الرئيسية » هاني المصري »   06 كانون الثاني 2007

| | |
ومضى عام آخر.... كل عام وانتم في حال أحسن من هذا الحال
هاني المصري

أكتب هذا المقال في مستهل عام جديد، وشريط الذكريات لاحداث العام الماضي يمر أمامي لأخرج باستنتاج أعتقد أن الكثيرين يوافقونني عليه وهو أن عام 2006 كان من اسوأ الاعوام التي شهدها الشعب الفلسطيني في تاريخه المعاصر.

فقد شهد هذا العام، تفاقم الازمة التي يعيشها النظام السياسي الفلسطيني، من خلال حدوث تدهور ملموس على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والامنية، والى تراجع كبير في مكانة القضية الفلسطينية حين بدت وتحولت الى قضية انسانية بدلا عن حقيقتها كقضية تحرر وطني.

اسوأ ما شهده عام 2006 اراقة الدم الفلسطيني بأيد فلسطينية، بحيث تم تجاوز الخط الاحمر عبر نشوب عدة جولات اقتتال. ورغم الهدوء الحذر الذي شهدناه في اواخر العام الماضي، الا ان تجدد الاقتتال هذه الايام، وبضراوة يذكرنا بأن شبح الحرب الاهلية لا يزال يخيم في سماء فلسطين رغم انها تحت الاحتلال، وهذا يشكل مفارقة غريبة جداً.

 

لا أمانع بالقول ان الفلسطينيين اذا لم يتفقوا على حكومة وحدة وطنية او حكومة كفاءات متفق عليها فهم سيكونون امام ثلاثة احتمالات لا رابع لها.

الاحتمال الاول: استمرار الحكومة الحالية وما يعنيه ذلك من استمرار الازمة الحالية وربما تدهور أكثر.

الاحتمال الثاني: الذهاب الى انتخابات مبكرة متفق عليها فلا انتخابات بدون وفاق، فأي طرف يستطيع تعطيل الانتخابات فكيف اذا كان هذا الطرف هو الحكومة ويملك الاغلبية في المجلس التشريعي. ويمكن للوفاق حول الانتخابات ان يتحقق بعدة طرق منها اذا قررت حماس ان تشارك بالانتخابات باللحظات الاخيرة رغم معارضتها لاجرائها لاسباب سياسية وقانونية.

الاحتمال الثالث: الانزلاق الى الحرب الاهلية التي لا تبقي ولا تبرر، ولا تذر فلسطينياً فيها، فالمنتصر الوحيد فهيا هو الاحتلال، الذي سيفرض شروطه على الطرف المنتصر الذي سيخرج ضعيفاً مثخنا بالجراح بلا مصداقية ولا شرعية.

استقبل الفلسطينيون عام 2006 بامل عظيم وتفاؤل كبير كونه بدأ بإجراء الانتخابات التشريعية بمشاركة الغالبية العظمى من القوى والاحزاب والافراد باستثناء الجهاد الاسلامي وحزب التحرير.

وقد علقنا على هذه الانتخابات امالاً عريضة لانها حملت، ولا تزال تحمل امكانية انضواء الكل الفلسطيني تحت لواء كيان واحد ومظلة شرعية واحدة، وهذا امر من شأنه ان يقوي الموقف الفلسطيني على جميع الاصعدة والمستويات.

فمنذ اتفاق اوسلو وقع خلاف كبير، أخذ شكل الانقسام السياسي والشعبي، ومع تعثر هذا الاتفاق وتجاوز اسرائيل له، نمت الاحزاب والقوى ذات الاتجاه الاسلامي، وخصوصاً حركة حماس، بحيث اصبح هناك ازدواج في الوضع الفلسطيني بين م.ت.ف والسلطة الشرعية التي تمثلانها، وبين حركتي حماس والجهاد الاسلامي وشرعية المقاومة التي تعتمدان عليها بحيث لا بد من الحسم.

وكان الحسم كما يجب ان يكون دائماً ديمقراطياً وعبر اللجوء الى صندوق الاقتراع وتراجعت الافكار والخيارات التي كانت تدعو الى تأجيل الانتخابات لاسباب عديدة منها ما يتعلق برفض الانتخابات تحت الاحتلال خصوصا بعد انتهاء الفترة الانتقالية، لان اجراءها يعطي شرعية جديدة للاحتلال. ومنها ما يخص الخوف من الخسارة، ومنها ما يتعلق بضرورة توفير شروط مناسبة لاجراء الانتخابات مثل:

اولاً: الاتفاق على استراتيجية واحدة لان الشعب الفلسطيني يجب ان يحكمه قانون الوحدة لانه تحت الاحتلال، والتعددية والتنافس والخلاف يجب ان يتم في اطار الوحدة.

ثانياً: اقرار قانون الاحزاب السياسية الذي ينظم مشاركة الاحزاب في الحياة السياسية بصورة عامة، والانتخابات بصورة خاصة.

ثالثا: اعادة النظر بالنظام السياسي الفلسطيني الذي اصبح بعد استحداث منصب رئيس الوزراء لاضعاف قيادة ياسر عرفات نظاماً مختلطاً رئاسياً-برلمانياً، فلا هو رئاسي ولا هو برلماني، وهذا وفر الارضية المناسبة للتنازع على السلطات والصلاحيات والوظائف وأوجد ما اصطلح على تسميته ازدواجية السلطة بين الرئيس والحكومة حينا، وسلطة برأسين حيناً آخر.

رابعا: تغيير القانون الانتخابي بحيث يقوم على نظام انتخابي واحد، هو نظام التمثيل النسبي بدلا من القانون الحالي الذي يعتمد نظام الدوائر ونظام التمثيل النسبي مناصفة. الشروط السابقة كانت ضرورية سابقا قبل الانتخابات الاخيرة، واصبحت لا غنى عنها الان، اذا اردنا الذهاب لانتخابات مبكرة تقدم حلا للازمة التي نعانيها، لا انتخابات تعمق الازمة وتكون قفزة في المجهول.

فالازمة التي نعاني منها، أكبر من ان تحل بمجرد التوجه الى انتخابات، مثلما هي أكبر من مجرد حصار. فالازمة كانت قبل الحصار وتعمقت بعده. الازمة ازمة فشل المشروع الوطني، برنامج العودة والحرية والاستقلال، بعد بؤس النموذج الذي قدمته السلطة خصوصا في ظل انتشار الفساد وسوء الادارة، وبعد انهيار عملية السلام واتفاق اوسلو واتجاه اسرائيل لفرض حلها احادي الجانب عبر القوة وفرض الحقائق على الارض التي تجعله هو الحل الوحيد الممكن. وبعد رحيل الزعيم التاريخي ياسر عرفات وما ادى اليه من فراغ قيادي وازمة داخل فتح (العمود الفقري للمنظمة والسلطة) وفي مختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني ولم يتم ملء هذا الفراغ عبر توزيع سلطات ياسر عرفات وصلاحياته على المؤسسات وتفعيلها ودمقرطتها، فقد تقدمت حماس، وتقدمت مراكز القوى لملء الفراغ، في ظل الخلاف على الرؤى والبرامج وعلى من هو صاحب القرار والصلاحيات، الامر الذي ادى الى تفاقم حالة الفوضى والفلتان الامني.

رغم كل ما سبق، من حق الفلسطينيين ونظامهم السياسي ورئيسهم ان يفتخروا بانهم عقدوا الانتخابات رغم الظروف السيئة، واجروا عملية تداول ونقل للسلطة بعد نتائج الانتخابات التي فازت بها حماس.

حماس فازت بالانتخابات، وشكلت الحكومة، ولكنها لم تحكم ولم تمكن من الحكم، لانها تجاهلت انها ستحكم سلطة احد اهم مصادر شرعيتها ووجودها الاتفاقات التي عقدتها المنظمة مع اسرائيل. وحماس لم تحكم لانها وجدت نفسها، وهي غير مستعدة مطالبة بالحكم في سلطة يترأسها رئيس من فتح منافستها الرئيسية، وهو رئيس منتخب وشرعي وله برنامج مختلف عن برنامجها ولديه صلاحيات واسعة، كما وجدت حماس نفسها مطالبة بأن تحكم جيشاً من الاجهزة والموظفين الذين ينتمون في غالبيتهم لحركة فتح.

اضافة الى ما تقدم، فرض بعد فوز حماس وتشكيلها الحكومة، حصار اشد على الفلسطينيين وحوصرت الحكومة حصاراً يكاد يكون شاملاً.

ان هذا الواقع، المستمر حتى الآن، يفرض على جميع الفلسطينيين ما يلي:

اولاً: العمل معا لفك الحصار، وعزل كل من يحاول الاستفادة من الحصار لاضعاف او اسقاط حكومة حماس. فمن يريد السلطة عليه اثبات الجدارة. لان من يمسك السلطة اعتماداً على الاحتلال وحلفائهم سيصبح اداة طيعة في يدهم.

ثانياً: لا يمكن تجاهل ضرورة واولوية حل ازدواجية السلطة والتي تنبع من ازدواجية الرؤى والبرامج والصراع على الصلاحيات والسلطة، وهذا يمكن ان يتم من خلال الاتفاق على برنامج مشترك يستند على وثيقة الاسرى، وبرنامج يجسد المصالحة الوطنية ويلبي الحقوق الوطنية وقادر على جذب تأييد العالم. مثل هذا البرنامج لا يمكن ان يكون بتلبية شروط اللجنة الرباعية، ولا بتجاهل قرارات الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية. ان من اتفق على اعلان القاهرة، ووثيقة الاسرى، وحقق بعض التقارب في مشاورات تشكيل حكومة الوحدة الوطنية قادر إلى الوصول لاتفاق او تعايش، اذا توفرت الارادة اللازمة، والقناعة بان اي خيار غير متفق عليه سيكون اسوأ بكثير على الجميع. وبأن اسرائيل غير جاهزة للسلام، وحتى تنضج للسلام لا بد من وحدة الفلسطينيين على اساس برنامج وطني واقعي يجبرها على السلام.

واذا لم يتم الاتفاق على حكومة وحدة مهما كان شكلها، لا مفر من الاتفاق على الاحتكام الى الشعب وتلبية متطلبات اجراء انتخابات قادرة على تقديم حل للازمة، وذلك من خلال الاتفاق على رؤية استراتيجية وتغيير النظام السياسي وقانون الانتخابات واقرار قانون للاحزاب السياسية.

ان الشعب الفلسطيني عظيم في صموده وتضحياته وتصميمه على تحقيق اهدافه، رغم المعاناة الهائلة، ورغم الاحتلال والاقتحامات والاعتقالات والاغتيالات والاستيطان والجدار وتقطيع الاوصال وفصل القدس وتهويدها، ورغم الحصار المالي والعزلة الدولية.

هذا الصمود استطاع ان يجعل العام الماضي الصعب والسيئ ان يحمل في آخره البشارة. فالعالم الآن أخذ يعترف مجدداً، خصوصاً بعد الهزائم الاميركية والاسرائيلية في افغانستان والعراق وايران ولبنان وسورية وفلسطين، وبعد تقرير لجنة بيكر-هاملتون بأن حل القضية الفلسطينية على اساس الانسحاب الاسرائيلي الكامل من الاراضي المحتلة عام 1967، هو مفتاح حل ازمات المنطقة برمتها.

 

مشاركة: