الرئيسية » هاني المصري »   13 كانون الثاني 2007

| | |
هل تستطيع المبادرة السعودية وقف نزيف الدم الفلسطيني بأيادٍ فلسطينية؟
هاني المصري

 

مبادرة العاهل السعودي لاستضافة جولة جديدة للحوار الفلسطيني مهمة جداً. فهي إن لم تستطع أن تحدث اختراقاً يكفل وقف الاقتتال الفلسطيني ويمنع الانزلاق الى الحرب الاهلية الفلسطينية، يمكن ونأمل أن تستطيع أن تضع أحجاراً كبيرة في طريق الانزلاق الى الفوضى والدمار والموت الذي تسير فيه الاطراف المتصارعة بوعي او دون وعي، بحسن نية او بسوئها، لا فرق فالنتيجة واحدة. فالسعودية لها وزن كبير في العالم العربي، وتربطها علاقات وثيقة مع حركتي فتح وحماس، والرئيس ابو مازن وخالد مشعل، لذلك تمت المسارعة فوراً لقبول الدعوة السعودية، الأمر الذي لم يحدث مثله بالنسبة لدعوات كريمة اخرى قدمتها اطراف عربية اخرى قريبة جغرافياً او بعيدة عن فلسطين. ونتوقع ان تلقي السعودية بكل ثقلها، والعاهل السعودي بكل ثقله لوقف نزيف الدم الفلسطيني وتحقيق الاتفاق على حكومة الوحدة او على التعايش وحل الخلافات سلمياً وديمقراطياً.

نأمل وندعو ونعمل، أن تكون الايام السوداء منذ الخميس الماضي الموافق 25 من كانون الثاني العام 2007، حتى مساء الاحد الموافق الثامن والعشرين من الشهر نفسه قد دقت كل أجراس الإنذار والخطر، ففي هذه الايام سقط عشرات القتلى وأضعافهم من الجرحى غير الدمار المادي والمعنوي، وتحولت شوارع قطاع غزة في اكثر من منطقة الى ساحة حرب يتقاتل فيها الإخوة، الإخوة بكل معنى الكلمة، فحالة جبريل الرجوب ونايف الرجوب ليست حالة فردية، فالكثير من الإخوة بالدم ينقسمون ما بين الانتماء لفتح وحماس، وما بين الانضواء للأمن الوقائي او الأمن الوطني او الرئاسي وللقوة التنفيذية.

خطورة ما يجري انه يقربنا سريعاً من الانزلاق، اذا لم نكن قد انزلقنا فعلاً الى الحرب الاهلية. والحرب الاهلية اذا ما اندلعت لن تتوقف قبل سنوات وقبل أن تأكل الأخضر واليابس. لنتذكر ما جرى في الجزائر. وفي هذه السنوات سيتم فيها ضياع القضية الفلسطينية وتدمير مقومات الحياة الفلسطينية، ما يساعد اسرائيل على استكمال مخططاتها، ويدفع الفلسطيني للهجرة لمن يستطيع لها سبيلاً، ونحو اليأس والإحباط لمن يتبقى كارهاً. فالفلسطيني تحمل الأهوال التي واجهها جراء الاحتلال ومستعد لأن يتحمل أكثر، لدرجة استحق الشعب الفلسطيني اللقب الرباني الذي أطلق عليه وهو شعب الجبارين ولكنه لن يقوى على احتمال تقاتل الإخوة.

من الخطأ أن يعتقد أحد، بل مجرم من يعتقد، أن هناك امكانية لحسم الخلافات الفلسطينية عسكرياً. استحالة الحسم العسكري ترجع الى عدم وجود مطارات ومعسكرات جيش اذا استطاع طرف السيطرة عليها يحسم الموقف لصالحه، كما ترجع ايضاً الى أن فلسطين كلها لا تزال محتلة، واسرائيل المحتلة، تملك التأثير المباشر وغير المباشر، على مجريات الصراع الداخلي، واسرائيل ليس من مصلحتها انتصار طرف على آخر، لأن حركتي فتح وحماس تريدان كل بطريقتها، زوال الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وعاصمتها القدس، وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً. عندما يتحول طرف فلسطيني الى طرف عميل، وعندها فقط، ستهبّ اسرائيل لمساعدته بكل قوة. ولكن مثل هذا الطرف لم يوجد ونأمل أن لا يوجد. كما ترجع استحالة الحسم العسكري الى وجود نوع من توازن القوة، بحيث لا تملك فتح اغلبية ساحقة بالعدة والعتاد والتأييد الشعبي تجعلها قادرة على "الانتصار"، وكذلك حماس لا تملك هذه الإمكانية، فضلاً عن أن الشعب أخذ يمل أكثر وأكثر ويبتعد عن فتح وحماس.

وإلى من يفكر بأن العنف قاطرة التاريخ، وأن لا حل الا بعملية جراحية، وبأن النموذج الصومالي قابل للتكرار عندنا، أقول له ان اسرائيل لن تسمح للأردن او مصر او كلتيهما بأن تلعبا دور إثيوبيا في الصومال، وأن اللاعب الرئيسي هنا هو اسرائيل. فهل سنصل الى درجة الاستعانة بإسرائيل لحسم الصراع الداخلي؟ واذا حدث ذلك، فما هو مصير الطرف الذي يفكر بالاستعانة بالاحتلال للانتصار على إخوته بالدم والسلاح؟

واذا كان الاقتتال يدور من أجل السلطة وهو كذلك بعد أن تقاربت البرامج، فلتذهب هذه السلطة الى الجحيم. فالسلطة مجرد مرحلة على طريق دحر الاحتلال، وهي وسيلة لإقامة دولة فلسطينية حرة حقاً. اذا اصبحت السلطة عبئاً او محل صراع من الاطراف العاجزة عن تحقيق البرنامج الوطني فلا حاجة للسلطة.

واذا كان الاقتتال من أجل تحرير فلسطين او أي هدف مقدس آخر مثل نصرة الإسلام والمسلمين او لدعم محور الممانعة، فلا نريد ذلك لأن إراقة الدم الفلسطيني بأيادٍ فلسطينية لن تؤدي الى تحرير فلسطين ولا الى نصرة الإسلام والمسلمين، ولا الى دعم ايران وحلفائها.

انني أكتب ما تقدم، وأنا أعرف بأن الاقتتال لن يتوقف إلا أولاً: عندما تدرك الاطراف المتقاتلة بأنها لن تستطيع الفوز، وأنها ستخسر من الاقتتال اكثر مما تخسر من الوضع الحالي. وثانياً: عندما يتحرك الشعب الفلسطيني، المتضرر بغالبيته الساحقة من الاقتتال، تحركاً منظماً موحداً متصاعداً متعاظماً لإدانة الاقتتال والمتقاتلين، والضغط عليهم، وفضح وإدانة كل من تسول له نفسه بدفع الفلسطينيين في طريق لن تكون نهايتها سوى الكارثة والضياع والموت والدمار. فالمنتصر الوحيد من الحرب الأهلية الفلسطينية هو الاحتلال، فهل سنقدم للاحتلال هذه الهدية الثمينة على طبق من ذهب؟!!.

 

مشاركة: