الرئيسية » هاني المصري »   18 كانون الأول 2007

| | |
حماس بعد عشرين عاماً على انطلاقتها: إلى أين؟
هاني المصري

 

استطاعت حماس من خلال الحشد الجماهيري الكبير الذي شارك في مهرجان احياء الذكرى العشرين على انطلاقتها، ان تبرهن على استمرار شعبيتها، وهذا يقلل من تأثير الاحاديث عن الانخفاض الواسع في تأييدها، الذي ظهر أيضاً في استطلاعات الرأي.

اذاً حماس لا تزال حركة قوية ولا يمكن اسقاطها من الحساب، ولكن شعورها بأنها لا تزال قوية يجب ألا يؤدي الى عدم التراجع عن الاخطاء التي ارتكبتها، او الى ارتكابها اخطاء جديدة من خلال رفع شروطها للحوار الوطني او الاستمرار في التمسك بهذه الشروط من خلال تأكيد اسماعيل هنية رفض الحوار المشروط ومطالبته بأن يكون الاتفاق وفقاً لصيغة "لا غالب ولا مغلوب".

السؤال الذي يطرح نفسه، هو: ما دامت حماس لا تزال قوية لماذا لا تمارس تأثيراً يتناسب مع قوتها على القرار الفلسطيني وفي مختلف الشؤون الفلسطينية؟ ولماذا اصبحت حماس، التي وصلت الى الذروة بعد حصولها على اغلبية مقاعد المجلس التشريعي في الانتخابات التي عقدت قبل حوالي عامين، لدرجة انها شكلت الحكومة بمفردها، ثم شاركت بحكومة الوحدة الوطنية مع احتفاظها برئاستها، إلى قوة مهيمنة وقمعية انفرادية تتحكم بسلطة الأمر الواقع في غزة بعد تنفيذها انقلاباً على الشرعية، والى تنظيم ملاحق في الضفة، وظهرت في صفوفه قيادات بصورة لم تشهدها من قبل، وبدلاً من ان تكبح جماح "تيار دحلان - دايتون" واسقاط عملية السلام المجحفة، اطلقت نبرة أطلقت يده كلياً وفتحت الطريق واسعاً امام المفاوضات بشروط سيئة للغاية.

ان الذي يفسر هذا الانقلاب في وضع حماس، اسباب عدة من ضمنها، سياسة حماس المتبعة خلال العامين الماضيين.

ان الخلل بدأ يظهر جلياً في سياسة حماس في محاولتها للجمع بين الجنة والنار في أرض واحدة، وذلك عبر الجمع بين السلطة المقيدة بالتزامات واتفاقات مجحفة من ضمنها وقف المقاومة، وبين المقاومة المسلحة المستندة أساساً الى رفض اسلوب المفاوضات لحل الصراع دون اقرار التزامات السلطة، ودون ان تملك حماس القدرة على القفز عن او الغاء هذه الاتفاقات والالتزامات، وهذا الموقف جعل حماس في وضع لا تحسد عليه. فهي ترفض المفاوضات وعملية السلام والاتفاقات وتكرر ليل نهار التزامها بالمقاومة كخيار وحيد واساسي، ولكنها "مضطرة" الى احترام اتفاق اوسلو والالتزامات المتضمنة فيه، والى تعليق المقاومة، وتفويض الرئيس الفلسطيني بالتفاوض باسم الفلسطينيين شريطة ان يعرض ما يتم الاتفاق عليه على الشعب الفلسطيني في استفتاء او للاقرار في المجلس الوطني الجديد بعد تشكيله مجدداً بصورة تعكس تمثيل الشعب الفلسطيني بمختلف اطيافه وفي جميع اماكن تواجده.

هذا الجمع المستحيل بين سياسات متناقضة اظهر حماس كتنظيم جائع للسلطة ومتمسك بها، رغم انها سلطة تحت الاحتلال، وطالما انتقدتها حماس بوصفها من افرازات اتفاقات اوسلو، وبدت حماس مستعدة من أجل الحفاظ بالسلطة الى تعليق المقاومة حتى اشعار آخر، واعطت اشارات حول استعدادها للتعاطي مع الدولة ذات الحدود المؤقتة.

كما ان هذا الجمع المستحيل، لم يساهم في اقلاع برنامج حكومة الوحدة الوطنية لا محلياً ولا عربياً و لا دولياً والدليل وجود الاعتراضات على اتفاق مكة من داخل قيادات متنفذة من حماس وفتح، وعدم قدرة حكومة الوحدة الوطنية على فك الحصار الدولي عن السلطة وعلى اختراق العزلة الدولية المفروضة على القضية الفلسطينية. لو أعلنت حماس بعد فوزها بالانتخابات وتشكيل حكومة بمفردها، انها تريد الغاء اتفاق اوسلو والاستمرار بالمقاومة لكانت منسجمة مع نفسها رغم عدم واقعية هذا السلوك.

بعد سقوط وهم امكانية السيطرة الانفرادية او المشتركة على السلطة في ظل سياسة تجمع بين برنامجين، بسقوط حكومتي حماس والوحدة الوطنية ظهر وهم جديد هو التحكم بالسيطرة على غزة، رغم انها محاصرة ومستهدفة، وفي ظل ظروف اقليمية ودولية غير مواتية تمنع ان تكون سيطرة حماس على غزة، مقدمة لسيطرتها على الضفة، فالضفة تحت الاحتلال الاسرائيلي المباشر، ومحل اطماع اسرائيلية لاسباب متعددة جداً، والسلطة الوطنية هناك ليست ضعيفة بنفس الصورة التي كانت بها في غزة، وخصوصاً بعد ان هب العالم كله لدعمها لأن انهيار السلطة او وقوعها تحت ايدي حركة حماس ينذر باحتمالات لا يمكن السيطرة عليها، فالسلطة مطلوبة اسرائيلياً ودولياً حتى تكون نواة الدولة الفلسطينية العتيدة التي تريدها اسرائيل، دولة بلا مقومات الدول سوى الاسم، وتقوم على جزء من الاراضي المحتلة عام 7691، لكي تعفي اسرائىل من مسؤولياتها كدولة احتلال، ومن مواجهة خطر قيام دولة واحدة ثنائية القومية ديمقراطية، او دولة ابرتهايد تقضي على اسرائىل بوصفها دولة يهودية ووظيفية تسعى للهيمنة على المنطقة لصالح الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الاميركية.

تأسيساً على ما تقدم، على حماس ان تراجع سياستها وحساباتها، واذا ارادت ان تركب رأسها وتمضي في غيها، فالوضع سيتحول باستمرار من سيئ إلى أسوأ، لها وللفلسطينيين جميعاً. واذا استخلصت الدروس والعبر من تجربتها، عليها ان تعتمد خياراً من خيارين لا ثالث لهما، هما:

الخيار الاول، إما ان تعود إلى سيرتها الاولى وتعتمد المقاومة كأسلوب وحيد او رئيسي، وتواصل رفضها لعملية السلام والمفاوضات وما انتهت اليه من اتفاقات وما يمكن ان تنتهي اليه من اتفاقات مجحفة جديدة، وهذا يتطلب الاستعداد للتخلي عن السلطة، وربما السعي لحل السلطة، او التصرف وكأنها غير موجودة، كما كانت تفعل حماس قبل مشاركتها في السلطة، وهذا الخيار سيقود الى مواصلة الصدام الداخلي الفلسطيني بين نهجين وبرنامجين وقوتين رئيسيتين، فالسلطة لا يمكن ان تسمح بالعودة الى وضع تجد فيه فريقاً يفاوض، وآخر يقاوم، الامر الذي يحرم المفاوضات والمقاومة من امكانيات تحقيق اي شيء، فما تزرعه المقاومة تبدده المفاوضات، وما يمكن ان تحصل عليه من المفاوضات تضيعه المقاومة.

الخيار الثاني: ان تفرق بين حماس في السلطة والحكم والنظام السياسي الفلسطيني، وما يقتضيه ذلك من اعتماد قواعد اللعبة التي تحكمه واحترام حقيقي للالتزامات التي تقيده، وبين حماس خارج السلطة او في المعارضة داخلها.

كانت حماس تستطيع، ولا تزال تستطيع ان تكون داخل السلطة والنظام السياسي الفلسطيني دون ان تحكم حتى تحافظ على برنامجها، ولكن دون اعادة انتاج حالة تعددية السلطات والاستراتيجيات ومصادر القرار، تستطيع حماس وهي في المعارضة ان تؤثر، ان تكبح ان تصحح دون تحمل مسؤولية والتزامات الحكم، وهذا يعني ان تقبل بصيغة حزب العمل القبرصي الذي حصل على اغلبية برلمانية اكثر من مرة ولكنه اختار ألا يحكم ليجنب قبرص عواقب ذلك.

أو أن تبقى حماس، كما هي الآن، عين في الجنة وعين في النار، تحاول الجمع بين سياسات وبرامج متناقضة لا يمكن الجمع بينها، وهذا يمكن ان يعمق مأزق حماس والمأزق الوطني العام، فما تقرره حماس لا يؤثر عليها فقط وانما على الفلسطينيين جميعاً وعلى قضيتهم ونظامهم السياسي كله.

تنويه

ان كل ما سبق، لا يعني انه لم يكن من حق حماس ان تحكم، او انها أعطيت الفرصة للحكم وفشلت، ولكنه يعني ان الحكمة كانت تقتضي من حماس ادراك ان الظروف لم تنضج لها لكي تحكم، فهي جاءت قبل الأوان، كما قال الاستاذ محمد حسنين هيكل والمرشد العام للاخوان المسلمين.

من الصعب اعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، ولكن الذي لا يتعلم من التاريخ ولا من اخطائه، يخرج من تحت الدلف لينزل الى تحت المزراب.

 

مشاركة: