الرئيسية » هاني المصري »   05 حزيران 2007

| | |
هل تنجح حوارات القاهرة في تحقيق ما عجز عن تحقيقه اتفاق مكة
هاني المصري

هل تنجح القاهرة في تحقيق ما عجزت مكة عن تحقيقه؟ وهل تستطيع حوارات القاهرة ان تعالج الثغرات القائمة في اتفاق مكة بحيث تمنع تجدد الاقتتال الفلسطيني؟

سأضع مكانة ودور مصر والسعودية جانباً على اهميتهما، لانني أعتقد ان الارادة الفلسطينية هي الامر الحاسم سواء في وجود او تجاوز الأزمة الداخلية الفلسطينية الشاملة.

من يسمع تصريحات قادة وممثلي الفصائل الذين يتقاطرون على القاهرة يخرج بان الامور سمن على عسل، وان هذه الحوارات ستنجح عبر التأكيد على اتفاق مكة ومعالجة الثغرات الكامنة به، والتي أدت الى انهياره كما ظهر بالاشتباكات الدامية التي شهدها قطاع غزة في شهر ايار الماضي، وسقط ضحيتها حوالي 60 قتيلاً ومئات الجرحى، ودمار كبير لحق بالعديد من المؤسسات والمنازل وتعطيل الحياة الاقتصادية وتردي الوضع الامني بصورة لم تحصل من قبل.

 

ولكن من يتابع حملات التحريض الاعلامي، ويسمع عن التعبئة الداخلية والتحشيد المتبادل والاستعدادات العسكرية الجارية على قدم وساق، يخرج بان ما تنتهي اليه حوارات القاهرة لن يكون في احسن الاحوال سوى هدنة جديدة، بانتظار جولة الاقتتال المقبلة.

واذا لم نعالج الجذور التي تؤدي الى الاقتتال ولا نكتفي بمعالجة القشور، اخشى من ان تتحقق نبوءة يوفال ديسكين رئيس الشاباك الاسرائيلي الذي قال بان جولة الاقتتال الجديدة ليست سوى مسألة وقت وانها ستكون اشد من سابقاتها.

انا من الذين رحبوا باتفاق مكة وتشكيل حكومة وحدة وطنية، وكتبتُ مقالاً بعنوان 'أهلاً بحكومة الوحدة الوطنية'، ولكنني فعلت ذلك رغم ادراكي بأن هذا الاتفاق وتلك الحكومة لن يكونا اكثر من هدنة، لذلك توقعت وانا ارحب بالحكومة بانها يمكن ان تسقط خلال ثلاثة اشهر، ويمكن ان تصمد ثلاث سنوات. ولتفسير هذا التوقع المتناقض اقول ان الاساس الذي قامت عليه الحكومة هش وقابل للكسر في اية لحظة، لذلك يمكن ان تسقط خلال ثلاثة اشهر، فالحكومة قامت على تعايش بين برنامجين وعلى المحاصصة الثنائية.

من يستمع الى آراء ومواقف الرئيس ورئيس الحكومة ووزراء فتح وحماس حول الاحداث والتطورات والقضايا بما فيها المفاوضات واللقاءات بين ابو مازن واولمرت والتهدئة والمقاومة خصوصاً مسألة اطلاق الصواريخ، وصفقة تبادل الأسرى، والاتفاقات الموقعة، ومبادرة السلام العربية، ودور وجلسات المجلس التشريعي...الخ، يدرك اننا امام برنامجين مختلفين. وهذا يقود في احسن الاحوال الى حكومتين في حكومة.

واذا نظرنا الى البدائل المخيفة عن حكومة الوحدة الوطنية، والى عدم القدرة على الحسم العسكري او الحسم الديمقراطي، نصل الى اعتقاد بأن الحكومة رغم الاساس الهش الذي تستند اليه فيمكن أن تعمر ثلاث سنوات.

ان الخلاف حول الاجهزة الامنية وصلاحياتها وكيفية تطبيق الخطة الامنية وتشكيل مجلس الأمن القومي ودور النائب محمد دحلان فيه كان الشرارة التي اشعلت النار، وأدى الى جولة الاقتتال الاخيرة. وهذا يعود الى ان اتفاق مكة لم يحدد بالضبط كيف سيتم التعامل مع الملف الامني. التعامل مع هذا الملف إما ان يجري على اساس توفر الارادة لاصلاح الاجهزة الامنية وتطهيرها وإبعادها عن الاستقطاب والحزبية وجعلها اجهزة للوطن وتخضع للقانون، وحل الميليشيات العائلية والفصائلية المسلحة، وتنظيم المقاومة وربطها بمرجعية وطنية واحدة وتمييز سلاحها عن سلاح الجريمة والزعرنة والفوضى الامنية والاستعراضات المسلحة، او يجري التعامل مع الأمن على أساس التقاسم والمحاصصة بين فتح وحماس. وهذا يعني على ارض الواقع ان تحتفظ فتح بالاجهزة الامنية الموالية لها، وتحتفظ حماس بالقوة التنفيذية الموالية لها، على ان يتم البحث عن كيفية التنسيق والعمل المشترك عبر تشكيل قوة مشتركة، واعطاء صلاحيات أكبر للحكومة ووزير الداخلية على الاجهزة التابعة لها وفقاً للقانون.

ان تقاسم الكعكة السلطوية اذا وصل الى الاجهزة الامنية يعني ان السلطة الواحدة ستكون سلطات متعددة، وهذا وصفة مؤكدة لابقاء شعلة الاقتتال متقدة وجاهزة للاشتعال في اية لحظة. فسلاح الشرعية يجب ان يكون واحداً وموحداً وخاضعاً لقيادة واحدة وبرنامج واحد حتى يستطيع ان يوفر الأمن والنظام العام، وان يردع السلاح غير الشرعي، سلاح الفوضى والجريمة والزعرنة.

اما اذا استمرت الاجهزة الامنية على حالها، فستبقى طرفاً في الصراع الداخلي، ولن تكون قادرة على منع تجدد الاقتتال. كما ستبقى تخشى من التعامل مع سلاح الميليشيات العائلية والفصائلية. فعلى سبيل المثال لا الحصر، لو قررت فتح والاجهزة الامنية الموالية لها التصدي لخاطفي آلان جونستون (جيش الاسلام) ستخشى من عواقب ذلك على صعيد قيام حماس بتوظيف هذه المعركة لصالحها في اطار الصراع المفتوح بين فتح وحماس، والعكس ايضاً صحيح، ولكن لو توفرت ارادة وطنية موحدة، تدعمها فتح وحماس ستجعل الاجهزة الامنية قادرة على سحب كل السلاح غير الشرعي، ومعاقبة المجرمين والعابثين في الارض الفلسطينية خراباً.

عدم توفر هذه الارادة الموحدة، يجعل 'جيش الاسلام' وغيره من الميليشيات ينعم بالحرية والأمان حتى بعد ان يرتكب جريمة بحجم اختطاف جونستون طوال هذه الفترة. وحتى بعد ان قدم مطالب تتعلق باطلاق سراح معتقلين ينتمون للقاعدة مثل ابو قتادة المعتقل في بريطانيا، وساجدة العراقية المعتقلة في الاردن، ان هذه المطالب تجعل جريمة خطف جونستون مضاعفة لانها تصور الفلسطينيين على غير حقيقتهم، بانهم لا يقاتلون من اجل حرية وطنهم، وانما يحاربون معارك الآخرين، ما يسهل على اعدائهم ادراجهم في الحرب العالمية التي تخوضها الولايات المتحدة الاميركية وحلفاؤها ضد الارهاب.

قلنا ونعيد التأكيد ان مفتاح تجاوز حالة الصراع الداخلي والاستقطاب الحاد، يكمن في الاتفاق على مرجعية واحدة ينبثق عنها برنامج سياسي منسجم يحدد القواسم المشتركة، وفي اعتماد الشراكة الوطنية بدلاً من المحاصصة الفصائلية سواء كانت ثنائية او تشمل كافة الفصائل. فالوطن للجميع وليس للفصائل فقط. والشعب يضم قطاعاً خاصاً ومنظمات اهلية ومجتمعية وشخصيات وطنية مستقلة ويجب اشراكها في القرار، وفي كل انواع الحوارات التي تجري سواء كانت لتشكيل الحكومات او للاتفاق على البرنامج الوطني، او للمصالحة الوطنية وللتهدئة او لتفعيل وتطوير م.ت.ف.

إهمال الشعب سيزيد الهوة الموجودة اصلاً ما بين الشعب والفصائل، بين الشعب والقيادة!! وهذا سيزيد الفلسطينيين ضعفاً على ضعف!!

 

 

مشاركة: