسرائيلي باستمرار العدوان العسكري وتصعيده لم يعد أمام الفلسطينيين من مخرج سوى المقاومة والاستعداد وتجهيز "ما لذ وطاب"، حسب تصريحات يوفال ديسكين رئيس الشاباك، من الأنفاق والحفر الملغمة والقناصة والعبوات الجانبية والاستشهاديين، لأنهم إن لم يكبدوا أي اجتياح إسرائيلي واسع لغزة خسائر ملموسة، مثلما حدث في عملية السور الواقي التي نفذت بالضفة باستثناء مخيم جنين، فإن هذا سيحقق نصراً سهلاً لحكومة أولمرت يساعدها على استكمال مخططاتها التوسعية والاستيطانية والبقاء في الحكم، وترميم هيبة الردع الإسرائيلية وقطع الطريق على كل المحاولات الرامية لفتح مسار سياسي يحرك عملية السلام ويستأنف المفاوضات حول التسوية الدائمة، انطلاقاً من المبادرات المطروحة وعلى رأسها مبادرة السلام العربية. في السابق جسد الفلسطينيون تهدئة من جانب واحد، واستمرت أكثر من عامين، لأنهم رأوا فيها مصلحة فلسطينية بغض النظر عن التزام اسرائيل بها، ولم يلتزم الإسرائيليون بها، الا خلال عدة أشهر كانت المراهنة الإسرائيلية فيها على دفع الاقتتال الفلسطيني الى أقصى مدى ممكن، لعله يحقق ما عجزت اسرائيل عن تحقيقه حتى الآن، وهو كسر إرادة الفلسطينيين ودفعهم للتخلي عن المقاومة وعن رفض الحلول التي طرحتها اسرائيل، ومن شأنها إذا نفذت تصفية القضية الفلسطينية من مختلف أبعادها وجوانبها.

 

ديسكين حتى الآن يعارض اجتياحاً واسعاً لغزة، وأوصى باستمرار الوتيرة الحالية من العدوان، مؤكداً ضرورة جباية ثمن يومي من حركة حماس، وعلى عدم قبول هدنة بالضفة، مراهناً على أن حماس في ضائقة شديدة بسبب ضغط الشارع ومن قيادة السلطة، وفي ظل نقاش داخلي حول ضرورة وقف إطلاق النار، وعلى أساس أن إطلاق الصواريخ مزعج ولكنه ليس خطراً استراتيجياً على إسرائيل. بل قال في أكثر من اجتماع حكومي إسرائيلي مخصص للبحث في الرد على إطلاق الصواريخ، إن هذه الصواريخ لم تؤد سوى إلى قتل أقل من عشرة إسرائيليين بمن فيهم الرجل والمرأة اللذان قتلا في الأسبوع الماضي، بينما عملية واحدة في تل أبيب أو أية مدينة في إسرائيل أو الضفة، تجعل الثمن الإسرائيلي أكبر من الأربعة آلاف صاروخ التي أطلقت على إسرائيل منذ العام 0002 وحتى الآن.

ديسكين يحذر من خسائر إسرائيلية كبيرة إذا أعادت إسرائيل احتلال غزة، كما يحذر من قيام حماس بضرب عسقلان إذا تم تصعيد العدوان، وهو يراهن على تجدد الاقتتال بين فتح وحماس، ويتوقع أن المواجهات بينهما مسألة أيام وأسابيع، وإذا ما اندلعت هذه المرة ستكون عنيفة وقاسية أكثر من سابقاتها.

كلام ديسكين أخطر وأسوأ، لأنه قد يدفع نحو تذكية الفتنة الداخلية الفلسطينية، ولا ينضم إلى جوقة الدعاية الإسرائيلية التي تبالغ كثيراً بتأثيرات الصواريخ على سديروت وإسرائيل لدرجة نصب خيم للمهجرين وارسال قطع من الصواريخ التي سقطت في إسرائيل إلى أوروبا لأنه يدرك أن توسع العدوان سيوحد الفلسطينيين.

الشيء بالشيء يذكر، دوف فايسغلاس، مستشار شارون قال منذ سنوات، إن الصواريخ الفلسطينية مثل الألعاب النارية، وهو نفس المصطلح الذي نسب في الأيام الأخيرة، الى أحمد يوسف مستشار رئيس الحكومة، وقامت الدنيا ولم تقعد عليه في إسرائيل، فالاسرائيليون يريدون المبالغة بتأثير الصواريخ حتى يعطيهم ذلك الحق بالعدوان الواسع والمدمر. تماماً مثلما فعلت الولايات المتحدة الأميركية قبل احتلال العراق، حيث صورت انه يملك أسلحة دمار شامل، وانه يرتبط بعلاقات وثيقة مع القاعدة، وانه سيدمر إسرائيل، لتظهر الحقيقة بعد الاحتلال، ويتبين ان كل هذه الادعاءات اكاذيب، وجزء من الحرب وتمهيد للحرب وحتى تفعل واشنطن ما يحلو لها دون ردة فعل من العالم ولا من الرأي العام الأميركي. المسألة التي يجب أن تناقش هي مدى جدوى اطلاق الصواريخ، وهل هي الأسلوب الرئيسي أو الوحيد والأجدى للمقاومة، وهل تملك أفقاً استراتيجياً أم انها مجرد رسائل وإشارات، كما قال أحمد يوسف، في احدى المقابلات الصحافية، إذا كانت ناجعة جداً لماذا ايقافها الآن، ولماذا سبق وأن أوقفت؟ وإذا كانت مجرد رسائل أو إشارات فالغرض منها قد تحقق؟ أما إذا كانت وسيلة لتحسين شروط هذا الفصيل أو ذاك في الصراع الداخلي وفي عملية السيطرة على السلطة والمنظمة والقرار الفلسطيني، فإنها تستنفذ أغراضها، فالمعركة الداخلية ما زالت في بدايتها. ولكنها وسيلة ستساهم في إحراق كل شيء وضياع كل شيء، حتى تكون الصواريخ وسيلة استراتيجية يجب أن تملك القدرة على الاستمرارية والتطور بحيث تصبح أبعد مدى وأكثر فاعلية. وهذا يجعل الفلسطينيين بحاجة إلى حاضنة عربية على الحدود الفلسطينية ودولية تدعم هذا النمط من المقاومة، مثل هذه الحاضنة غير موجودة بدليل أن اسرائيل مرتاحة للتفهم الدولي للرد الإسرائيلي وللصمت العربي.

إذاً، الاعتراض على الصواريخ ليس اعتراضاً على المقاومة، وهو لا يرجع أساساً لأن حجم الخسائر الفلسطينية أكبر بكثير من حجم الخسائر الإسرائيلية، وإنما لأنها وسيلة لا يوجد لها أفق ومستقبل، ولأنها ليست محل اجماع أو شبه إجماع، بل هي أحد أهم أسباب الانقسام الداخلي الفلسطيني، وذريعة تستخدمها اسرائيل لتضليل شعبها والعالم كله، وتبرر لها استخدام ما تعتقد أنه يلزم من قوة لايقاف خطر الصواريخ. وأخيراً نقد أسلوب إطلاق الصواريخ، لا يمكن أن يكون مجدياً، إذا تم الاكتفاء بالدعوة للهدنة المجزأة، واستمرار الأوهام عن وجود أفق سياسي، واهمال ما يجري على الأرض من عدوان عسكري واستيطان وجدار ومصادرة أراضٍ وتقطيع أوصال، تجعل إقامة الدولة الفلسطينية أبعد مع فجر كل يوم جديد، وسيكون ضاراً نقد اطلاق الصواريخ إذا كان مبنياً على الاقلاع عن المقاومة بكل أشكالها. ففي هذه الحالة تكون مقاومة الصواريخ العبثية أفضل من لا شيء، وأفضل من عدم المقاومة على الإطلاق، وأفضل من المراهنة على عملية سلام غير موجودة أصلاً. لنبادر لوقف إطلاق الصواريخ لصالح مقاومة متعددة الأشكال تعتمد على الشعب والمقاومة الشعبية، مقاومة متفق عليها من الجميع أو من الغالبية العظمى من الشعب والقوى وتحظى بتأييد العالم كله، أو بتفهم العالم كله! مثل هذه المقاومة لها أفق، وقادرة على الانتصار، والشعب الفلسطيني يقاوم ليس من أجل المقاومة، وإنما من أجل دحر الاحتلال، ويقاوم من أجله ومستقبل الأجيال القادمة. فالأجيال القادمة ستلعن الجيل الحالي إذا ضيع أية فرصة لتحقيق أي شيء، ولدرء أي خطر أو خسارة، وإذا كان همّه فقط تسجيل موقف للتاريخ ومشاغلة الاحتلال لحين استيقاظ المارد العربي أو الإسلامي أو كليهما!! فما نفعله، وفيما إذا كان في الاتجاه الصحيح أم لا يساهم في إيقاظ العرب والمسلمين والأحرار في العالم كله، أو في ابقائهم نياماً.

إذا كانت العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل، وهي التي أحدثت خسائر كبيرة في إسرائيل قد تم ايقافها نظراً لحساب الربح والخسائر وكونها تدفع الصراع الى حسم عسكري والمعارك الفاصلة والى مستوى لم يستعد الفلسطينيون له، فالأولى أن يتم ايقاف إطلاق الصواريخ خصوصاً ان نسبة الخسائر الإسرائيلية الى الفلسطينية بسببها وصلت إلى 1:56 كما صرح أحمد يوسف أيضاً!.

 

 

مشاركة: