الرئيسية » هاني المصري »   15 كانون الأول 2009

| | |
المجلس المركزي : الحفاظ على الأمر الواقع أم تجاوزه؟
هاني المصري

جدول أعمال المجلس المركزي للمنظمة الذي سيعقد اليوم حافل جدا. فهو سيناقش مسألة رغبة الرئيس بعدم الترشح، ومعالجة مسألة الفراغ الذي سينشأ بعد انتهاء المدة القانونية للرئيس والمجلس التشريعي، ووصول المفاوضات الى طريق مسدود، وتفعيل وإصلاح (م.ت.ف.)

وإذا دققنا بما يمكن أن يقرره المجلس المركزي، وفقاً للتحضيرات الجارية، نخلص باستنتاج أن القيادة الفلسطينية اختارت الحفاظ على الأمر الواقع وانتظار المجهول وليس طرح استراتيجية جديدة قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية.

فبالنسبة لمسألة إعلان الرئيس عن عدم رغبته بالترشح، فهي ما زالت على حالها مع الأخذ بالحسبان أن موعد الانتخابات لم يحدد بعد، وبالتالي ليس مطلوباً من الرئيس الآن أن يترشح أو لا يترشح، كما أن المعلومات والتقديرات الآن تتباين بين من يعتقد أن الرئيس مصمم على عدم الترشح، وبين من يراهن على أنه سيترشح، وليس كما كان الأمر منذ إعلانه وحتى وقت قريب، حيث كانت الأغلبية تعتقد أن قرار الرئيس جدي ولا ينطوي على أية مناورة. المعضلة تكمن في أن استمرار الرئيس في منصبه وترشحه بدون بلورة استراتيجية بديلة عن استراتيجية المفاوضات كخيار وحيد، وبدون حدوث اختراق جدي في عملية السلام، كما هو واضح حتى الآن، سيضعفه ويجعله يقدم على نوع من الانتحار السياسي.

فعلى الرئيس أن يحسم أمره بشكل نهائي، وعلى المؤسسات الفلسطينية أن تضغط عليه لكي يبقى، وأن تتصرف على أساس قراره. فإذا قرر، وهذا قرار في النهاية له بعد شخصي لا يمكن انكاره، عدم الترشح ففتح لن تنتحر كما صرح محمد دحلان، ويجب البدء منذ الآن بالبحث عن البديل.

إن البديل لا يمكن إيجاده إلا إذا عرفنا ما هو الطريق الذي سيسير به الشعب الفلسطيني. فعلى ضوء الطريق يتم اختيار الشخص المناسب لقيادته. فإذا اختار الشعب، أو بالأحرى القيادة، الاستمرار بالسير بنفس الطريق الذي جرب سابقاً وفشل، يكون مناسباً له أشخاص معينون، وإذا وقع الاختيار على طريق جديد، كما هو مفترض، يجب اختيار من يناسب له.

إن خطورة المسألة تكمن في أن استمرار الرئيس في التردد بين الانسحاب والبقاء يعني أن الوضع السياسي القيادي الفلسطيني سيكون مشلولا في وقت ينبغي فيه أن تتحلى القيادة الفلسطينية بأقصى درجات الفعالية والمبادرة لمواجهة التحديات الجسيمة.

بالنسبة لمسألة معالجة الفراغ الدستوري بعد 25 كانون الثاني القادم فإن الاتجاه العام يشير الى أن قرار المجلس المركزي سيطالب بـ "استمرار الأخ الرئيس ابو مازن وجميع مؤسسات السلطة الوطنية بمواصلة عملها والاضطلاع بمهامها وفق القانون الأساسي حتى إجراء الانتخابات وفي حالة حدوث أي طارئ يعود المجلس المركزي للانعقاد ولاتخاذ الإجراءات المناسبة. ويستمر العمل بهذا القرار الى حين زوال الأسباب الموجبة له وإجراء الانتخابات العامة حسب الأصول".

ورغم ان المجلس المركزي سيؤكد أيضاً على إجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في موعد لا يتجاوز 28 حزيران القادم استنادا الى التوافق الذي عبرت عنه الوثيقة المصرية، إلا أن ذلك إن حدث يتناقض مع القرار الذي يسبقه، فإذا استمرت الأسباب الموجبة لتأجيل الانتخابات مفترض أن تؤجل مرة أخرى.

إن استمرار الوضع على ما هو عليه بالنسبة للرئيس والمجلس التشريعي رغم انتهاء المدة القانونية أفضل من الأفكار غير المسؤولة والمنتهكة للقانون التي كانت تحدثت عن إجراء انتخابات في الضفة فقط، وعن حل المجلس التشريعي، وعن قيام المجلس المركزي بمهمات المجلس الوطني. فالولاية القانونية لا تنتهي بانتهاء المدة القانونية، والمجلس غير المنتخب لا يستطيع حل المجلس المنتخب. وهذا لا يتعارض مع صلاحية المنظمة بحل السلطة لأنها هي التي أوجدتها. ولكن ما دامت السلطة قائمة فهي لا بد وأن يحكمها القانون الأساسي، ويجب التعامل مع السلطة كوحدة واحدة ومتكاملة وليس بشكل انتقائي بحيث مثلا يمدد للرئيس ويحل المجلس التشريعي أو بالعكس. حتى لا نصل الى هذا أو ذاك، لا بد من بلورة بديل مقنع متكامل يقوم على الوحدة وتعزيز الصمود والمقاومة المثمرة والمفاوضات المثمرة، واستعادة البعد العربي للقضية الفلسطينية واستنهاض حركة تضامن عالمي مع القضية الفلسطينية.

إن على المجلس المركزي اصدار تعليماته للقيادة الفلسطينية بأن تضع في رأس جدول أعمالها مهمة إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، وليس الاكتفاء برمي المسؤولية على حركة حماس لأنها لم توقع الورقة المصرية، على طريقة المؤمن غير المتماسك بايمانه الذي قال عندما رأى الجامع مقفلا "بركة يا جامع". إن استمرار الواقع الحالي الى اشعار آخر لوحده مع أنه أهون من تطبيق أفكار أخرى، يشكل تعايشا مع الانقسام وترسيخا له، مع التأكيد على مسؤولية "حماس" عن عدم التوقيع على الورقة المصرية.

لنكن في منتهى الصراحة، هل توقيع حركة حماس على الورقة المصرية (على أهميته وضرورته) قادر على إنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الحقيقية، أم إن توقيعها سيدخلنا في حوار ماراثوني حول كيفية تطبيقها، وحول ضرورة التطبيق المتزامن والمتوازي، الكفيل بربط تطبيق البنود المتعلقة بالأجهزة الأمنية والتحضير للانتخابات بالبنود المتعلقة باصلاح وتطوير وإعادة تشكيل منظمة التحرير، واطلاق سراح المعتقلين وإلغاء فصل الموظفين.. الخ.

إن الورقة المصرية مدخل ضروري لاستمرار الحوار، ولكنها تناولت المسائل الإجرائية أساسا وتجاوزت العديد من المسائل الجوهرية، مثل البرنامج السياسي وتشكيل حكومة وحدة أو وفاق وطني، وذلك لأن الأوضاع الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية غير ناضجة للمصالحة الوطنية، فضلا عن العامل الإسرائيلي الذي يقف ضد المصالحة على طول الخط.

بدون الاتفاق على التمرد ولو بحدود على العوامل الخارجية وإعادة الاعتبار للبرنامج الوطني والمقاومة المثمرة ووضع المفاوضات ضمن استراتيجية تجعلها وسيلة وليست غاية بحد ذاتها، لا يمكن انجاح الجهود الرامية لتحقيق المصالحة الحقيقية.

على المجلس المركزي أن يبادر أو يدعو اللجنة التنفيذية للقيام بذلك، لتشكيل لجنة وطنية مهمتها بلورة استراتيجية وطنية قادرة على تحقيق الأهداف الوطنية من خلال تنظيم حوار وطني شامل يستهدف سد الثغرات التي لم تستطع الورقة المصرية ردمها.

بدون إعادة الاعتبار للبرنامج الوطني المستند الى الحقوق الفلسطينية والمنسجم مع الشرعية الدولية، بعيدا عن الخضوع لشروط اللجنة الرباعية الدولية، وبدون الاتفاق على الأسس الديمقراطية التي تحدد قواعد العمل السياسي والديمقراطي التي تضمن التعددية والتنافس والمساواة، وإعطاء كل ذي حق حقه، لا يمكن تحقيق مصالحة وطنية. وبدون مصالحة وطنية لا يمكن تحقيق الأهداف الوطنية بما فيها خطة الحكومة لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة.

أما بالنسبة لوصول المفاوضات الى طريق مسدود، فلا يكفي التمترس وراء وقف المفاوضات على صحته، لحين تجميد الاستيطان وتحديد مرجعية واضحة وملزمة لعملية السلام. ولا يكفي أخذ خطوة هنا وخطوة هناك، وفي أحيان كثيرة تكون متعارضة مع بعضها البعض، مثل الحديث عن اعلان الدولة ثم الإعلان عن الاستعداد للاعتراف الدولي بها، ثم الاعلان عن الاستعداد للحصول على قرار من مجلس الأمن بترسيم حدودها، ثم الحديث عن دراسة الأمر، ثم عن اتخاذ قرار من مجلس الأمن بإدانة الاستيطان، ثم الترحيب المتناقض بقرار الاتحاد الاوروبي، والحديث عن حل السلطة والمقاومة وحل الدولتين...الخ.

المطلوب بلورة سياسة متكاملة، وليس خطوات مبعثرة متناقضة، تستند الى استراتيجية جديدة بديلة، ولا تكون مجرد تكتيك للضغط لاستئناف المفاوضات، لأن الانتظار الحالي يجعل حكومة نتنياهو حرة أكثر بتطبيق مخططاتها التوسعية والعنصرية، ولتمهيد الطريق لفرض الحل الإسرائيلي أحادي الجانب.

إن استمرار السياسة الانتظارية ستقود إما الى استئناف المفاوضات الثنائية عبر تخريجات وليس مخارج مناسبة، أي بدون التجاوب مع المطالب الفلسطينية، أو قيام إسرائيل بخطوة أحادية الجانب، لن يكون امام الفلسطينيين في النهاية سوى التعامل معها لأنها ستصبح أمراً واقعاً.

نستمع منذ مدة طويلة، وخصوصاً منذ الانقسام الفلسطيني في حزيران عام 2007 عن صدور قرارات عن اللجنة التنفيذية والمجلس المركزي بهدف تفعيل وتطوير المنظمة بمؤسساتها كافة (اللجنة التنفيذية، والمجلس المركزي، والمجلس الوطني) ونرى جعجعة ولا نرى طحينا، ما يعكس نوعا من التسليم بالإرادة الدولية والعربية بأن (م.ت.ف) ليس مطلوبا أن تفعل ولا أن يكون هناك بديل عنها، وإنما المطلوب أن تبقى مشلولة على حافة الموت لحين القيام بمهمتها الأخيرة وهي التوقيع على اتفاق السلام النهائي باسم الشعب الفلسطيني بأسره.

وإذا كان الأمر خلاف ذلك، ما الذي منع تطويرها منذ توقيع اتفاق اوسلو وحتى الآن، أليس المانع هو الموقف الدولي والأوهام بأن الحل والدولة على الأبواب؟

وأخيرا، نرى أن نقطة في منتهى الأهمية غائبة عن جدول أعمال المجلس المركزي، وهي خطة الحكومة لإنهاء الاحتلال وبناء الدولة، رغم أنها مطروحة منذ آب الماضي، وأثارت اهتماما دوليا وتجاهلا فلسطينيا وعربيا، وهذا التجاهل غير مفهوم.

فإذا كانت المنظمة غير موافقة على الخطة يجب أن تعلن ذلك وتقوم بتصحيح الوضع بوصفها المرجعية العليا للسلطة. ونحن نقرأ ونعرف بوجود ملاحظات جدية وجوهرية على خطة الحكومة من فتح وفصائل (م.ت.ف( والمجتمع المدني لا تصل في معظمها الى حد الرفض الكامل لها، ولكنها ملاحظات جوهرية تستدعي تطوير الخطة بما يكفل وضع العربة وراء الحصان.

وإذا كانت المنظمة موافقة فلتدعم خطة الحكومة، ولا تبقيها يتيمة وكأنها شأن الحكومة فقط، رغم أنها تتعلق.

 

مشاركة: