الرئيسية » هاني المصري »   07 تشرين الأول 2008

| | |
العدو المشترك : الاحتلال أم "فتح" أو "حماس"؟
هاني المصري

بعد أن قام الصحافي الاسرائيلي ناحوم برنياع بنشر محضر أحد اللقاءات الامنية الاسرائيلية - الفلسطينية المشتركة من واقع المشاركة في هذا الاجتماع، وبعد مرور وقت كاف على هذه الواقعة بدون صدور نفي أو تصحيح لما دار في الاجتماع، وغيره، وفي بعض وسائل الاعلام الاخرى الفلسطينية والعربية، من آراء تقلب الأمور رأساً على عقب وتحول العدو صديقاً والصديق عدواً. ففي غمرة الصراع الفلسطيني الداخلي أصبحت بعض الأوساط في حركة فتح تعتبر "حماس" عدواً تغلب عداوته العداوة للاحتلال، كما أصبحت بعض الأوساط في "حماس" تعتبر "فتح" عدواً تغلب عداوته العداوة للاحتلال. إزاء عمى الألوان وقبل الامعان في هذه الهاوية السحيقة يجب التفريق بين التناقض الثانوي الداخلي، والتناقض الرئيسي التناحري، فالأول يعكس خلافاً حول المصالح والمعتقدات والبرامج، وحول القيادة والهيمنة والتفرد والالغاء، أما الثاني فهو صراع وجود يتعلق بالماضي والحاضر والمستقبل.

 

أولاً عندما يصرح قائد أمني بأن "حماس" هي العدو المشترك للسلطة واسرائيل، وأن حسم الصراع معها سيكون عسكرياً ويزايد على اسرائيل بأنه لن يعقد هدنة مع "حماس" مثلما فعلت اسرائيل، فهو يتجاوز الخط الأحمر وصلاحياته كلياً، لأن تحديد الأعداء وكيفية حسم الصراع معهم، ليس من واجبات الاجهزة الامنية وانما من اختصاص القيادة السياسية الشرعية والمنتخبة.

فهي وحدها تحدد الاعداء وكيفية التعامل معهم، وتخضع قراراتها للمساءلة والمحاسبة والمراقبة من الاجهزة الدستورية المختلفة وخصوصا المجلس التشريعي، وتتعرض لانتقادات من الصحافة ووسائل الاعلام بوصفها السلطة الرابعة والعاكسة المفترضة للرأي العام الفلسطيني. وحسبما يعرف الجميع فان الرئيس ابو مازن و اللجنة التنفيذية ل "م.ت.ف" ورئيس الحكومة سلام فياض واللجنة المركزية لحركة فتح اعلنوا مراراً و تكراراً ان "حماس" رغم ما قامت به هي جزء من الشعب الفلسطيني (انهم اولادي كما صرح ابو مازن في احدى المرات) وان الحوار والحوار فقط هو الاسلوب الوحيد لحل الخلاف، لذلك طرح الرئيس مبادرة للحل الوطني في الرابع من حزيران الماضي، وعلى هذا الاساس انطلقت المبادرة المصرية والعربية لرعاية الحوار الفلسطيني المتوقع ان ينتقل من الحوار مع كل فصيل على حدة الى حوار شامل في الرابع من تشرين ثاني القادم.

ثانياً: مهما بلغت الخلافات الداخلية فانها لا يجب ان تطمس التناقض الرئيسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني الرازح تحت الاحتلال الاسرائيلي الاستعماري الاجلائي العنصري الذي قام على مصادرة الارض و طرد سكانها الاصليين وما زال يواصل كل اشكال العدوان العسكري، بما في ذلك الاستيطان والجدار وتقطيع الاوصال والحصار وعزل القدس والاغوار عن بقية الارض المحتلة عام 1967 وقطع الطريق على اي حل يمكن الشعب الفلسطيني من العودة وممارسة حقه بتقرير مصيره بنفسه بما في ذلك حقه باقامة الدولة الفلسطينية ذات السيادة وعاصمتها القدس على حدود 1967.

فالاحتلال الاسرائيلي هو الخطر الداهم الذي يواجه الفلسطينيين، مهما اختلفت آراؤهم وأحزابهم ومعتقداتهم، وهو احتلال لا يفرق بين فلسطيني وآخر، بين معتدل ومتطرف بين "فتح" و"حماس" والمستقل عن الفصائل. فالاحتلال جاثم فوق الارض الفلسطينية التي تخص الجميع ويطمس الحقوق الفلسطينية الفردية والجماعية ويصادر حاضر ومستقبل الفلسطينيين بعد ان زور تاريخهم وحاول ان يشوه ذاكرتهم بالادعاء بوجود حق إلهي وتاريخي لليهود في فلسطين.

ثالثا : ان الشاهد الاكبر على ان الاحتلال لا يفرق فعليا بين الفلسطينيين انه فرض على السلطة في الضفة نوعاً من التقاسم الوظيفي بحيث تقوم السلطة بالخدمات وتوفير الامن الداخلي بينما يقوم هو بالسيطرة الكلية، بما في ذلك قيام قوات الاحتلال بشكل يومي باقتحام المدن والمناطق المصنفة (ا) والمفترض ان تكون خاضعة كلياً لسيطرة السلطة، ويعتقل من يشاء، ويغلق ما يشاء من المؤسسات، ويهدم المنازل ويغتال من يشاء حتى بعض من منحهم العفو من المطاردين، ما يدل على انه يريد ان تبقى السلطة ضعيفة ومذلة ومهانة وخاضعة لضغوط مستمرة تدفعها للتحول شيئاً فشيئاً الى اداة متعاونة كلياً مع الاحتلال، وليست ممثلة للشعب الفلسطيني واداة في يده من اجل انجاز الحرية والعودة والاستقلال.

لو أراد الاحتلال حقاً تقوية السلطة لقام بتطبيق الالتزامات الاسرائيلية في المرحلة الاولى من خارطة الطريق، خصوصاً بعد ان طبقت السلطة التزاماتها من جانب واحد. وهذا يعني عودة الامور كما كانت قبل 28/9/2000 اي قبل اندلاع الانتفاضة الثانية، وهذا من شأنه أن يقوى السلطة.

فالاحتلال يحرص على بقاء السلطة ضعيفة، وعلى بقاء كافة الاطراف الفلسطينية ضعيفة لانه يريد استمرار الانقسام الفلسطيني وتعميقه باستمرار، حتى يتحقق له تأبيده. فالانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني هو انجاز اسرائيلي تاريخي يرقى الى مستوى الانجازات الاسرائيلية الكبرى مثل قيام اسرائيل وهزيمة حزيران عام 1967.

في هذا السياق نستطيع ان نضع التهدئة التي عقدتها اسرائيل مع "حماس" في غزة بوساطة مصرية والتي تشكل اعترافاً بسلطة "حماس"، وإشارة الى امكانية الاعتراف بـ "حماس" كلاعب فلسطيني رئيسي اذا سارت في طريق "وقف العنف والأرهاب" والاعتراف باسرائيل والالتزام بالاتفاقات التي عقدتها منظمة التحرير مع اسرائيل. إن التهدئة في غزة التي لم تشمل الضفة، ولم تؤد الى رفع الحصار وفتح المعابر إشارة مشجعة لاسرائيل بأنها تستطيع ان تعمل من أجل التوصل الى حل أمني منقوص في غزة مع حركة حماس، وحل أمني وسياسي منقوص في الضفة مع السلطة وحركة فتح. وهذا وذاك من شأنهما تعميق الانقسام وجعل الفلسطينيين مستنزفين في صراع داخلي مفتوح زمنياً لا يعلم نهايته سوى الله.

إن الوحدة على أساس برنامج وطني ديموقراطي واقعي، وبصورة تحمي الشراكة والتعددية والتنوع والمنافسة، وتلتزم بالاحتكام الى الشعب بشكل دوري ومنتظم عبر اللجوء الى الانتخابات، وتؤمن حق الأغلبية في الحكم وحق المعارضة بالخلاف، ولكن على أساس الأتفاق أولاً وقبل كل شيء على الركائز العليا للمصلحة الوطنية التي بدون الاتفاق عليها لا يمكن أن تعمل الفصائل الفلسطينية المختلفة في اطار نظام سياسي واحد.

إن استمرار الانقسام يؤدي الى دمار كل شيء، القضية والمشروع الوطني والانسان الفلسطيني، والمستفيد الأكبر،ان لم يكن الوحيد منه هو الاحتلال، وهو لن يؤدي الى صعود "حماس" وانهيار "فتح"، ولا الى العكس، وانما الى انهيار وهزيمة كافة مكونات الحركة الوطنية الفلسطينية بجناحيها الوطني والإسلامي لصالح البدائل الإسرائيلية المختلفة، التي تبدأ باستمرار الوضع الراهن بدون حل، أو فرض الحل الإسرائيلي أحادي الجانب، أو إحياء الخيار الأردني والوصاية المصرية، أو اعتماد حل دولي يحقق المصالح الإسرائيلية، أو حل يفرض دولة الكانتونات ذات الحدود المؤقتة؟؟

إن الوحدة هي الطريق الوحيد الذي يفتح الخيارات والبدائل الفلسطينية، هي الطريق أمام مستقبل فلسطيني تتحقق من خلاله الحرية والعودة والاستقلال.

 

مشاركة: