الرئيسية » هاني المصري »   22 آذار 2008

| | |
المبادرة اليمنية كسرت القطيعة ومهددة بحوار الطرشان
هاني المصري

استطاع الرئيس اليمني كسر القطيعة بين المنظمة (وتحديداً فتح) وبين حماس عندما جمع بينهما بحضوره لينهي بذلك حالة وقف الحوار منذ حزيران الماضي وحتى الآن. وهذا ثاني إنجاز تحققه المبادرة اليمنية بعد الإنجاز الأول بإعلان الطرفين الموافقة عليها.


الخشية أن تكون الموافقة على المبادرة اليمنية تكتيكية يسمح بها غموض نص المبادرة، خصوصاً في بندها الأول. فمن تحت معطف عودة الأمور إلى ما كانت عليه، يمكن أن يعبر كل شيء. والفلسطينيون على اختلافاتهم يجب أن يرفضوا عودة الأمور إلى ما كانت عليه، لأن عودتها تعني عودة الوضع الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه. نريد الاتفاق على أسس جديدة تكفل التقدم إلى الأمام، لا إعادة إنتاج القديم.

الموافقة على المبادرة اليمنية ولو تكتيكياً، أفضل من لا شيء، لأنها تفتح الباب أمام استئناف الحوار. واستئناف الحوار يمكن أن يهدئ الأجواء المتوترة ويحول دون إصدار قرارات ومراسيم جديدة من شأنها تعميق الانقسام.

على أهمية الموافقة على المبادرة اليمنية فإن استمرار التعامل التكتيكي معها ينذر بفتح الابواب لحوار طرشان، وأن يستخدم الطرفان المبادرة والحوار حولها لكسب الوقت وتعزيز كل طرف مواقعه ومواقفه بانتظار تطورات جديدة. كما يمكن أن تكون الموافقة مؤقتة مرتبطة باستحقاق عقد القمة العربية في دمشق، بحيث تتبخر الأجواء الإيجابية التي ظهرت في الأيام الأخيرة، ما إن تسدل الستارة على اختتام القمة، من أجل منع الاستخدام التكتيكي للمبادرة اليمنية لا بد من توفر ما يلي:

أولاً: بلورة وتوضيح المبادرة اليمنية وتحديداً بخصوص ما المقصود بعودة الأمور إلى ما كانت عليه، وهل تعني فعلاً عودة المحاصصة الفصائلية وعودة حكومة الوحدة الوطنية على أساس اتفاق مكة، وعودة الأجهزة الأمنية إلى ما كانت عليه قبل انهيارها السريع والمخزي. أم تعني فقط إنهاء الانقلاب وتراجع حماس عن سلطة الأمر الواقع في غزة. وهل هذه الخطوة ستتم أولاً، الأمر الذي ترفضه حماس، أم ضمن رزمة متكاملة يتم تحقيقها بسرعة وبشكل متبادل ومتزامن. نقطة أخرى في المبادرة اليمنية وبحاجة إلى توضيح هي ما معنى الالتزام بالاتفاقيات التي عقدتها المنظمة، وهل هذا شرط ملزم للمشاركة في السلطة والمنظمة أم شرط ملزم للمشاركة في الحكومة؟ فهناك فرق جوهري حاسم بين هذا وذاك؟ فلا يجب وطنياً وديمقراطياً مطالبة القوى والفصائل والأفراد كافة بالإقرار بالاتفاقات وشروط اللجنة الرباعية الدولية، بل إن هذا شرط على من يشارك في الحكومة أما من يتمثل في المجلسين الوطني والتشريعي فله كامل الحرية في أن يلتزم أو لا يلتزم شرط احترام الجميع لالتزامات القيادة الشرعية للمنظمة والحكومات المتعاقبة.

ثانياً: بلورة تيار شعبي وطني عارم يستطيع أن يضغط وأن يفرض الحوار الجدي الكفيل بتحقيق المصالحة الوطنية، وأن تستند إلى أسس وطنية ديمقراطية واقعية بعيداً عن الصيغ العامة للاتفاقات التي يفسرها كل طرف كما يحلو له، وعن المحاصصة الفصائلية، التي يمكن أن تنقلنا، إذا تحققت مرة أخرى، من الانقسام إلى الاقتسام، بحيث يصبح لدينا سلطة ومنظمة مكونتان من سلطتين تتحكم بهما قوتان، ما يمنع قيام سلطة واحدة تخضع للمصالح الوطنية، ومنظمة واحدة تمثل جميع الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه.

تأسيساً على ما تقدم، يجب الحديث بصراحة وكل صراحة، لأن الشعب الفلسطيني بحاجة إلى مصالحة تدوم وتقف على أقدام ثابتة وليس إلى هدنة مؤقتة جديدة، وهذا يتأتى من خلال الامتناع عن توقيع اتفاق جديد يقوم على توزيع كعكة السلطة والمنظمة بين فصيلين وترك الشعب والقوى الأخرى لتنعم بالفتات المتبقي. في هذا السياق يجب أن تكون المصالحة مبنية على أساس إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني الديمقراطي الذي يجسد القواسم المشتركة، كونه وحده يمكن أن يوحد الفلسطينيين ويفتح لهم طريق تحقيق أهدافهم الوطنية بأسرع وقت وأقل الخسائر.

وحتى يتحقق ذلك لا بد من استخلاص العبر والدروس من التجارب والاتفاقات السابقة، بما فيها اتفاق مكة، كونه عانى من ثغرتين كبيرتين أدتا إلى فشله السريع. الثغرة الأولى، إن البرنامج السياسي الذي قامت حكومة الوحدة الوطنية على أساسه كان غامضاً وحمّال أوجه، الأمر الذي سمح لوزراء فتح أن يفسروه على أساس أنه يتضمن "الالتزام" بالاتفاقات السابقة وشروط اللجنة الرباعية الدولية، كما سمح لوزراء حماس أن يفسروه على أساس أنه يتضمن "الاحترام" لهذه الاتفاقات والشروط فقط.

الثغرة الثانية إنه قام على أساس المحاصصة الفصائلية الثنائية بعيداً عن الشراكة الوطنية فالوطن للجميع، والشعب أكبر من فتح وحماس ومن كل الفصائل.

إن أي اتفاق بحاجة إضافة إلى حفظ المصالح والأهداف الوطنية، إلى الوضوح والانسجام والتفريق بين مسؤوليات الحكم والتزاماته ودور الأقلية المقدس في المعارضة، وضرورة إعطاء كل طرف الحد الممكن من مطالبه دون الإضرار بالمصلحة الوطنية ومرتكزات الديمقراطية، كما أن أي اتفاق بحاجة إلى الشروط الثلاثة التالية:

أولاً: توفر الإرادة اللازمة والنية الخالصة للتوصل إلى اتفاق ولتطبيقه. فلم يتوفر هذا الشرط عند توقيع اتفاق مكة بدليل أن الأجهزة الأمنية والمنظمة لم يتم إصلاحهما، بحيث تنتهي هيمنة فتح بدون أن تطل هيمنة ثنائية فتحاوية حمساوية، بل على أسس تضمن الشراكة الوطنية، بحيث تكون الأجهزة مهنية تخضع لعقيدة وطنية بعيداً عن الحزبية وكافة الفصائل.

ثانياً: إن اقتسام السلطة، خصوصاً الأجهزة الأمنية بين "فتح" و"حماس" قاد سابقاً للحرب الأهلية، ويعتبر الآن وفي المستقبل، وصفة مؤكدة للحرب الأهلية. فالمواطنون متساوون أمام القانون، ولا ميزة لابن "فتح" أو "حماس" أو أي فصيل آخر على أي مواطن. فتكافؤ الفرص والمساواة والخضوع لسيادة القانون ووضع الشخص المناسب في المكان المناسب هي المبادئ التي يجب أن تحكم السلطة والمنظمة عند التعيينات في الوظائف المختلفة.

هناك جناح في فتح والسلطة والمنظمة لا يريد المصالحة ولو حققت حماس كافة شروطه لأنه يريد أن يستفرد بالنفوذ وتحقيق أكبر قدر ممكن من المصالح. وهناك جناح في حماس تعامل مع اتفاق مكة كصلح الحديبية، أي اعتبره هدنة مؤقتة. وهو لا يؤمن بالشراكة، وإنما باستخدام القوة وإقصاء الآخرين. وهو يعتبر الأغلبية التي حصلت عليها حماس في الانتخابات تعطي التفويض الكافي لتغيير كل شيء عن بكرة أبيه وهذا مخالف لأبسط معايير الديمقراطية. واستند هذا التيار عندما نفذ الانقلاب الى أن هناك انقلاباً كان يعدّ ضد حماس التي كانت تقود حكومة الوحدة الوطنية، ناسياً أن كون حماس "تغدت" بفتح قبل أن "تتعشى" بها، لا يعفيها من المسؤولية بل يجعلها تتحمل مسؤولية أكبر عما جرى لأن تنفيذ جريمة الانقلاب أكبر من التخطيط للانقلاب ومن الشروع بالانقلاب.

ثالثاً: إن العوامل الخارجية أثرت تأثيراً كبيراً، ولا تزال تؤثر، في الشأن الفلسطيني، بما في ذلك في وقوع الانقلاب وتعميقه، فالادارة الاميركية واسرائيل لم تكونا تريدان وحدة فلسطينية على اسس وطنية، ولا تريدان الآن مصالحة دون الالتزام بالشروط الاميركية الاسرائيلية، لذلك هناك فيتو اميركي اسرائيلي على المصالحة، وهذا هو العائق الاكبر امامها.

ان التدخل الاميركي - الاسرائيلي ساهم في لجوء حماس وأطراف فلسطينية اخرى الى التحالف مع ايران وسورية وغيرهما، وهذا ترك بصماته ايضاً على القرار الفلسطيني ففي السياسة لا يوجد اعمال خيرية لوجه الله، وإنما توجد مصالح وتحالفات وسياسات لتحقيق هذه المصالح. ولكن لا يمكن مساواة الاحتلال ومن يدعم الاحتلال مع محاولات للتدخل في القضية الفلسطينية من الاشقاء العرب او الحلفاء الاقليميين لاحتواء القرار الفلسطيني.

اذا توفر وعي فلسطيني، لما جرى ويمكن ان يجري، في فلسطين والعالم، وعلى أساس الاستناد الى حقيقة ان الاحتلال يستهدف الجميع، ولا يريد تسوية عادلة او متوازنة، وإنما فرض الاستسلام على الفلسطينيين، وبعد سقوط نظرية اقامة امارة اسلامية في غزة، او سنغافورة في الضفة، وبعد فشل المفاوضات الى حد اقترابها من كارثة جديدة، وبعد فشل اي طرف فلسطيني في حسم الصراع الداخلي لصالحه بحيث يستطيع فرض شروطه كاملة على الطرف الآخر، وبعد عجز اسرائيل عن حسم الصراع مع الفلسطينيين عبر القوة والوسائل العسكرية فقط، لدرجة وجود قبول اميركي اسرائيلي للتهدئة، ولو عن طريق وسيط مع حماس، ومع اهمية ادراك ضرورة الربط ما بين التهدئة وصفقة تبادل الاسرى ورفع الحصار والاغلاق وفتح الحدود والمعابر، وتحقيق المصالحة الوطنية حتى لا تؤدي التهدئة وحدها الى تعميق الانقسام كما تريد اسرائيل.

اهمية المبادرة اليمنية، انها كانت دورية الاستطلاع العربية، وانها فتحت الطريق وأظهرت ان المصالحة ممكنة رغم انها صعبة جداً لكن دون تدخل الشعب الفلسطيني بقوة حاسمة وبصورة مثابرة لن تتحقق المصالحة بسرعة والمصالحة يجب ان تستند الى اسس وطنية ديمقراطية واقعية بعيداً عن الغموض الهدام والمحاصصة الفصائلية وحوار الطرشان الذي يمكن ان يخدعنا جميعا، بالايحاء بان المصالحة على الابواب، بينما يتعمق الانقسام!! فالمبادرة الفلسطينية مطلوبة الآن كما كانت مطلوبة دوماً!

 

مشاركة: