الرئيسية » هاني المصري »   21 تشرين الأول 2008

| | |
نعم للمشاركة ولا للمحاصصة الفصائلية
هاني المصري

 

تبددت أجواء التفاؤل التي سادت بعد لقاء حركة "حماس" مع القيادة المصرية، وذلك على خلفية استمرار الإجراءات الانقسامية على الأرض بما في ذلك الاعتقالات وحملات التحريض المتبادلة، وفي ضوء رفض "فتح" لاقتراح "حماس"عقد لقاء ثنائي بينهما بمشاركة مصرية يسبق الحوار الوطني الشامل، وذلك من أجل عدم الخروج عن الإطار العام وحرصاً على تجنب أي اعتراضات من جانب الفصائل التي قد تشعر بالتهميش من عقد لقاء ثنائي بعيداً عنها، يذكر باتفاق مكة الذي كان اتفاقاً ثنائياً اعتمد المحاصصة الفصائلية لتوزيع كعكة السلطة على "فتح" و"حماس" أولاً، وعلى الفصائل الأخرى ثانياً.

 

لقد اعتبرت "حماس" أن رفض "فتح" لعقد اللقاء الثنائي يدل على عدم جدية "فتح" بإنجاح الحوار لأن المشكلة في أساسها بين "فتح" و"حماس" ولا معنى لزج كافه الفصائل في الوقت الذي تشكل فيه "فتح" و"حماس" 96% من الوزن على الأرض، كما قال احمد يوسف القيادي في ""حماس""، مع محاولة من ""فتح"" للاستقواء وتكتيل الفصائل ضد "حماس". "حماس"" تريد الاتفاق مع "فتح" أولا ثم يطرح ما يتم الاتفاق عليه بينهما على الفصائل الأخرى في الحوار الوطني الشامل لأن "حماس" تبحث أساسا عن حصتها في الكعكة الفلسطينية (كعكة السلطة وكعكة المنظمة).

قلنا رغم موجة التفاؤل، أن الهوة كبيرة جدا، وأن جَسرها ليس سهلا على الإطلاق، ولا يكفي لذلك الاتفاق على عناوين تتحدث عن حكومة الوفاق الوطني والأجهزة الأمنية والانتخابات و"م.ت.ف" وعودة الأمور الى ما كانت عليه، فالمهم هو المضمون والتفاصيل مثل: من سيرأس الحكومة القادمة؟ وهل ستشارك الفصائل بها خصوصا حركتا "فتح" و"حماس"؟ وإذا شاركت الفصائل أو لم تشارك، ما هو برنامج الحكومة السياسي؟ وما هو موقفها من شروط اللجنة الرباعية الدولية؟ هل يمكن تجاهل هذه الشروط خصوصا إذا شاركت "حماس" فيها حتى وإن كانت المشاركة ليست على المستوى القيادي الأول؟ هل يمكن أن تتنازل "حماس" عن السلطة في غزة بعد أن مضت بعيدا في ترسيخ ركائزها على كل المستويات والأصعدة، ما أوجد أشخاصا وشرائح مستفيدة من الوضع الجديد؟ وكذلك الحال في الضفة مع اختلاف الظروف والأسباب.

إن المشكلة ليست في عقد لقاء ثنائي أو جماعي، وإنما في الإجابة على سؤال: هل الهدف التوصل الى حل وطني شامل ينهي الانقسام ويستعيد وحدة الوطن والشعب والنظام السياسي ويؤسس لشراكة وطنية يشارك بها الجميع، وليس فقط الفصائل، أم الهدف إعادة إنتاج نظام المحاصصة الفصائلي؟ وإذا كانت المحاصصة الفصائلية هي الهدف، فلا يهم كثيرا أن تكون محاصصة ثنائية، بين "فتح" و"حماس"، أم محاصصة جماعية تشارك فيها كافة الفصائل!.

هل المهم ما هي حصة "حماس" في الوزارات والأجهزة الأمنية والمدراء العامين والمحافظين والسفراء والمشاريع التي تمول محليا أو عربيا أو دوليا؟

أم أن الأهم تأسيس نظام وطني يقوم على إعطاء الأولوية للبرنامج الوطني وكيفية إنجاز الحرية والعودة والاستقلال وللإنتاجية والكفاءة والإبداع على أساس الانحياز لمبادئ وقيم المساواة وتكافؤ الفرص، ومصلحة الشعب وخدمة المجتمع. لقد عانى الشعب الفلسطيني كثيراً من نظام الكوتا الفصائلي (في إطار م.ت.ف) وكان هناك مبرر يستخدم كذريعة هو أن التوافق الوطني كان هو الخيار الوحيد الممكن لتوزيع الموازنة والمناصب والمكاسب، لأن مركز ثقل ومقر قيادة الثورة والمنظمة في الخارج، ولا يمكن إجراء قياس دقيق لتمثيل وحجوم واحتياجات الفصائل والقطاعات المختلفة من الشعب.

ولكن بعد إقامة سلطة فلسطينية على أرض الوطن، وبعد إجراء انتخابات رئاسية مرتين (في 1996، 2005) وانتخابات محلية مرة واحدة (2005) وتشريعية مرتين (1996، 2006) أصبحت حجوم الفصائل واضحة.

إن مسألة التمثيل في الحكومة والمراكز القيادية المختلفة مفهومة عند النظر بتشكيل ائتلافات حكومية ولكن عند التعيينات في الوظائف العامة على كافة المستويات لا يمكن اعتبار الانتماء الفصائلي شرطا (وكيف أن يكون شرطا أساسيا) ، بل أن المؤهلات والخبرات والقدرة على تلبية الاحتياجات وملء الشواغر هي العوامل المحددة لتعيين هذا الشخص أو ذاك في هذه الوظيفة أو تلك.

لقد أغرقت السلطة بوزاراتها وأجهزتها ودوائرها المختلفة بتعيينات عشوائية لعب الانتماء الحزبي الدور الحاسم فيها، لذلك وجدنا وزارات وأجهزة ودوائر تنتمي لفصيل أو لفرد أو مركز قوة أو لعائلة أو جهة جغرافية أكثر مما تنتمي للوطن أو تمثل الشعب، وهذا خلق تناقضا موضوعيا متزايدا ما بين المصلحة الوطنية والمصالح الفئوية والفصائلية والجهوية والعائلية.

فعندما نقول بناء الأجهزة الأمنية على أسس مهنية بعيدا عن الفصائلية والحزبية تفهم "فتح" و"حماس" هذا القول باعتباره موجها ضدهما مباشرة. فأكثر من 90% من أفراد الأجهزة الأمنية ينتمون لحركة "فتح" في الضفة، ونفس النسبة نجدها في غزة مع فارق أن الأغلبية تنتمي الى حركة "حماس"، لذلك تحولت ويمكن أن تتحول الأجهزة الى طرف في أي صراع داخلي بدلاً من أن تكون طرفاً محايداً وموضوعياً مهمته فرض النظام وسيادة القانون على الجميع دون استثناء وبشكل يضمن حل الخلافات والنزاعات الداخلية بشكل سلمي قانوني ديمقراطي.

في كل دول العالم محظور على المنتمين الى الجيوش والأجهزة الأمنية الانتماء الى الأحزاب قطعياً. الحزبي، ومن يريد الانتماء لحزب أو فصيل عليه أن يستقيل من الجيش والأجهزة الأمنية. لذلك الشرط الأساسي المطلوب لكي تتحول الأجهزة الأمنية الفلسطينية الى أجهزة مهنية بعيدا عن الفصائلية، أن يستقيل أعضاء الأحزاب والفصائل من أحزابهم أو من الأجهزة. ويمكن أن تتم هذه العملية بشكل تدريجي أي بحيث يحظر في المرحلة الأولى على قادة الأجهزة في المستويات الأولى أن ينتموا لأي حزب، وإذا كانوا منتمين عليهم الاستقالة أو مغادرة الأجهزة الأمنية الى أعمال مدنية في السلطة.

وأخيرا، إن الشعب الفلسطيني لا ينتمي بأغلبيته الساحقة الى الأحزاب والفصائل، وجزء من الممتنعين عن التصويت في الانتخابات المختلفة يفعلون ذلك لأنهم لا يؤيدون ولا يثقون بالمرشحين والأحزاب والفصائل المشاركة في الانتخابات.

تأسيساً على ذلك، لا يمكن الاستمرار بالحوار الهادف الى حسم القضايا التي تؤثر على حاضر ومستقبل الشعب الفلسطيني كله بمشاركة الفصائل فقط، وإهمال القطاعات المجتمعية الأخرى رغم أنها تمثل نسبة كبيرة، ولا أقول الأغلبية، وقد تكون كذلك.

يجب مشاركة الشخصيات الوطنية والاعتبارية والقطاع الخاص وممثلي المنظمات الأهلية والمرأة والاتحادات والجمعيات والنقابات والبلديات والجامعات والغرف التجارية والزراعية والصناعية والمثقفين ورجال الدين والقانون والإعلاميين في كافة المراحل والمستويات، بحيث يكون الحوار الدائر حواراً وطنياً يشارك فيه الجميع لا ممثلو الفصائل فقط، مع الاعتراف بأهمية الدور الكبير الذي تلعبه الفصائل.. لقد حدث هذا مرة في الحوار الدائر حول وثيقة الأسرى، وساهم في وصول الحوار الى وثيقة الوفاق الوطني، ونأمل أن يصبح ذلك نهجا دائما وجزءاً من الحياة السياسية. عندها وعندها فقط نقول إننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح، الطريق الديمقراطي الذي يستند الى التعددية والتنوع والمنافسة في إطار من الالتزام بالأهداف الوطنية والديمقراطية.

 

 

مشاركة: