الرئيسية » محمد ياغي »   23 آب 2015

| | |
أوسلو «حماس»!
محمد ياغي

علم المقارنة يعتبر أحد أهم أدوات البحث من أجل المعرفة واستقراء المستقبل، تعالوا نقارن ما بين تهدئة "حماس" المقترحة واتفاق "أوسلو" في سياق تاريخي. 
عندما وقّع الراحل عرفات اتفاق أوسلو، تم سوق الأسباب التالية لتبرير الاتفاق: مصر خرجت من دائرة الصراع مع إسرائيل بتوقيعها اتفاق كامب ديفيد، سورية تركت الفلسطينيين لوحدهم في الحرب التي شنتها دولة الاحتلال على منظمة التحرير في لبنان العام 1982، الصمود الأسطوري في بيروت أثناء الحرب لم يحرك العرب لوقف العدوان، المعسكر الاشتراكي انهار والمنظمة لم يعد لديها حلفاء يدعمونها، العرب ضد المنظمة ويحاصرونها بعد وقوفها مع العراق في مواجهة التهديد الأميركي، الانتفاضة الفلسطينية بحاجة لرافعة سياسية، المنظمة لم يعد بإمكانها الاستمرار في العمل المسلح لوجودها بعيدة عن خطوط المواجهة.
النتيجة، مفاوضات سرية مع دولة الاحتلال أفضت إلى اتفاق أوسلو العام 1993 والذي أرجأ مناقشة القضايا المتعلقة بجوهر الصراع: الدولة، حدودها، القدس، المستوطنات، وقضية اللاجئين، إلى مرحلة كان يجب أن تبدأ العام 1995، ولكنها لم تبدأ إلى اليوم. 
الأسباب الحقيقية التي دفعت المنظمة لتوقيع أوسلو كانت الخوف من ظهور قيادة فلسطينية بديلة في الأراضي المحتلة بفعل الانتفاضة الأولى ومفاوضات مدريد التي رفضت إسرائيل أن يكون للمنظمة دور فيها، فكت العزلة السياسية عن المنظمة، مضافاً إلى ذلك تحليل لم يكن في مكانه يقول، إن قبول المنظمة بدولة إسرائيل وتنازلها عن 78% من أرض فلسطين التاريخية سيؤدي بالضرورة إلى قبول إسرائيل بدولة فلسطينية على أرض الضفة وغزة والقدس العربية، فقط لو "أثبتنا حسن النية" و"أوقفنا العنف" و"نسقنا أمنياً" مع إسرائيل لنثبت "جديتنا"، فإن الأخيرة ستبارك "لنا" قيام "دولتنا" إلى جوارها مع "التمنيات لنا بالتقدم والازدهار"، كان هذا لسان حال قيادة منظمة التحرير التي أقرت أوسلو. 
الراحل عرفات اكتشف الخطأ الذي وقع فيه، وأن "حسن النية الفلسطيني" كان مقابله تكثيف الاستيطان، ورفض للتخلي عن القدس العربية، ورغبة جامحة بضم غور الأردن إلى دولة الاحتلال، وكانت النتيجة الانتفاضة الفلسطينية الثانية بكل ما لها وعليها تعبيراً عن السقوط المدوي لاتفاق أوسلو. 
لكن الحق يقال، أن دولة الاحتلال لم تكن بخيلة في كل ما يتعلق برموز السيادة الاسمية: جواز سفر فلسطيني (بعد أن توافق هي على استخراجه طبعاً)، معبر فلسطيني بين أريحا والأردن (يختفي داخل غرفه المغلقة طواقم الإدارة الإسرائيلية ليقرروا من يخرج ومن يدخل)، مطار في غزة لا تتحرك طائراته إلا بإذن إسرائيلي، وكان في نصوص الاتفاق ميناء لغزة، لم يبدأ العمل به بسبب الانتفاضة الثانية، وممر آمن بين الضفة وغزة، لو تم افتتاحهما لكان وضعهما أقرب إلى جسر أريحا. 
السياق الذي تبرر فيه "حماس" هدنتها التي تقوم حالياً دولتا قطر وتركيا برعايتها والتفاوض من أجلها مع دولة الاحتلال، لا يختلف كثيراً عن سياق أوسلو. 
لسان حال "حماس" يقول: "نحن" محاصرون منذ ثماني سنوات، مصر شددت الحصار علينا وأغلقت جميع الأنفاق التي اكتشفتها وهي تقوم بإنشاء ممر مائي على طول الحدود مع غزة لهدم أية أنفاق لم تكتشفها بعد. 
غزة تعرضت لثلاثة حروب مدمرة ولم يقف أحد معها ولم يجر إعادة بنائها، لم يعد هنالك دول ممانعة والعرب مشغولون في حروبهم الأهلية وصراعاتهم الداخلية. 
"نحن" قدمنا الحد الأقصى الممكن من جانبنا لتوحيد الضفة وغزة من جديد ولكن السلطة في الضفة ترفض الالتزام بمسؤولياتها. 
إيران قطعت مساعداتها "عنا" لوقوفنا إلى "جانب الشعب السوري" في ثورته. العرب بحاجة لعشر سنوات على الأقل قبل أن تعود القضية الفلسطينية إلى سلم أولوياتهم.  
النتيجة مفاوضات مع دولة الاحتلال عبر الحلفاء "قطر وتركيا" لرفع الحصار الإسرائيلي مقابل هدنة طويلة قد تصل لعشر سنوات. 
الاتفاق يتضمن قيام إسرائيل بفتح معابرها كما كان الحال عليه عندما كانت سلطة منظمة التحرير مسؤولة عن القطاع، ويتضمن أيضاً ممراً "مائياً آمناً وعائماً" يربط غزة بقبرص، وهو بمثابة البديل المؤقت للمطار، أو للميناء الذي وعدت إسرائيل السلطة بإنشائه يوماً ما. 
الفروق بين اتفاق أوسلو والاتفاق المتوقع مع "حماس" تبدو للوهلة الأولى جوهرية لكنها حقيقة مجرد فروق شكلية. 
"حماس" مثلاً لن تتخلى عن المقاومة لكنها ستوقفها لعشر سنوات أو أكثر أو أقل قليلاً. 
الراحل عرفات أوقف المقاومة سبع سنوات وعاد إليها بالانتفاضة الثانية. "حماس" ستوقفها لعشر سنوات ولا يوجد لدينا مبرر للاعتقاد بأن المقاومة ستعود بعد ذلك. 
الاتفاق لا يفرض على "حماس" الاعتراف بإسرائيل مثلما أوسلو -المنظمة. لكن هل حقاً تحتاج إسرائيل اعتراف "حماس"؟ دولة الاحتلال تريد أن تستمر في الادعاء بأن ميثاق "حماس" يتضمن تدمير دولة إسرائيل وإنشاء دولة إسلامية مكانها، هذا يساعدها على تدعيم ادعائها بأن "حماس" حركة إرهابية وليست حركة مقاومة.
لكن أوجه الشبه كثيرة: كلا الاتفاقين، الموقع مع المنظمة "أوسلو" والاتفاق المحتمل مع "حماس"، لا علاقة لهما بوقف الاستيطان، القدس، الحدود، الدولة، اللاجئين.  
كلاهما استهدفا رفع "حصار" أوسلو عن المنظمة، وأوسلو الجديد المحتمل عن "حماس". 
في الحالتين لم يأخذ أحد رأي الشعب الفلسطيني: المنظمة بذريعة وحدانية التمثيل، و"حماس" بذريعة وحدانية تمثيلها للمقاومة. 
كما المنظمة، الأسباب التي ساقتها لتوقيع اتفاق أوسلو لم تكن الأسباب الحقيقية الفعلية للاتفاق، فإن أسباب "حماس" الفعلية للاتفاق أبعد من رفع الحصار، "حماس" دخلت النفق التركي-القطري-السعودي، ولهذا النفق استحقاقات أهمها وقف المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي حتى يمكن توحيد "العرب السنة" في مواجهة "العرب الشيعة". 
أولوية هذا المحور محاربة إيران وكسر شوكتها في سورية والعراق ولبنان واليمن. 
المقاومة ضد الاحتلال توحد العرب، تترك فرصة للادعاء بأن إيران تساعد المقاومة في غزة بينما الآخرون، تركيا وقطر والسعودية مشغولون في حرب طائفية تنهك العرب وتستهلك مصادر قوتهم. 
ترى ماذا وعدوا "حماس" مقابل الهدنة: تحويل غزة لسنغافورة؟ وهل يمكن للمقاومة الحياة بعد خلق شريحة فلسطينية مصالحها الاقتصادية مرتبطة بتجارتها مع قطر وتركيا وربما السعودية وإسرائيل نفسها؟ تجارة يتوقف نجاحها على ضابط "إسرائيلي" يمسك بيده مفاتيح غزة وكذلك يمسك على مينائها العائم. 
أوسلو "حماس" المحتمل ليس أفضل من أوسلو منظمة التحرير، الحق يقال بأنه أكثر سوءاً منه؛ لأنه أولاً، يكرس الانقسام بين الضفة وغزة إلى أن يتغير الحال بإرادة إلهية، وهو ثانياً، جزء من مشروع حرب طائفية كريهة في المنطقة وإن تم تغطيته بلغة رفع الحصار.

مشاركة: