الرئيسية » هاني المصري »   16 تشرين الثاني 2010

| | |
وعد أوباما؟
هاني المصري

رغم ان ورقة الضمانات الاميركية الاسرائيلية التي تمنحها انجازات استراتيجية امنية و عسكرية وسياسية على المستويين القريب و البعيد، ليست نهائية، كما صرح نتنياهو كنوع من الدلال في محاولة منه لتحسينها أكثر و أكثر لصالح اسرائيل، وحتى يقلل عدد المعارضين لها داخل حكومته، حتى تبدو اسرائيل و كأنها مرغمة عليها لكي تشجع الفلسطينيين على الموافقة على استئناف المفاوضات، الا أنها تشكل تحالفا امنيا وسياسيا اعمق بين اميركا و اسرائيل مقابل تجميد جزئي و مؤقت للاستيطان يستثني القدس. ان اقرار ورقة الضمانات نهائيا بمثابة وعد اميركي يذكرنا بوعد بلفور الذي منح فيه من لم يملك لمن لا يستحق.


ان التفاوض المباشر بعد وعد اوباما يعد امرا اخطر و اسوأ بكثير من التفاوض المباشر دون مسرحية التجميد المترافقة مع المزايا الهائلة التي تمنح لاسرائيل. فالمفاوضات دون شروط و لا ضمانات اميركية لاسرائيل و دون اتفاقات مع الفلسطينيين تمكنهم من طرح مواقفهم الاصلية و المطالبة بالعودة الى المرجعية الدولية التي تآكلت مع الايام منذ مؤتمر مدريد 1991 وحتى الآن.

فالتفاوض بعد وعد اوباما سيصبح بين فلسطين من جهة و اسرائيل و الولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى.

فإداره البيت الأبيض بهذا الوعد التزمت بعدم طرح مسألة تجميد الاستيطان مرة اخرى، وهذا يعني أن الاستيطان بعد فترة الثلاثة اشهر سيكون شرعيا أو مقبولا على الأقل.

ولا أحد يستطيع أن يضمن نجاح المفاوضات بالتوصل الى اتفاق على الحدود خلال ثلاثة اشهر و لا حتى خلال ثلاث سنوات ما دامت الحكومة الاسرائيلية تربط ما بين ترسيم الحدود و بين الاعتراف باسرائيل كدولة للشعب اليهودي، وبين الاتفاق على ترتيبات امنية تضمن مواجهة التهديدات الأمنية لاسرائيل الان و في المستقبل.

واذا ترجمنا ما سبق الى اشياء ملموسة فان اي ترسيم للحدود بحاجة الى الاعتراف بضرورة ان تكون الدولة الفلسطينية القادمة دون القدس، أو على الأقل دون معظم القدس الشرقية المحتلة، ومنزوعة السلاح ولا تسيطر على الحدود و الأجواء ودون سيادة، لأن اسرائيل تصر على استمرار تواجد القوات المحتلة الاسرائيلية على الحدود الشرقية و الغربية للدولة الفلسطينية العتيدة، وبعمق لا يقل عن عدة كيلومترات ويصل الى 15 كيلو مترا في العديد من المناطق خصوصا لجهة نهر الأردن ، كما يجب أن تحتفظ اسرائيل بمحطات انذار و مواقع عسكرية اسرائيلية في مناطق مختلفة من الضفة ، وبحق التدخل العسكري لمواجهة اي تهديد ، ما يذكرنا بحق المطاردة الساخنة الوارد في اتفاق اوسلو و ملحقاته، والذي سمح لاسرائيل أن تدخل الى أي مكان وقتما تشاء و لأي سبب كان اذا اعتقدت ان هناك ما يهدد أو يمكن ان يهدد الأمن الاسرائيلي.

و الأنكى و أمر ان الاداره الاميركية ورغم ان وعد اوباما لا يتضمن مطالبة الفلسطينيين بالاعتراف بدولة اسرائيل كدولة يهودية الا ان هيلاري كلينتون قالت بعد لقائها نتنياهو ان بلادها تضمن ذلك واعادت التأكيد على ما ورد في رسالة الضمانات التي قدمها الرئيس الأميركي السابق جورج بوش لشارون حين قالت ان المفاوضات ستسعى لردم الفجوة القائمة بين الرغبة الفلسطينية في اقامة دولة مستقلة سيادية على اساس حدود 1967 مع تبادل الاراضي بالتراضي وبين الهدف الاسرائيلي المتمثل بحماية وجود دولة يهودية ذات حدود آمنة و معترف بها تعكس التطورات الميدانية الحاصلة و تلبي الاحتياجات الأمنية الاسرائيلية علما أنه سيتم أخذ هذه الاحتياجات بعين الاعتبار ضمن أي اتفاق سلام مستقبلي.

ان التطور السيء جدا المتمثل بوعد اوباما لنتنياهو اصاب القيادات الفلسطينية الرسمية بارتباك شديد ظهر في تصريحاتها التي تباينت بين الدعوه لانتظار توضيح و ابلاغ رسمي اميركي حتى يتحدد الموقف الفلسطيني، و بين الاستدراك و القول ان هذا العرض الأميركي اذا صح مرفوض جملة و تفصيلا، و ان اي تجميد للاستيطان يجب ان يكون شاملا و ليس مربوطا بتقديم اية ضمانات.

قلنا سابقا، و نكرر القول حاليا ان الانتظار ليس سياسة، بل هو سياسة قاتلة، و كان من المفترض على القيادة الفلسطينية ان تبلور موقفا شاملا على ارضية الرفض الكامل للتجميد الجزئي للاستيطان و الذي يتسلل تحته محاولة اسرائيلية للتوصل الى اتفاق اميركي – اسرائيلي على كل او معظم عناصر الحل النهائي.

كان لابد من المبادرة بابلاغ الادارة الأميركية قبل اتفاقها مع الحكومة الاسرائيلية بأن لا مفاوضات مباشرة مع اسرائيل بعد ان تحصل على ضمانات استراتيجية اميركية لأن هذا يقضي على اية امكانية للتفاوض الحقيقي، و يضع المفاوض الفلسطيني تحت رحمة المفاوض الاسرائيلي بموافقة و مباركة اميركية ، و يطرح ضرورة اعادة النظر بالموافقة على رعاية الادارة الاميركية للمفاوضات، لأنها اصبحت منحازة كليا و بصورة غير مسبوقة لاسرائيل.

ان هذا التطور السلبي بالموقف الاميركي يتطلب الاصرار على عودة ملف القضية الفلسطينية الى الاسرة الدولية، ليس كردة فعل، أو كتكتيك لتحسين شروط استئناف المفاوضات و انما كاستراتيجية جديده تنطلق من القناعة من ان استئناف المفاوضات دون شروط ، أي وفقا للشروط الأميركية و الإسرائيلية ، و خصوصا بعد وعد اوباما ، اصبح أكثر من مجرد خطأ وانما خطر داهم يهدد القضية الفلسطينية بالتصفية من جميع جوانبها تحت ادعاءات السعي لحلها عبر التوصل الى اتفاق سلام دائم.

ان اي اتفاق سلام لا يتضمن انهاء الاحتلال من خلال انسحاب القوات المحتلة الاسرائيلية من جميع الأراضي المحتلة العام 1967 بما فيها القدس، و حل مشكلة اللاجئين حلا عادلا وفق قرار 194، لن يقود الى السلام و انما مجرد هدنة جديدة ستنهار عاجلا ام آجلا و ستعيد المنطقة الى موجة جديدة من الحروب و الدمار و الموت.

ان انجاز الحقوق الوطنية بحاجة الى تغيير موازين القوى بحيث يصبح الاحتلال الاسرائيلي مكلفا لاسرائيل و الولايات المتحدة الاميركية أكثر من الأرباح التي تعود عليهما منه، وهذا يقتضي استراتيجية فلسطينية جديدة قادرة على استخلاص الدروس و العبر من التجارب السابقة و تعزيز عوامل الصمود وانهاء الانقسام واستعادة الوحدة وتنظيم مقاومة شاملة للاحتلال بكل الاشكال المشروعة و المثمرة بما يفتح الطريق على تحرك سياسي و مفاوضات قادرة على انهاء الاحتلال و تحقيق الحرية و العودة و الاستقلال !!

 

مشاركة: