الرئيسية » هاني المصري »   16 تموز 2006

| | |
الفرحة الطبيعية والفارق ما بين "الانسحاب" ونهاية الاحتلال
هاني المصري

انها ايام للفرح، فمن حق الفلسطينيين ان يفرحوا، ففي هذه الايام نشهد لحظات تاريخية لا تتكرر كل يوم، فالفلسطينيون يعيشون ويشهدون احداثاً لم يروا مثلها من قبل. فالمستوطنون في غزة يرحلون منها مجبرين بعد ان مكثوا فيها عشرات السنين، ومن لم يبادر منهم بالاخلاء بصورة "طوعية"، سيتم اخلاؤه قسراً.

الفرح الفلسطيني الذي نشهده اليوم، شهدنا مثله قبل 13 عاماً. وذلك عند توقيع اتفاق اوسلو والشروع في تطبيقه، فبعد توقيع اتفاق اوسلو فرح الفلسطينيون فرحاً كبيراً، وهم يرون قيادتهم ومعها عشرات الآلاف من الكوادر والاعضاء والمقاتلين يعودون الى وطنهم باسلحتهم، وفرحوا وهم يعيشون انسحاب القوات المحتلة من اراض محتلة، واعادة انتشارها في اراض اخرى، وفرحوا ايضاً وهم يساهمون في بناء اول سلطة فلسطينية على الارض الفلسطينية، ويحفرون اسم فلسطين على خارطة العالم الجديدة.

والآن يفرح الفلسطينيون مرة اخرى، لانه لاول مرة تقدم اسرائيل على اخلاء مستوطنات عن اراض فلسطينية محتلة، ويفرحون لان رحيل المستوطنين له مغزى تاريخي كونه يعطي اشارة قوية على سقوط خطة اسرائيل الكبرى، صحيح انهم يخططون ويعملون لكي يقيموا دولة اسرائيل على 90% من ارض فلسطين التاريخية بدلاً من اقامتها على 100% من هذه الارض المقدسة، فهم يتراجعون الى الوراء خطوة واحدة، من اجل التقدم الى الامام عشر خطوات، ولكنهم يتراجعون وهذا امر في منتهى الاهمية.

 

من الفروق المهمة الايجابية، بين ما جرى عند توقيع وتطبيق اتفاق اوسلو، وما يجري الآن في مرحلة تطبيق خطة فك الارتباط عن قطاع غزة، الخطة احادية الجانب، هو ان ما يحدث الآن لم يقدم الفلسطينيون ثمناً نوعياً مقابله، ولم يوقعوا على اي اتفاق يتنازلو فيه عن بعض حقوقهم وارضهم وقضيتهم. اما في اوسلو فقد تنازل الفلسطينيون تنازلات كبرى، ابرزها التنازل عن حقهم في مقاومة الاحتلال ما دام مستمراً، وعن التعامل مع ارضهم وشعبهم وقضيتهم، بوصفها ارضاً واحدة، وشعباً واحداً، وقضية واحدة، ووقعوا في الفخ الاسرائيلي الذي فصل القضايا المترابطة بعضها عن بعض بحيث اصبح لدينا مرحلتان واحدة انتقالية واخرى نهائية، وقسمت الارض بين أ،ب،ج، وغزة والضفة جناحي الوطن الفلسطيني لم يربطهما الممر الحر الامن الذي نص عليه اتفاق اوسلو وبقي حبراً على ورق، ويبدو انه سيبقى حبراً على ورق لحين قيام الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة ذات السيادة، فعبارة رابين الشهيرة المبكرة عن عدم وجود مواعيد مقدسة اعطت الانذار الان عن مصير اتفاق اوسلو وكيفية تطبيقه.

ورغم الفارق الايجابي المذكور، اتفاق اوسلو وما يحدث الآن، الا ان هناك اختلافاً سلبياً مهماً بينهما، وهو ان اوسلو رغم كل قيوده واجحافه بحق الفلسطينيين، ورغم اخطائه وخطاياه، حمل معه املاً بالسلام، بقيام الدولة وحل مشكلة اللاجئين. صحيح ان هذا الامل تمخض عن وهم خالص، ولكن كان هناك امل، حرك الفلسطينيين بقوة واندفاع، كما ان اتفاق اوسلو حدد هدفاً ووضع جدولاً لتنفيذه، وتضمن الاصرار على وحدة الاراضي المحتلة، وعلى ضرورة الانسحاب منها وفقاً لقرارات الشرعية الدولية، اما ما يحدث الآن، فلا مرجعية له على الاطلاق، وكل طرف حر بما يعتقده.

ما يجري الان، وعلى اهمية عدم وجود اتفاق ما بين الجانبين، الا انه يعطي شرعية ما لخطة اسرائيل احادية الجانب، ويتعامل معها بوصفها اللعبة الوحيدة في المدينة، بحيث ان ما يحدث كله يتم تحت سقف خطة فك الارتباط التي وضعها شارون وحكومته، واقنع فيها الادارة الاميركية، وذلك بعد ان قتل خارطة الطريق الدولية.

ان الفلسطينيين لو كرروا بليون مرة انهم يعتبرون الانسحاب من غزة خطوة على طريق الانسحاب الكامل، وجزءاً لا يتجزأ من خارطة الطريق، ولو كرر هذا القول معهم اطراف اللجنة الرباعية، لن يكون لكلامهم معنى اذا لم يتحول الى سياسة فلسطينية وعربية ودولية ضاغطة ترفض التعامل مع اسرائيل وخططها ما لم تقر على الاقل خارطة الطريق الدولية.

فخطورة ما يجرى الآن، ان حكومة شارون تستخدم، وليس ستستخدم، خطة الانسحاب من غزة، للتغطية على تعميق الاحتلال بكل جوانبه في الضفة، وخلق امر واقع يجعل حل دولة الكانتونات هي الحل الوحيد الممكن.

ولمن يقول: ان تكثيف الاستيطان وبناء الجدار وتهويد القدس ومواصلة العدوان العسكري، مستمر قبل وبعد طرح خطة فك الارتباط، نقول له ان مبادرة اسرائيل بطرحها جاءت لانها تدرك انها لن تستطيع ممارسة سياستها الاحتلالية الاستيطانية العنصرية نفسها ولا تكثيفها، دون الاقدام على تنازل ما، وهذا "التنازل" ارتأى شارون انه الانسحاب من غزة وهو يهدف الى قطع الطريق على خارطة الطريق وكافة المبادرات الاخرى وخصوصاً مبادرة السلام العربية، ويقطع الطريق على قيام دولة واحدة بين النهر والبحر، وعلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وذات سيادة.

ولمن يقول: ان من يتحدث عن تحول قطاع غزة الى سجن كبير يستهدف التقليل من اهمية الانسحاب من غزة، اقول: ان من الاهداف الاسرائيلية الثابتة تحويل غزة الى سجن كبير مع غطاء روحي، اسرائيل حتى الآن دولة محتلة امام المجتمع الدولي، بعد الانسحاب من غزة تنوي اسرائيل الاعلان عن انهاء احتلالها لقطاع غزة، متجاهلة بذلك وحدة الاراضي المحتلة العام 1967، وذلك حتى تستطيع التنصل من الالتزامات القانونية التي يفرضها القانون الدولي الانساني على الدول التي تحتل بلداناً وشعوباً ودولاً اخرى.

اسرائيل او بعض اسرائيل، يريد ان يتحول قطاع غزة الى سجن كبير والى فوضى والى كارثة انسانية حتى يثبت ان الفلسطينيين لا يستحقون حتى تقرير المصير واقامة دولة مستقلة ما يعطي الحق لاسرائيل، ولكل من يريد من العالم، التدخل في شؤونهم الداخلية والتصرف بمصيرهم، هناك مسافة كبيرة بين "الانسحاب" ونهاية الاحتلال، واذا تجاهلنا هذه المناسبة لأن هناك من يريد ان يضخم الانتصار الذي حدث، لكي يضخم دوره في هذا الانتصار نكون قد اخطأنا خطأ جسيماً لا يقل عن الخطأ الذي ارتكبناه، وقت الاحتفال بتطبيق اتفاق اوسلو، ألم نحتفل لدرجة إلقاء الورود واغصان الزيتون لجنود الاحتلال ورش الرز عليهم اثناء انسحابهم واعادة انتشارهم.

ان القطاع سيبقى محتلاً، حتى بعد تطبيق خطة فك الارتباط، لان الادعاء الاسرائيلي بانهاء الاحتلال يتعارض مع مبادئ واحكام القانون الدولي، فاسرائيل ستبقى قوة احتلال بما انها ستحافظ فعلياً على سيطرتها على المجالين الجوي والبحري، والطيف التذبذبي وتحافظ على سيطرة جزئية على المعابر بما يقيد من حرية الفلسطينيين في الحركة، وهذا اذا طبق الاتفاق حول الانسحاب بحرفيته، لكن التجربة علمتنا ان ما يتفق عليه شيء وان ما يجري تطبيقه على ارض الواقع شيء آخر، يكفي للبرهنة على ذلك ان نتساءل: اين اتفاق اوسلو؟ وهو الاتفاق الذي لا يزال رسمياً وقانونياً يحكم العلاقات ما بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي! واين اتفاق باريس الاقتصادي؟ واين خارطة الطريق؟ واين...؟ واين..؟

اعرف ان قول الحقيقة المرة مزعج ويقلل من اهمية الانتصار، ويضع له حدوداً واقعية، ولكن الكاتب والصحافي يجب ان يكون رائد اهله. والرائد لا يكذب اهله!! اللهم اشهد انني قد بلغت.

 

مشاركة: