الرئيسية » هاني المصري »   14 أيار 2006

| | |
وثيقة الوفاق الوطني: بارقة أمل
هاني المصري

وسط الظلام الدامس الذي يحيط الاجواء الفلسطينية بسبب الاحتلال وعدوانه العسكري وحصاره الخانق، وجراء العزلة الدولية المفروضة على السلطة، خصوصاً الحكومة، او على خلفية الخلاف الفلسطيني الداخلي الناجم عن اختلاف البرامج السياسية والمصالح الفئوية والتنازع على الصلاحيات، جاء النور من وراء المعتقلات الاسرائيلية، من خلال وثيقة الوفاق الوطني التي وقعت عليها فتح وحماس والجبهتان الشعبية والديمقراطية والجهاد الاسلامي.

قبل وثيقة الوفاق الوطني كنت من المتشائمين جدا من الحوار الوطني، ليس بسبب الخلاف السياسي والتنازع على الصلاحيات، وانما بسبب تغليب ما اراه من المصالح الفردية والجهوية والفصائلية والفئوية على المصلحة الوطنية العليا والقواسم المشتركة. فرغم حدة وجوهرية الخلاف السياسي الا اننا في مرحلة شهدنا خلال الاعوام الستة السابقة، وخصوصاً خلال العام الاخير، تقاربا في البرامج السياسية لم يسبق له مثيل، على الاقل منذ توقيع اوسلو حتى الان. ففتح باتت مدركة ثغرات اوسلو أكثر من أي وقت مضى ومقتنعة بان المفاوضات ليست الخيار الوحيد. وحماس ادركت اهمية المفاوضات وعملية السلام بعد ان كانت تعتقد ان المقاومة هي الخيار الوحيد والتنازع على الصلاحيات يمكن حله بالاحتكام الى القانون الاساسي والحوار لحل اي تباينات وتغليب المصلحة الوطنية.

 

من الناحية النظرية المجردة، وبالنظر الى الظروف الموضوعية، يجد اي محلل وأي مراقب، ان ما يجمع الفلسطينيين أكبر بكثير مما يفرقهم، وهذا يستدعي وحدتهم، فالاحتلال لا يفرق بين فلسطيني وآخر، بين فتح وحماس، بين معتدل ومتطرف. والحلول الاسرائيلية الانفرادية الاستيطانية الاجلائية العنصرية تستهدف تصفية القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها وابعادها، فلا يوجد في هذه المرحلة عرض اسرائيلي يمكن ان يقبله اكثر الفلسطينيين اعتدالا.

ما سبق، يدل على إمكانية الوحدة بشرط توفر الارادة التي تغلب المصلحة الوطنية. عندها لا يصبح هناك فرق كبير من الذي في الحكومة. فالأهم هو البرنامج الموحد.

أهمية وثيقة الوفاق الوطني انها تشكل اساساً صلباً ومتيناً لبلورة برنامج اجماع وطني يجمع ما بين الحفاظ على الحقوق والاهداف وبين فاعلية العمل من اجل تحقيقها. فلا يكفي ان نظل نتحدث عن حقوقنا، دون اتباع اشكال العمل والنضال القادرة على تحقيق هذه الحقوق واذا نظرنا الى الوثيقة سنجد انها اكدت على الأهداف والحقوق من خلال التأكيد على ان الشعب الفلسطيني في الوطن والمنافي يسعى من أجل تحرير ارضه وانجاز حقه في الحرية والعودة والاستقلال، وفي سبيل حقه في تقرير مصيره بما في ذلك حقه في اقامة دولته المستقلة وعاصمتها مدينة القدس الشريف على جميع الاراضي المحتلة عام 1967، وضمان حق العودة للاجئين، وتحرير جميع الاسرى والمعتقلين".

كما أكدت الوثيقة على حق الشعب الفلسطيني في المقاومة والتمسك بخيار المقاومة بمختلف الوسائل وتركيز المقاومة في الأراضي المحتلة العام 1967 الى جانب العمل السياسي والتفاوضي والدبلوماسي والاستمرار في المقاومة الشعبية الجماهيرية ضد الاحتلال بمختلف اشكاله ووجوده وسياساته". وهذه العبارة حسمت او يمكن ان تحسم الجدل الفلسطيني حول أهمية تنفيذ عمليات مقاومة عسكرية داخل اسرائيل، وخصوصاً تلك التي تستهدف المدنيين. فرغم كل التضحية التي جسدها منفذو العمليات الاستشهادية، الا ان هذه العمليات كانت في محصلتها، ضارة بالقضية الفلسطينية، بسبب ان اسرائيل والولايات المتحدة الاميركية نجحتا الى حد كبير في تشويه القضية الفلسطينية عبر تصوير النضال الفلسطيني بسبب العمليات التي تستهدف المدنيين داخل اسرائيل، بانه ارهاب ووضعه في سياق الحرب العالمية ضد الارهاب. وهذا سمح للاحتلال الاسرائيلي باستخدام تفوق اسرائيل العسكري بحرية أكبر حيث استخدمت احدث الاسلحة بما فيها الدبابات والطائرات والبوارج الحربية ضد شعب اعزل لا يملك سوى ارادته على الحرية والاستقلال واسلحة خفيفة.

واهم ما جاء في الوثيقة ادراك موقعيها أهمية انسجام الموقف الفلسطيني مع الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، بما فيها قرارات القمم العربية وقرارات الشرعية الدولية. والاعتراف بـ م.ت.ف كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، وهذا كان حتى الآن، احد اهم الخلافات بين حركة حماس وبقية الفصائل الوطنية والاسلامية، فالمنظمة هي الوطن المعنوي والمرجعية والممثل الشرعي الوحيد، دون ان يتعارض ذلك مع اهمية وضرورة اعادة بناء واصلاح وتفعيل المنظمة بصورة شاملة.

وحتى لا يبدو الكلام السابق إسقاطاً لوجهة نظري الخاصة، على الوثيقة أو رد مقاطع من الوثيقة تؤكد أهمية الانسجام مع الشرعيات الفلسطينية والعربية والدولية، فقد أكدت الوثيقة على "وضع خطة فلسطينية للتحرك السياسي الشامل، وتوحيد الخطاب السياسي الفلسطيني على أساس برنامج الإجماع الوطني الفلسطيني والشرعية العربية وقرارات الشرعية الدولية المنصفة لشعبنا تمثلها منظمة التحرير والسلطة الوطنية رئيساً وحكومة، والفصائل الوطنية والإسلامية، ومنظمات المجتمع المدني والشخصيات والفعاليات العامة، من أجل استحضار وتعزيز وحشد الدعم العربي والإسلامي والدولي السياسي والمالي والاقتصادي والإنساني لشعبنا وسلطتنا الوطنية ودعماً لحق شعبنا في تقرير المصير والحرية والعودة والاستقلال ولمواجهة خطة إسرائيل في فرض الحل الإسرائيلي على شعبنا ولمواجهة الحصار الظالم علينا. وجاء في الوثيقة إن إنجاز حقوق شعبنا يتم "مستندين في ذلك إلى حق شعبنا التاريخي في أرض الآباء والأجداد، وإلى ميثاق الأمم المتحدة، والقانون الدولي، وما كفلته الشرعية الدولية.

كما تضمنت اعترافاً صريحاً بـ م.ت.ف ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني بدعوتها للإسراع في إنجاز ما تم الاتفاق عليه بالقاهرة في آذار 2005 فيما يتعلق بتطوير وتفعيل م.ت.ف وانضمام حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" إليها بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده وبما يتلاءم مع المتغيرات على الساحة الفلسطينية.

وطالبت الوثيقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية على أساس يضمن مشاركة كافة الكتل البرلمانية، خاصة حركتي "فتح" و"حماس" والقوى السياسية الراغبة على قاعدة هذه الوثيقة وبرنامج مشترك للنهوض بالوضع الفلسطيني محلياً وعربياً وإقليمياً ودولياً ومواجهة التحديات بحكومة وحدة وطنية قوية تحظى بالدعم الشعبي والسياسي الفلسطيني من جميع القوى وكذلك بالدعم العربي والدولي.

ودعت الوثيقة إلى تشكيل مجلس وطني جديد قبل نهاية العام 2006 بما يضمن تمثيل جميع القوى والفصائل والأحزاب الوطنية والإسلامية وتجمعات شعبنا في كل مكان وكافة القطاعات والمؤسسات والفعاليات والشخصيات على أساس نسبي في التمثيل والحضور والفاعلية النضالية والسياسية والاجتماعية والجماهيرية، والحفاظ على م.ت.ف إطاراً جبهوياً عريضاً وائتلافاً وطنياً شاملاً، وإطاراً وطنياً جامعاً للفلسطينيين في الوطن والمنافي، ومرجعية سياسية عليا.

وتضمنت الوثيقة نقاطاً أخرى عديدة تؤكد على الطابع الديمقراطي والتعددي وأهمية الابتعاد عن العنف واعتماد الحوار في حل الخلافات الداخلية، وإن المفاوضات من صلاحيات الرئيس ودعمه في المفاوضات على أن يعرض ما يتفق عليه، على المجلس الوطني الجديد للتصديق عليه أو إجراء استفتاء عام حيثما أمكن.

وثيقة الوفاق الوطني، بارقة أمل حقيقية، فهل يتم التقاطها والبناء عليها، هذا ما نأمله ونعمل من أجله

 

مشاركة: