الرئيسية » هاني المصري »   13 حزيران 2009

| | |
هل هنالك فرصة جدية لنجاح الحوار الوطني؟
هاني المصري

 

تمضي الايام، وتدور عجلة الزمن، والاحتلال يتعمق، ويقترب السابع من تموز، وهو الموعد الذي حددته مصر راعية الحوار لتوقيع الاتفاق، بدون أن يحدث حتى الآن تقدم كاف يشير الى أن الاتفاق قادم، بل يستمر الانقسام ويتعمق، وتستمر حملات التحريض المتبادل والاعتقالات حتى وصلت الامور الى حد الاشتباكات المسلحة كما حصل في قلقيلية، بما يكشف عن المصير الاسود القادم اذا استمر الانقسام.

وتشهد المنطقة والعالم حراكا متصاعدا ومتغيرات يجب التعامل معها والتأثير عليها حتى تصب في خدمة المصلحة الفلسطينية. ان المتغيرات المتلاحقة توحي بأن هناك شيئا ما يلوح في الافق، ويمكن أن يكون حلا للصراع من خلال محاولة ادارة أوباما فرضه على الاطراف المختلفة، لأنها تعتقد أن استمرار الصراع في المنطقة يلحق اضراراً فادحة بالمصالح الاميركية.

 

إن هذا الحراك اما أن ينتهي الى لاشيء، في ظل التباعد الهائل بين المواقف الفلسطينية والإسرائيلية بحيث من الصعب، إذا لم يكن من المستحيل ان يصل الى حل في ظل استمرار التعنت الاسرائيلي والانقسام الفلسطيني، الذي يعطي لإسرائيل ذريعة للتنصل ولعدم التجاوب مع المساعي الهادفة لحل الصراع، مما يحمل الفلسطينيين المسؤولية عن اضاعة فرصة جديدة.

أو سيؤدي الحراك السياسي الذي تقوده ادارة أوباما لفرض حل على الفلسطينيين لا يلبي طموحاتهم المشروعة لأنهم في ظل الانقسام في أضعف حالاتهم وعاجزون عن افشال أي حل مهما كان سيئا.

لا يزال الحوار عالقا على عقدة الخلافات التي تبدو وكأنها حول كلمات في البرنامج السياسي لحكومة الوفاق الوطني، وهل سيتضمن كلمة "الالتزام" بالاتفاقات أم كلمة "احترام" الاتفاقات. وحول الانتخابات القادمة وهل ستكون على اساس التمثيل النسبي الكامل، أو مختلطة (نسبي 60 -75%، دوائر 40-25%) وحول كيفية اعادة بناء واصلاح وتوحيد الاجهزة الامنية، وهل ستنفذ هذه العملية في غزة فقط أو في غزة والضفة معا؟

وأمام الطريق المسدود الذي وصل اليه الحوار، بدأ التفكير بحلول لا تقدم حلولاً وانما مخارج شكلية مؤقتة من خلال تقديم اقتراحات تؤدي عمليا ومهما كانت النوايا الى التعايش مع الانقسام، مثل تشكيل لجنة من الفصائل للتنسيق، بين حكومة غزة وحكومة الضفة، أو تشكيل قوة أمنية مشتركة تضم مئات العناصر تتمركز على معبر رفح والحدود، كما تطالب حركة حماس، أو تضم الآلاف وتكون مسؤولة عن قطاع غزة برمته، كما تطالب السلطة.

إن المخرج الوحيد من دوامة الحوار الوطني الذي بدأ في القاهرة منذ عدة شهور بدون نتائج حاسمة حتى الآن، وأخذ يدور حول نفسه، وأصبح عرضة للتحول الى حوار طرشان أو الى الانحراف عن هدفه الاصلي وهو إنهاء الانقسام، من خلال البحث في كيفية التعايش مع الواقع الحالي، اي مع الانقسام الى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا، يكمن في ضرورة تركيز الجهود على بلورة استراتيجية فلسطينية قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية. هذا هو الاستنتاج الرئيسي الذي خرج فيه مؤتمر مركز بدائل السنوي الثالث، الذي عقد مؤخراً تحت عنوان "نحو استراتيجية فلسطينية قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية".

وحتى تتم بلورة الاستراتيجية الفلسطينية المطلوبة لابد من تناول النقاط المحورية التالية :

أولا: ضرورة ارتكاز أية استراتيجية جديدة على "ركائز المصلحة الوطنية العليا" التي توحد الفلسطينيين ويمكن أن تجمعهم في اطار واحد رغم آرائهم واحزابهم المتعددة، وتكون هذه الركائز اعلى وفوق المصالح والبرامج الفردية والحزبية، وبمثابة الميثاق الوطني الجديد أو الدستور القادر على توحيد الفلسطينيين على أسس صلبة وراسخة.

ثانيا: اصلاح وتطوير وتفعيل م.ت.ف، بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، وما يتطلبه ذلك من إعادة تشكيلها، ومختلف مكونات النظام السياسي الفلسطيني، على أسس ديمقراطية تضمن التعددية والشراكة الحقيقية والمساواة وسيادة القانون، وتأخذ المعطيات السياسية الجديدة التي حدثت في الخارطة السياسية للقوى بالحسبان، وبما يحافظ على المصالح والحقوق والاهداف الفلسطينية.

ثالثا: اعادة السلطة الى مكانها الطبيعي بوصفها مرحلة على طريق اقامة الدولة الفلسطينية، وليست غاية بحد ذاتها، وهذا يقتضي اعادة النظر بشكل السلطة ووظائفها، ووضعها بخدمة الشعب والبرنامج الوطني، وباعتبارها اداة من ادوات المنظمة، وليست كما حدث على ارض الواقع حيث ظهرت السلطة هي الاساس والمنظمة مجرد ملحق بها

رابعا: ايجاد مقاربة جديدة للمفاوضات تقوم على الاسس التالية :

أ ــ إن المسار الذي سارت عليه المفاوضات حتى الان لم يحقق السلام والامن والاستقرار، ولم يحقق الاهداف الفلسطينية، بل كان مسارا ضارا بالفلسطينيين، لأن اسرائيل استغلته للمضي قدما في سياسة فرض الحقائق الاحتلالية والاستيطانية على الارض، التي تفرض الحل الاسرائيلي من جانب واحد، وبدون انتظار نتيجة المفاوضات.

ب ــ ان أي مسار جديد للمفاوضات يجب أن لا يكتفي بإقرار اسرائيل بحل الدولتين ووقف الاستيطان والالتزام بالاتفاقيات وخارطة الطريق، كما تطالب القيادة الفلسطينية حاليا، بل من المفترض الإصرار على الاتفاق على الشكل النهائي للحل مسبقا، ومنذ البداية، بحيث يكون انهاء الاحتلال عن جميع الاراضي المحتلة عام 1967، واقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس وحل مشكلة اللاجئين حلا عادلا وفق القرار 194 الذي يضمن العودة والتعويض.

ج ــ الالتزام بالقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصله كمرجعية ملزمة للمفاوضات.

د ــ وقف المفاوضات الثنائية والتمسك بأن تكون المفاوضات في اطار مؤتمر دولي له صلاحيات كاملة وبمشاركة دولية فاعلة، وضمانات دولية تشمل تحديد جدول زمني قصير لإنهاء المفاوضات ووضع آلية تطبيق ملزمة لما يتم الاتفاق عليه.

هـ ــ الوقف التام لكافة الاجراءات التي يقوم بها الاحتلال لفرض أمر واقع يفرض نفسه على اي حل قادم، وهنا لا يجب الاكتفاء بوقف أو تجميد الاستيطان وإنما وقف كافة اشكال العدوان العسكري والحصار والاقتحامات والاغتيالات والاعتقالات ووقف بناء جدار الفصل العنصري، وتهويد القدس وعزلها، وفك الحصار الخانق عن قطاع غزة، وإنهاء السيطرة على احواض المياه ومناطق واسعة يتم منع الفلسطينيين من الاقتراب منها لأسباب وذرائع مختلفة امنية وعسكرية. وهنا يجب الاقلاع عن الحديث عن مجرد تجميد الاستيطان وإنما المطلوب ازالته، ليس بوصفه مجرد عقبة أو اجراء احادي الجانب يضر بعملية السلام وإنما بما هو إجراء غير قانوني وجريمة حرب تنتهك بشكل خطير القانون الدولي.

و ــ الانسحاب من عملية السلام والمفاوضات وفق ما كانت تسير عليه، وعدم العودة لها الا على اساس قبول اسرائيل بمبادرة السلام العربية، بحيث تكون المفاوضات من أجل تطبيق هذه المبادرة والقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية وليست مفاوضات على هذه الاسس التي بدون الاتفاق عليها لا معنى للمفاوضات.

خامسا: ايجاد مقاربة جديدة للمقاومة، لأن خيار المقاومة وفق ما سارت عليه الامور وصل الى طريق مسدود، بحيث أصبح الفلسطينيون حاليا، يجمعون، رغم انقسامهم وخلافاتهم، على طلب التهدئة مع الاحتلال، وهذه المقاربة تقوم على الأسس التالية:

أ ــ التمسك بحق الشعب الفلسطيني بمقاومة الاحتلال بكافة الاشكال بما فيها الكفاح المسلح الذي تقره شرعة الامم المتحده والقانون الدولي.

ب ــ اعتماد المقاومة الشعبية كأسلوب رئيسي للمقاومة، واعادة بناء النظام السياسي كله على اساس ذلك، فالمقاومة ليست امراً يخص بعض المواقع أوالقوى الشعبية، وانما استراتيجية اساسية يجب ان يشارك بها ويعمل من أجل توفير مقوماتها جميع القوى والمؤسسات الرسمية والشعبية.

ج ــ رفض استهداف المدنيين داخل اسرائيل، ووقف اطلاق الصواريخ، باعتبار أن هذين الشكلين ألحقا اضراراً فادحة بالمقاومة الفلسطينية المشروعة، لأنهما مسّا بالتفوق الاخلاقي للقضية الفلسطينية كقضية عادلة، وساعدا اسرائيل على إحداث ربط ما بين المقاومة الفلسطينية المشروعة وما بين الارهاب، كما أنهما دفعا الصراع الى الحسم والى معارك فاصلة تمكنت اسرائيل بسببها من استخدام عناصر تفوقها العسكري بدون ان يملك الفلسطينيون ردا ناجعا قادرا على الحاق خسائر جدية بالاحتلال توازن ولو بشكل بسيط الخسائر الفلسطينية.

د ــ المبادرة للدعوة لوقف اطلاق نار متبادل فلسطيني ــ اسرائيلي يشمل الضفة والقطاع، والكف عن البحث عن تهدئات مجزوءة تجزئ الوطن والشعب وتعمق الانقسام، ولا يستفيد منها سوى الاحتلال.

إن امعان النظر بالنقاط الواردة اعلاه، والتركيز عليها من اجل بلورة استراتيجية فلسطينية قادرة على تحقيق الاهداف الوطنية، هو الذي يمكن أن يوصل الحوار الى نهاية سعيدة، بحيث يتم التوصل الى اتفاق وطني يؤمن الشراكة الحقيقية ويكون قادرا فعلا على انهاء الانقسام واستعادة الوحدة، والسير على طريق دحر الاحتلال وتحقيق الحرية والعودة والاستقلال

 

 

مشاركة: