الرئيسية » هاني المصري »   03 حزيران 2006

| | |
العالم بخير.. لا تزال هناك مقاطعة فاعلة لإسرائيل
هاني المصري

شهد الأسبوع الماضي أربعة أخبار طيبة:

الخبر الأول، قيام اتحاد أساتذة الجامعات والكليات في بريطانيا الذي يضم 96 ألف عضو باتخاذ قرار بمقاطعة المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية والأكاديميين الإسرائيليين الذين لا يجهرون بمواقفهم ضد الممارسات العنصرية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة. وقال بول ماكني أمين سر الاتحاد إن آلاف الرسائل وصلته معارضة لقرار الاتحاد قبل اتخاذه، وهي حثّت على حق الأكاديميين الإسرائيليين في ممارسة حريتهم الأكاديمية، وانتقد هذه الرسائل التي لم تذكر حقيقة أن الحرية الأكاديمية للأكاديميين الفلسطينيين، أصبحت بفعل الممارسات الإسرائيلية نكتة فارغة. وأضاف ماكني: انه حتى في الأماكن التي يسمح فيها بحرية الحركة للطلبة والأساتذة في فلسطين فإنه لا تتوفر كافة المقومات الأساسية للحياة الأكاديمية في الجامعات الفلسطينية.

 

الخبر الثاني، دعت أكثر من عشرين مؤسسة ومنظمة شعبية وكنسية ونقابية عامة ونسوية في كندا من ضمنها فرع أونتاريو لأكبر الاتحادات العمالية الكندية وهو نقابات مستخدمي وعمال القطاع العام في كندا، ويضم مئات آلاف الأعضاء، إلى مقاطعة الأبارتهايد ( التمييز العنصري) الإسرائيلي، وتطبيق حق العودة للاجئين الفلسطينيين. وذلك استمراراً ودعماً لمشروع الحملة العالمية لمقاطعة الأبارتهايد الإسرائيلي، والتي بدأت في تموز من العام الماضي بدعم من بعض الهيئات الكنسية والنشطاء الأكاديميين في الولايات المتحدة الأميركية. واستنكر الاتحاد الكندي للنقابات في قراره الأخير السياسات الإسرائيلية الرامية لتهجير الفلسطينيين. وأدان جدار الفصل العنصري باعتباره يشكل خرقاً واضحاً للقانون الدولي ولقرار محكمة العدل الدولية. ووفقاً للقرار الذي اتخذ بأغلبية ساحقة فإن فرع الاتحاد في مقاطعة أونتاريو سوف يشرع في حملة تثقيفية في صفوف أعضاء النقابات تهدف إلى شرح معاناة الشعب الفلسطيني وقضية الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وكذلك توضيح حجم الدعم الاقتصادي والسياسي اللامشروع الذي تقدمه الحكومة الكندية إلى إسرائيل، فضلاً عن الدعوة لمقاطعة المتاجر التي تبيع الكحول في مقاطعة أونتاريو والتي لا تزال تبيع المشروبات الكحولية الإسرائيلية المصنعة في فلسطين ومنطقة الجولان السوري المحتل.

الخبر الثالث، ممثلون لأكثر من 081 جمعية أوروبية والجمعيات السويسرية لإغاثة الشعب الفلسطيني، وممثلون عن البرلمانات ومحامون وخبراء في القانون الدولي اجتمعوا في جنيف لمناصرة القضية الفلسطينية والضغط على المفوضية الأوروبية للتراجع عن قرارها وقف المساعدات. ودعا المؤتمر الذي استمر ثلاثة أيام إلى العمل على تحريك الشارع الأوروبي للضغط على الحكومات الأوروبية الموقعة على اتفاقيات جنيف خاصة الرابعة، لإجبار حكومة الاحتلال الإسرائيلي على الالتزام بنصوص هذه الاتفاقيات وكل القرارات الدولية الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة بخصوص القضية الفلسطينية، والدفع الفوري باتجاه إلزام إسرائيل بشكل عملي لتطبيق قرار محكمة العدل الدولية الصادر في تموز 4002، والذي ينص على إزالة جدار الفصل العنصري فوراً، والتعويض للسكان الفلسطينيين عن الخسائر المالية والمعيشية التي تكبدوها جرّاء بناء الجدار. ومن ضمن قرارات المؤتمر البدء بحملة مدنية في 92 من شهر حزيران الجاري ضد الشركات الأوروبية التي تساهم في عملية إنشاء المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة وتشارك آلياتها في تهديم البيوت على رؤوس أصحابها، مثل كاتر بيلر الأميركية - السويسرية، وكو فكس التي تساهم في بناء ترام الأبارتهايد في القدس المحتلة، وغيرها من شركات الاستيراد والتصدير، وصولاً إلى مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

الخبر الرابع، وهو يتضمن خبرين على صلة بالخبر الأول. فقد أعلن عالم الأحياء اليهودي البريطاني واسمه ستيفن روز أنه هو الذي يقف وراء الحملة لمقاطعة المؤسسات الأكاديمية والأكاديميين الإسرائيليين، وأنه يفعل ذلك بدافع اعتزازه بيهوديته وقناعته بأن ما تفعله إسرائيل ضد الفلسطينيين من تنكيل عنصري هو أمر معادٍ لليهودية. وبهذا التصريح يفند البروفيسور روز ادعاءات إسرائيل بأن حملة المقاطعة لها في بريطانيا هي حملة أساسها معاداة اليهودية والسامية.

وأعلن العالم روز في مقابلة مع صحيفة "معاريف": أن قرار مقاطعة الجامعات البريطانية للجامعات الإسرائيلية التي لا تتخذ موقفاً علنياً صريحاً ضد سياسة الأبارتهايد التي تديرها إسرائيل، هو بداية تحرك جماهيري دولي يستهدف الوصول إلى مقاطعة دولية واسعة شبيهة بالمقاطعة التي فرضها العالم الغربي على نظام الأبارتهايد العنصري في جنوب أفريقيا وأدى إلى سقوط هذا النظام. وأكد أن هذا النضال سيتكلل بالنجاح في نهاية المطاف مهما طال الزمن.

الخبر الثاني من الخبر الرابع، يفيد بأن المقاطعة الأكاديمية البريطانية بدأت تثمر. فقد أعلنت الجامعة العبرية في القدس المحتلة أنها قررت إلغاء المسار التعليمي الذي كان مخططاً لعناصر من جهاز الأمن العام (الشاباك)، لإتمام دراستهم للقب الأول في موضوع دراسات الشرق الأوسط، ومن الجدير ذكره أن التعاون بين المؤسسات الأكاديمية الإسرائيلية والأجهزة الأمنية في إسرائيل هو من بين الأسباب الرئيسية التي دعت منظمة المحاضرين في بريطانيا إلى فرض المقاطعة على الجامعات الإسرائيلية.

إن أي مواطن حر في العالم، خصوصاً المواطن الفلسطيني الذي يناضل من أجل حريته واستقلال وطنه، ويفرح كثيراً وهو يقرأ هذه الأخبار، لأنه يشعر، ويلمس مباشرة، أن العالم الغربي وهو المتحكم، لا يزال، رغم كل الفوضى والعنف والدمار وانحلال القيم والهيمنة والاستعمار والتبعية والاستغلال والفقر والتخلف الذي يعيشه أو يسعى لتأييده في العالم كله لضمان سيطرته وتحكمه وخدمة مصالحه. على الفلسطينيين أن يعرفوا كيف يكتشفون ويعملون على زيادته وتعاظمه حتى يصبح قادراً على التأثير على صانع القرار.

وما يحزّ بالنفس، أن هناك كل هذا التأييد للقضية الفلسطينية في العالم لدرجة إقدام العديد من المؤسسات الأميركية والأوروبية على مقاطعة إسرائيل (بضائعها وشركاتها ومؤسساتها الأكاديمية، والمستوطنات، والدفاع عن حقوق الفلسطينيين بما فيها حق اللاجئين بالعودة، ومن أجل إزالة جدار الفصل العنصري، بينما ينشغل الفلسطينيون في الخلافات حول البرامج السياسية وتنازع الصلاحيات، وتعدد الأجهزة الأمنية، والصراع المحموم على السلطة، رغم أنها مقيدة وما زالت تحت الاحتلال، هذا الأمر الذي يهدد بتراجع القضية الفلسطينية أكثر وأكثر حتى تصفيتها من خلال التعامل معها، ليس بوصفها قضية تحرر وطني، قضية شعب تحت الاحتلال يتوق للخلاص من الاحتلال، قضية إنسانية يمكن حلها بالمعونات الإنسانية وتقديم الخدمات والرواتب. لا تزال هناك فرصة لامتلاك زمام الوعي والمبادرة عبر إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والكفاح من أجل تحقيقه، وإدراك أن الصمود ضد الاحتلال، والحفاظ على الوجود البشري الفلسطيني في فلسطين، ومقاومة الاحتلال هي الطريق الوحيد لتحقيق الوحدة الوطنية. فمن غير الممكن أن يتوحّد الفلسطينيون على برنامج مهادن أو متهافت أو مستسلم.

وإذا كان طريق الكفاح المسلح شائكاً وصعباً في ظل الأوضاع المحلية والإقليمية والعربية والإسلامية والدولية، فهناك طريق ممكن ومضمون من حيث النتائج. وهو طريق المقاومة الشعبية التي يجب أن يضع الفلسطينيون في صلبها مقاطعة البضائع الإسرائيلية التي لها بديل فلسطيني، ومقاطعة كافة المؤسسات الإسرائيلية التي تدعم الاحتلال والعدوان والاستيطان والجدار والتمييز العنصري، ومقاطعة الاستيطان عملاً وتعاملاً وتجارة، وفي كل شيء.

الوقت الآن مناسب، فلا توجد عملية سلام، ولا مفاوضات والاحتلال يمارس عدوانه العسكري، ويخلق الحقائق الاستيطانية العنصرية على الأرض التي تجعل شيئاً فشيئاً، الحل الإسرائيلي المنفرد الذي يصفي القضية الفلسطينية هو البديل الوحيد المتاح. كما في يد الفلسطينيين قرار محكمة لاهاي، وقرار الجمعية العامة الذي صدر على أساسه. هذان القراران يمثلان سلاحاً جباراً لم نحسن استخدامه، بل ألقى الفلسطينيون هذا السلاح أرضاً دون مقابل. في حين أنه كان يمكن ولا يزال بمقدوره أن يفتح الطريق أمامهم لشن حملة دولية لمقاطعة إسرائيل شبيهة بالمقاطعة التي مورست ضد نظام جنوب أفريقيا العنصري والتي أدت إلى إسقاطه. ولكن المقاطعة يجب أن تبدأ في فلسطين، حتى تعطي للحملة الدولية زخماً أكبر بكثير.

ومثلما شهدنا حملة عربية وإسلامية ضد الدنمارك والبضائع الدنماركية بسبب الرسوم التي أساءت للرسول الكريم في إحدى الصحف الدنماركية، الأولى، أن تشن حملة أكبر ضد الاحتلال الذي يسيء إلى الأديان جميعاً ويمس كافة المقدسات، ويحرم الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية، والإنسان الفلسطيني من حقوق الإنسان، ويلعب الاحتلال دوراً في إبقاء المنطقة العربية برمتها أسيرة التخلف والتبعية والفقر والجهل والاستعمار.

الوقت مناسب لإطلاق حملة جديدة لمقاطعة إسرائيل بصورة عامة، ومقاطعة الاستيطان بصورة خاصة. وهنا لا بد من الإشارة إلى حملة البديل الفلسطيني التي نشطت مؤخراً، بداية في الجامعة العربية الأميركية في جنين، وانتشرت في العديد من الجامعات. وهي تعمل من إجل إقناع الطلبة بعدم شراء المنتج الإسرائيلي واستبداله بمنتج فلسطيني، واعتماد حملة البديل الفلسطيني كجزء من النظام الداخلي لمجلس الطلبة والكتل الطلابية وتحديداً لجان الكافتيريا. والعمل على سن نظام أو قانون في كل جامعة يمنع دخول أي منتج إسرائيلي له بديل فلسطيني، والتعبير عن ذلك في العقود التي تجريها الجامعة مع الكافتيريات. ويمكن تعميم حملة البديل الفلسطيني على كل القطاعات والمؤسسات العامة والخاصة والمنظمات الأهلية والشعبية. فلا يعقل أن يقاطع الأوروبيون والأميركيون والكنديون وغيرهم المؤسسات الإسرائيلية والأكاديمية ويتعامل معها الأكاديميون الفلسطينيون. ولا يعقل أن تقاطع الشركات الإسرائيلية التي تبني الجدار وتتعامل معها الشركات الفلسطينية. لا يعقل التعامل مع المستوطنات وغيرها بأحد أهم أسباب حياتها واستمرارها ونموها. لا يعقل أن لا نجد الزبدة الدنماركية في أسواقنا، ويكون البديل لها الزبدة الإسرائيلية!

 

مشاركة: