الرئيسية » هاني المصري »   15 كانون الثاني 2008

| | |
المجلس المركزي: تعميق الانقسام أم شق طريق الوحدة؟
هاني المصري

لاأعرف ماذا ستكون نتائج أعمال دورة الثوابت الوطنية التي عقدها المجلس المركزي، لأنني أكتب هذا المقال قبل انتهاء أعمال الدورة، ولكنني أدعو وأتمنى من كل قلبي، ويحدوني الأمل بعد الكلمة الهادئة التي ألقاها الرئيس في افتتاح الدورة، ان لا تصب قرارات المجلس المركزي المياه في مجرى تعميق الانقسام بل تكون بارقة أمل بالفرج.


من المعروف ان جدول أعمال المجلس المركزي مزدحم بجملة من المواضيع المهمة تبدأ بالوضع السياسي بعد أنابوليس وباريس وزيارة بوش واستئناف المفاوضات، ولا تنتهي بتفعيل المنظمة والبحث في الانقسام السياسي والجغرافي، وبدعوة المجلس الوطني للانعقاد أو التلويح بهذا الاجراء، وسط رواج فكرة اجراء انتخابات مبكرة كمخرج مناسب من الازمة العاصفة التي يشهدها النظام السياسي الفلسطيني، منذ الانتخابات التشريعية في بداية 2006 وفوز حماس وبروز ظاهرة سلطة برأسين، إلى الانقسام الذي حدث بعد الانقلاب في شهر حزيران الماضي، وأوجد سلطتين واحدة في غزة والأخرى في الضفة.

ازدحام المواضيع على جدول أعمال المجلس المركزي، لا يطمس حقيقة ان الانقسام الفلسطيني هو الموضوع الرئيسي، وما أعطى أهمية مضاعفة لهذا الأمر تطوران بارزان، الأول حدث فعلاً، والثاني محتمل الحدوث خلال الفترة القريبة المقبلة.

التطور الاول: استئناف المفاوضات وسعيها للتوصل إلى اتفاق حتى نهاية العام الحالي، وظهور ان الوضع في غزة واستمرار اطلاق القذائف والصواريخ على اسرائيل منها أعطى لاسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة الاميركية حجة قوية، جرى استخدامها أسوأ استخدام، ومن المرجح استخدامها بقوة أكبر، لتبرير عدم التقدم في المفاوضات والتوصل إلى اتفاق، أو لعدم تطبيق الاتفاق، اذا سلمنا جدلاً، بأن هناك امكانية للتوصل إلى اتفاق خلال الفترة المتبقية من رئاسة جورج بوش الابن.

ان اجتثاث "الارهاب" الفلسطيني بشكل عام، وفي غزة بشكل خاص في اطار تطبيق خارطة الطريق، وبالتالي الوضع في غزة تحت سلطة حماس الخارجة عن الشرعية الفلسطينية، المعترف بها، والتي يجري التفاوض معها أصبح حجة تستخدمها اسرائيل، والانقسام اصبح يشكل سيفاً مسلطاً على رقبة المفاوض الفلسطيني، الذي سيفاوض بموقف ضعيف وضعيف للغاية.

التطور الثاني والمحتمل ان يحدث خلال الاسابيع والأشهر المقبلة هو إطلاق سراح النواب المعتقلين من السجون الاسرائيلية، سواء من خلال إتمام صفقة تبادل الأسرى، أو من خلال إتمام معظمهم للاحكام الصادرة بحقهم، وهذا الأمر ان حدث، سيؤدي إلى توفير اغلبية داخل المجلس التشريعي، تنتمي لكتلة الاصلاح والتغيير الموالية لحركة حماس، والتي تستطيع حينها ان تدعو لعقد جلسة للمجلس التشريعي وتسقط فيها حكومة سلام فياض وتلغي المراسيم التي أصدرها الرئيس خلال ما بعد الانقلاب.

صحيح ان هناك قيوداً قانونية تحول وتعرقل الدعوة لعقد المجلس التشريعي بدون دعوة من الرئيس صاحب السلطة بالدعوة لافتتاح دورة المجلس التشريعي، وان الرئيس يتمتع بسلطة تسمح له باتخاذ قرارات تقتضيها المصلحة الوطنية في الحالات الطارئة مثل الدعوة إلى اعلان حالة الطوارئ وغيرها من الاجراءات، لكن الأمر الأهم أن أغلبية المجلس التشريعي ستكون قادرة على العمل بعد اطلاق سراح النواب خصوصاً ان المجلس التشريعي غائب ولكن لم يتخذ قرار بحله، وهذا وضع قد يؤدي الى تعميق الانقسام أو يساعد على التوصل إلى حل وطني.

البعض الفلسطيني ممن اعتبر الانقسام فرصة لعمل ما لا يمكن عمله في ظل الوحدة يتصور ان الحل بسيط ويكمن في حل المجلس التشريعي في خطوة استباقية او لاحقة لاطلاق سراح النواب. وهذا الحل الجهنمي يجعل اطلاق سراح النواب نقمة بدلاً من أن يكون فرجاً، وربما هناك من يفكر ان الأفضل أن يستمر اعتقال النواب، وهذا التفكير إن وجد يعتبر تساوقاً مرفوضاً مع الاحتلال.

وهناك من يدعو إلى حل المجلس التشريعي بطرق ذكية تستند الى حجة تبدو منطقية جداً، وهي أن الاغلبية في المجلس التشريعي لا تلتزم بـ م.ت.ف، الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني ومرجعيته العليا، ولا توافق على برنامجها والالتزامات التي عقدت وساندت أو غطت على انقلاب نفذته حركة حماس ضد الشرعية الفلسطينية، وبالتالي أسقطت كل الحقوق التي لها، ويتناسى أصحاب هذه الأفكار ان حماس شاركت بالانتخابات بدون شروط، ولا يمكن بعد نجاحها وضع الشروط عليها، وهذا البعض يطرح الاحتكام إلى الشعب عبر الانتخابات المبكرة سواء بقرار من المجلس المركزي أو المجلس الوطني أو عن طريق دعوة المجلس الوطني للانعقاد ووضع شرط على كل عضو فيه ان يوافق على برنامج المنظمة لوحده او برنامجها والتزاماتها، ومن لا يوافق تسقط عضويته اذا كان قد حصل عليها، ولا يحصل عليها اذا كان عضواً في المجلس التشريعي الذي من المفترض ان يصبح عضواً في المجلس الوطني بمجرد انتخابه، كما جرت العادة،. وكما أُقر سابقاً، وهنا تبرز اشكالية كبرى لا يمكن القفز عنها بخفة تظهر بعدم صحة ان يقوم المجلس الوطني غير المنتخب بحل المجلس التشريعي المنتخب.

السؤال هنا: اذا افترضنا جدلاً ان حماس وافقت على الانتخابات المبكرة، وهذا مستبعد جداً، بل مستحيل اذا لم يتم توافق وطني عام على رزمة متكاملة من المسائل، هل ستتمكن من المشاركة أم سيوضع عليها اشتراطات مثل الموافقة على المنظمة وبرنامجها والتزاماتها، وبذلك يتم اقصاؤها واقصاء كل المعارضين لاتفاق اوسلو وملحقاته والتزامات المنظمة، ويتم توجيه ضربة قاصمة للتعددية والديمقراطية، واذا حرمت حماس والمعارضة من المشاركة، او اذا رفضت المشاركة في الانتخابات المبكرة، فكيف ستجري الانتخابات في غزة، وهي تحت سيطرة حماس؟ هل يراهن البعض على قيام اسرائيل باحتلال غزة مجدداً، كما تتحدث الأنباء عن خطط اسرائيلية موضوعة لذلك، أم يمكن اجراء انتخابات بدون غزة، بدون ثلث المواطنين في الضفة وغزة؟؟ هناك فرق حاسم بين وضع الاعتراف بالمنظمة كشرط وبين المطالبة بالموافقة على برنامجها والتزاماتها لأن مثل هذه المطالبة تقود إلى سيطرة الرأي الواحد والحزب الواحد.

اعتقد ان افضل او اهون شيء أن يكرر المجلس المركزي قراره السابق بتشكيل لجنة للتحضير للدعوة لاجتماع المجلس الوطني، يكون من ضمن اهدافها العمل على تطبيق ما جاء في اعلان القاهرة ووثيقة الاسرى بهذا الخصوص، والتلويح لحماس وغيرها بأن الاستمرار في التمسك بالسلطة في غزة، سيعمق الانقسام وسيؤدي الى ما لا تحمد عقباه لها وللجميع وللقضية، بما في ذلك الدعوة الى انعقاد المجلس الوطني بتركيبته القديمة، لأن القضية الفلسطينية اكبر من كل الفصائل ولا يجب ان تبقى رهينة لأحد ويجب ان لا نسقط من الحسبان، ان النواب الأسرى لم يشاركوا في الانقلاب، وربما لا يوافقون عليه، وقد يكونون لبنة بناء وليس عنصر هدم. لذا يمكن ان يشكل اطلاق سراحهم فرصة لمعالجة الانقسام بصورة صحيحة مثلما كانت وثيقة الأسرى السابقة بداية الخروج من المأزق ، ان معالجة الانقسام لا تتم فقط بالتراجع عن الانقلاب، وهذه خطوة اولى ضرورية، لكنها لا تكتمل بعودة الامور إلى ما كانت عليه، لأن الوضع السابق هو الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه، وانما لا بُد من معالجة جذور الانقسام وأسبابه. وحتى يتم ذلك لأ بد من تشكيل لجنة تحقيق وطنية ومستقلة ومحل ثقة من الجميع مهمتها معرفة ما جرى ووضع الاقتراحات لمعالجته، ومنع تداعياته خشية ان تؤدي الوحدة اذا جاءت شكلية وعلى أساس المحاصصة وليس الشراكة الوطنية، إلى عمليات ثأر وانتقام لا تنتهي.

ان الخروج من المأزق يقتضي اولاً اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني: برنامج العودة والحرية والاستقلال، والاتفاق على مرجعية واحدة، وخطط العمل، واشكال النضال الكفيلة بتحقيقه. واذا لم يتم الاتفاق على البرنامج وكيفية التعامل مع التزامات المنظمة والسلطة بصورة ديمقراطية ومسؤولة، لا بُد من الاحتكام للشعب عبر انتخابات وظيفتها حسم أي برنامج يريده الشعب، والتزام الجميع مسبقاً باحترام إرادة الشعب أياً ما تكون، طبعاً في كل الاحوال يجب الاحتكام إلى الشعب، وإلى الانتخابات المبكرة، لأن اتفاق الفصائل لوحدها وعلى اهمية دورها لا يكفي، لانها لا يمكن ان تحل بدلاً عن الشعب، ولكن ان نذهب الى انتخابات ونحن موحدون على مرجعية وطنية واحدة وبرنامج واحد، ومتفقين على قواعد اللعبة بعيداً عن العنف والحسم العسكري والتخوين والاقصاء والتفرد والهيمنة افضل مليون مرة من الذهاب اليها ونحن مختلفون!!

ويمكن ان يتضمن أي اتفاق تشكيل حكومة انتقالية من كفاءات وطنية مستقلة مهمتها التحضير للانتخابات الرئاسية والتشريعية خلال مدة اقصاها عام، وعلى أساس التمثيل النسبي الكامل، حتى لا نواجه سلطة برأسين وبرنامجين،. وعودة إلى المحاصصة الفصائلية أو الثنائية مجدداً، كما على الحكومة الانتقالية ان تعالج ذيول الانقسام فهناك مئات الضحايا والمعاقين والمتضررين الذين لا يجب تجاهل معاناتهم ويجب تعويضهم. كما أن أي اتفاق وطني يجب أن يشمل النظر بأوضاع الاجهزة الأمنية وحل القوة التنفيذية والميليشيات المسلحة الفصائلية والعائلية، بحيث يكون لدينا أجهزة أمنية وطنية ومهنية بعيدة كلياً عن الحزبية، ومراكز القوى، وتلتزم بعقيدة أمنية تستمد أساساً من المصلحة والأولويات الوطنية.

واخيراً، ان أي اتفاق يجب أن يكون في قلبه اصلاح وتفعيل واعادة تشكيل م.ت.ف، وضم الفصائل والقطاعات والفعاليات التي لا تزال خارجها، وعلى أساس ان المنظمة قائدة ومدافعة عن أهداف ومصالح الشعب الفلسطيني داخل الوطن المحتل وخارجه!؟

 

 

مشاركة: