الرئيسية » هاني المصري »   13 تشرين الأول 2006

| | |
وقع المحظور: مرة أخرى تم اجتياز الخط الأحمر
هاني المصري

بسرعة منقطعة النظير انزلقت الاوضاع الفلسطينية نحو الاقتتال الداخلي، ومرة اخرى تم تجاوز الخط الاحمر، فيما ينذر بتداعيات خطيرة ستلحق افدح الاضرار بالقضية الفلسطينية، والشعب الفلسطيني، والارض الفلسطينية. والسؤال الذي يطرح نفسه، بل الاسئلة الملحة هو وهي: من المسؤول عن هذا التدهور المفزع؟ وكيف يمكن وقفه مرة واحدة والى الأبد؟ هل المسؤول هو الرئيس بوصفه صاحب السلطة العليا؟ أم الحكومة بوصفها صاحبة معظم السلطة التنفيذية؟ أم كلاهما؟ أم الشعب الذي في معظمه صامت ولا يحرك ساكناً؟ هل "فتح" هي المسؤولة لانها لم تستوعب حتى الآن خسارتها في الانتخابات وتخليها عن السلطة؟ أم "حماس" لانها ارادت ان تقود الحكم منفردة، وبرنامج المعارضة وبصرف النظر عن الحقائق والنتائج؟ ام ان "فتح" و"حماس" مسؤولتان بسبب حالة الاستقطاب والثنائية والفصائلية التي فرضتاها على العمل السياسي الفلسطيني كله في هذه المرحلة، التي يبدو ان التعددية والتنوع والمنافسة ستكون ضحيتها الاولى اذا لم يتم انقاذ الوضع قبل فوات الأوان؟ هل الاحتلال هو المسؤول، والتحالف الاميركي - الاسرائيلي الذي فرض الحصار المالي والعزلة الدولية على الفلسطينيين بحجة ان الحكومة لم توافق على الشروط الاسرائيلية الدولية؟ أم ان الاحتلال احتلال ولا يمكن توقع شيء آخر منه، من المسؤول عما حدث، افراد الاجهزة الامنية الذين نزلوا الى الشوارع واغلقوها ومنعوا التحرك، في مخالفة للقانون الذي يحظر على افراد الاجهزة الاحتجاج والتظاهر، فكيف بالاحتجاج باللباس الرسمي وحمل الاسلحة واطلاقها في الوقت الذي يعاني من يطلق النار من الجوع والرصاصة ثمنها الشيء الفلاني؟ أم المسؤول وزير الداخلية الذي لم يفرق بين كونه وزيراً للداخلية،

كونه عضواً قيادياً في حماس، واصدر اوامره للقوة التنفيذية بالانتشار في قطاع غزة وقمع المحتجين والتمرد واعادة النظام العام مهما كلف الثمن؟ أم إن تعثر ووقف الحوار لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وانسداد افق الاتفاق الوطني هو المسؤول؟ أم الحرب الاعلامية والتحريض المتبادل الذي استخدم فيه كل ما في قاموس اللغة العربية من شجب وتنديد واستنكار واقصاء، بحيث اصبحت كلمات ، مثل الانقلابيين، والمتصهينين، والمؤامرة، والكفار والحثالة والانجاس والعصابة والاجرام والتخوين والتخريب والغباء والحقد والميليشيا السوداء هي الكلمات المستخدمة في الحوار الدائر خصوصاً عبر وسائل الاعلام المحلية؟ فالكلمة تكون أحياناً عندما تأتي جارحة وليست في مكانها اسوأ واخطر من الرصاصة او من تخريب سيارة او اعتداء على مؤسسة عامة او خاصة؟ النتيجة من كل ذلك ان الرواتب اصبحت هي القضية وبدلاً من حلها تعقدت اكثر، اما الاحتلال والاستيطان والجدار وتهويد القدس، وتقطيع الاوصال والعدوان العسكري بكل اشكاله فأصبح في الخلف رغم ان حكومة اولمرت اعطت التعليمات لجيش الاحتلال للاستعداد لاقتحام غزة حتى لا تتحول الى جنوب لبنان. الحقيقة ان الغزو الاسرائيلي المقبل لغزة يستهدف الانتقام من الفلسطينيين لتعويض الهزيمة الاسرائيلية في لبنان، وبالتأكيد فان الاحتلال سيجمد خطط اجتياح خاص لعل وعسى يتكفل الفلسطينيون بتأدية المهمة دون تدخله، النتيجة من كل ذلك اندلاع الاقتتال والاشتباكات التي وقع خلالها وبعدها اكثر من عشرة شهداء، و041 جريحاً معظمهم من المدنيين والمارة والذين لا علاقة لهم من قريب او بعيد بصراع "فتح" و"حماس" على السلطة، ولم تنفع مطالبات ومناشدات الرئيس ورئيس الوزراء ولجنة المتابعة بايقاف النزيف، بل انتقل حريق غزة بسرعة الى الضفة، فـ"فتح" تريد ان ترسل رسالة لحماس بأن ما تفعله قوتها التنفيذية في غزة سترد عليه كتائب الأقصى في الضفة. وكان الحصاد مراً ومحزناً وكئيباً، وراحت على الوطن والقضية والمشروع. الاعتداء على مقر رئاسة الوزراء وحرقه امام مرأى ومسمع افراد الشرطة والاجهزة الامنية، وكأن مجلس الوزراء ملك لحكومة حماس، وليس ملكاً للشعب ورمزاً للشرعية والسيادة الفلسطينية، وكرت السبحة: اعتداءات على مؤسسات وجمعيات خيرية وخاصة، اما بالضرب بالرصاص، وإما اعتداءات على افراد وشركات ومصانع ومكاتب خصوصاً مكاتب كتلة التغيير والاصلاح ولم اعد قادراً على ملاحقة حجم هذه الاعتداءات، واستوقفني بصورة خاصة الاعتداء على مراسل الجزيرة في نابلس حسن التيتي حيث اطلق مسلحون النار على بيته وسيارته بعد ان رفض تسليم نفسه لهم، بحجة الاعتراض على رسالة قدمها بصوته عن الاحداث المؤسفة التي شهدتها نابلس يوم الاحد الاسود. ويريدون اخافة الإعلام بدلاً من الرد عليه، الكلمة بالكلمة والحجة بالحجة. الكل مسؤول، بحجم الصلاحيات والمسؤوليات والإمكانات التي يملكها والنفوذ والتأثير الذي لديه، كل مواطن ايضاً مسؤول لعدم قيامه بالتحرك وترك الاستقطاب الفصائلي سيد الموقف لدرجة انه قام باختطاف القضية والشعب واخد يتلاعب بهما، فليس الاهم سوى احتفاظ حماس بالسلطة بأي ثمن، وسوى عودة فتح الى السلطة بأي ثمن، وعلى اية سلطة يجري الصراع، على سلطة محدودة مقيدة، تحت الاحتلال تقف على حافة الانهيار ولا يمنع الاحتلال من دفعها الدفعة الاخيرة نحو الهاوية، سوى انه يخشى من عواقب ذهابها الى الهاوية لجهة ان يتحمل المسؤوليات التي يرتبها القانون الدولي على سلطة الاحتلال. بعدما عجزت الفصائل، على الشعب ان يتحرك، على الاكثرية الصامتة ان تتحرك وتصرخ كفى وتعيد الامور الى نصابها، وتضغط باتجاه الاخذ باحد الخيارات الثلاثة التالية وبالترتيب: اولاً: تشكيل حكومة وحدة وطنية تشارك بها الفصائل والكفاءات الوطنية، على اساس وثيقة الأسرى والمحددات السياسية التي اتفق عليها ابو مازن وهنية وفتح وحماس ثم تراجعت عنها حماس ولم تعد فتح متحمسة لها. ثانياً: تشكيل حكومة كفاءات وطنية من المستقلين، لا تشارك بها الفصائل، ولكن تلتزم بتوفير الحماية لها، وتكون مهمتها خدماتية ادارية، على ان تكون المهمات السياسية من اختصاص "م.ت.ف"، التي من المفترض ان يتم تفعيلها واصلاحها وتأمين مشاركة الفصائل التي لا تزال خارجها، واعادة تشكيل المجلس الوطني على أسس ديمقراطية بحيث تعكس الخارطة السياسية الجديدة. ثالثاً: الدعوة لانتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة اذا فشل الاتفاق على اي من الخيارين السابقين، على ان تقوم بالتحضير لهذه الانتخابات حكومة مقلصة يرئسها شخصية وطنية مستقلة متفق عليها. لا يوجد خيار او بديل عن الخيارات السابقة، وكلها خيارات يجب الاتفاق عليها، لان عدم الاتفاق يؤدي الى الصدام، والصدام لن يُبقي ولن يذر، واذا حدث - لا سمح الله - ستعاد القضية الفلسطينية عشرات السنين الى الوراء. لا يوجد حسم عسكري للخلافات الداخلية، ولا يوجد منتصر في الحرب الفلسطينية، بسبب وجود عدو مشترك يستهدف الجميع، وبسبب وجود تعادل في القوى، وحرص من اسرائيل واطراف مختلفة على اذكاء الصراع والاحتراب الداخلي "والمنتصر" في الحرب الاهلية اذا كان هناك منتصر سيكون ضعيفاً ومثخناً بالجراح، وسيكون ذليلاً امام الاحتلال الذي يستطيع ان يفرض عليه شروطه واملاءاته!!

 

مشاركة: