الرئيسية » هاني المصري »   04 آذار 2008

| | |
المحرقة والرد الفلسطيني
هاني المصري

لو أرادت اسرائيل تجنب التصعيد العدواني وارتكاب المجازر التي وصلت الى حد المحرقة، كما هدد متان فلنائي نائب وزير الدفاع الاسرائيلي، لكان بمقدورها ذلك، فحركة حماس تريد التهدئة، كما صرحت عبر رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، وكما أفاد يوسي بيلين، رئيس حزب ميرتس، حين اشار الى انه يعرف عن عرضين للتهدئة قدمتهما حماس بوساطة اوروبية. كما ان حكومة اولمرت كان بمقدورها ان تنتظر زيارة الوزير المصري عمر سليمان التي كانت مقررة وألغيت بعد المحرقة، وكانت ستبحث في عرض للتهدئة وآخر لصفقة تبادل الاسرى.


لكن حكومة اولمرت، لا تريد تهدئة متبادلة وانما تريد استرجاع هيبة الردع الاسرائيلية بعد تقرير فينوغراد، عبر محاولة الانتصار في غزة، كما تريد ان يحدث في غزة، تماما مثلما حدث في الضفة، وقف للنار وللمقاومة من جانب واحد، بينما تحتفظ اسرائيل بحقها بالاقتحام والاغتيال وهدم المنازل والاعتقالات وتشديد الحصار. فأية هدنة متبادلة، وتشمل الضفة وغزة، كما تطالب حماس والجهاد الاسلامي، وغيرهما من الفصائل، تقدم نصرا لهما ولمنطق المقاومة. فأية تهدئة متبادلة لا تتضمن وقفاً شاملاً ونهائياً لإطلاق النار والمقاومة، يمكن ان تكون استراحة المحارب، ويمكن ان تستغلها الاجنحة العسكرية الفلسطينية لالتقاط الأنفاس والتدريب والحصول على مزيد من الاسلحة، والاستعداد للعمليات والجولات القادمة. ويمكن ان تكون فاتحة لإطلاق عملية سلام جادة وقادرة على انهاء الاحتلال وتحقيق الأمن والاستقرار والسلام.

اسرائيل تريد، كما اعلن اولمرت وأركان حكومته وحربه، وقفاً تاماً لإطلاق القذائف والصواريخ اولاً، وبعد ذلك تنظر الحكومة الاسرائيلية بوقف العدوان العسكري مع الاحتفاظ بحق استئناف العمليات العسكرية متى ارادت ذلك، ومع استمرار الحصار والاغلاق الذي حول قطاع غزة الى اكبر وأطول سجن في التاريخ. ولا تقتصر الاهداف الاسرائيلية من العدوان الحالي على وقف اطلاق الصواريخ والقذائف على جنوب اسرائيل، وانما هناك أهداف اخرى اكبر، وتندرج في سياق المخطط الاستراتيجي الاكبر الرامي الى كسر إرادة الشعب الفلسطيني على الصمود والمقاومة، وتغيير وعيه ودفعه للتعايش وقبول ما تعرضه اسرائيل من عروض تصفوية، من شأنها اذا تم قبولها فلسطينياً أن تصفي القضية الفلسطينية من وفي مختلف أبعادها.

في هذا السياق، نضع تصريحات حاييم رامون وإيهود باراك عن ان الهدف الاسرائيلي هو اسقاط حماس وهزيمتها، لأن رأس حماس مطلوب طالما لم تلتزم بالشروط الاسرائيلية الثلاثة.

تأسيساً على ما تقدم، تعتبر تصريحات رياض المالكي، الناطق باسم الحكومة، في وقت ارتكاب المحرقة الاسرائيلية بعيدة عن المسؤولية الوطنية وتستوجب توضيحاً من الحكومة هل تمثلها هذه التصريحات أم لا؟

وفي هذا الوقت بالذات، الذي يتطلب توحيد الجهود لإدانة العدوان والمذابح، فالمالكي صرح بأن الصواريخ ألعاب نارية، وبأنها تقدم الذرائع لإسرائيل لارتكاب العدوان، وان الحكومة تدين الصواريخ بنفس الحدة والشدة التي تدين فيها العدوان الاسرائيلي (المساواة بين الجلاد والضحية)، وقدم المالكي عرضاً شاملاً لوسائل الإعلام لإثبات أن حماس تتحالف مع القاعدة وتسهل تواجدها في قطاع غزة، وهذه تصريحات مرفوضة، وتجعل ما تقوم به اسرائيل جزءاً من الحرب العالمية على "الإرهاب" وهذا يحشد تأييداً عالمياً لإسرائيل، يمنع من إدانتها دولياً على المحرقة التي تنفذها في غزة.

ما سبق لا يعتبر دفاعاً عن منطق اطلاق القذائف والصواريخ، كأسلوب يكاد يكون وحيداً للمقاومة المسلحة في هذه الفترة، وانما هو محاولة لوضع الامور في نصابها، فإسرائيل لديها مخطط أصلي تنفذه سواء اذا كانت هناك صواريخ تطلق عليها او اذا لم يكن هناك صواريخ، والدليل على ذلك ان العدوان بكل اشكاله العسكرية وغير العسكرية مستمر في الضفة رغم عدم وجود قذائف وصواريخ تطلق على اسرائيل من هناك، ورغم ان السلطة (رئاسة وحكومة) ملتزمة بخارطة الطريق بما في ذلك وقف المقاومة وسحب سلاحها وتفكيك بنيتها التحتية. وليس أحب لإسرائيل أن تنفذ مخططها دون اطلاق رصاصة واحدة، اذا استسلم الشعب الفلسطيني ولم يقاوم الاحتلال والسياسات الرامية لتكريسه وتعميقه.

لو أن سياسة السلطة في وقف المقاومة واعتماد المفاوضات كأسلوب وحيد، أثبتت نجاعتها، لكانت الانتقادات "للمقاومة العبثية" مشروعة وتنسجم مع المصلحة الوطنية. ان تطبيق الالتزامات الفلسطينية في خارطة الطريق، على احسن وجه، لم يقنع او يشجع اسرائيل على تطبيق التزاماتها، وانما فتح شهيتها لمواصلة تنفيذ مخططاتها العدوانية والتوسعية العنصرية بسرعة اكبر وتكاليف اقل، ولعل ما يجري في القدس، وعلى صعيد التوسع الاستيطاني واستكمال بناء جدار الفصل العنصري، وادخال المفاوضات في حلقة مفرغة واستخدامها كغطاء لسياسة فرض الحقائق على الارض، شواهد على ان "مفاوضات عبثية" كهذه لا تصلح لتقديمها رداً مقنعاً على "المقاومة العبثية". هذا مع الفرق بين الجلاد والضحية، حتى اذا ارتكبت الضحية أخطاء اثناء الدفاع عن نفسها. فهناك فرق بين من يقاوم ومن لا يقاوم، مع ضرورة اخضاع المقاومة لحساب الربح والخسارة. فلا يعقل أن يموت اسرائيلي واحد مقابل استشهاد أكثر من 50 فلسطينياً. فالحفاظ على الثروة البشرية واجب وطني. واذا كانت الامور على هذا النحو، فلا يكفي قرار الرئيس ابو مازن، على اهميته، بتعليق المفاوضات لحين وقف العدوان، خصوصاً بعد أن لم تكترث الحكومة الاسرائيلية لهذا القرار، كما اتضح، سواء من عدم التعليق الرسمي الاسرائيلي عليه او من قول تسيبي ليفني وزيرة الخارجية بأن تعليق المفاوضات لن يؤثر على الخطة الاسرائيلية إزاء غزة.

لا يعقل أن تستمر المفاوضات، او نكتفي بتعليقها فقط، في ظل استمرار العدوان بكل اشكاله في الضفة وغزة، ومع استمرار المجازر والحصار وفصل القدس وتهويدها وتقطيع أوصال الضفة، وفرض الحصار الخانق والمحرقة في غزة. واذا كان لا بد من المفاوضات من أجل المجتمع الدولي واظهار استعداد الفلسطينيين لحل عادل او متوازن، فلا بد من الجمع ما بين المفاوضات والمقاومة المثمرة القادرة على توحيد الفلسطينيين وعلى تحقيق أهدافهم الوطنية، وهذا يتطلب السعي لإطلاق مفاوضات مثمرة من خلال النضال لتحقيق ما يلي: اولاً: ايجاد مرجعية واضحة وملزمة للمفاوضات بحيث يكون هدفها واضحاً منذ البداية، وهو انهاء الاحتلال عن كافة الاراضي المحتلة العام 1967 وحل مشكلة اللاجئين حلاً عادلاً.

ثانيا: استعادة القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية كمرجعية للمفاوضات بما في ذلك الفتوى القانونية لمحكمة لاهاي الدولية.

ثالثا: العمل من اجل رعاية دولية حقيقية للمفاوضات وتوفير ضمانات دولية جادة، وآلية تنفيذ ملزمة، وجداول زمنية قصيرة لتطبيق ما يتفق عليه.

ان المحرقة عمل ضار جداً، ولكنها يمكن أن توفر فرصة لتوحيد الفلسطينيين، وليس لتصفية الحساب بينهم كما يحدث حتى الآن، فليس من الوطني ولا الأخلاقي استخدام الدم الفلسطيني لمصلحة طرف ضد طرف، بل لا بد من معرفة ان العدوان، رغم توقف مرحلته الاولى، مرشح للاستمرار والتصاعد، وهذا يثبت مجدداً، ان الاحتلال هو الخطر الأعظم، وهو يحدق بالفلسطينيين جميعاً، وعليهم التوحد لدحره بسرعة وقبل فوات الأوان.

"الوحدة... الوحدة"

ومن يبادر لإطلاق مبادرة لإنهاء الانقسام وتحقيق المصالحة الوطنية، او الى الموافقة على المبادرات المتوازنة المطروحة، مثل مبادرة منتدى فلسطين، يثبت انه يتحلى بالمسؤولية والحرص على الشعب والقضية والارض. ومن يركب رأسه ويعاند، ويستمر في التمسك بالشروط والشروط المقابلة، فهو يتحمل مسؤولية الكارثة التي حدثت، والكوارث التي ستحدث ما دام الانقسام السياسي والجغرافي الفلسطيني قائماً! فهل نرى مبادرة من فتح وحماس تنهي سلطة الأمر الواقع والانقسام، وتتشكل حكومة مركزية واحدة يلتف حولها الجميع ويتم اعادة الاعتبار للبرنامج الوطني وإصلاح م.ت.ف وضم الجميع اليها، وإصلاح السلطة والأجهزة الأمنية بحيث يكونون للوطن وليس لهذا الفصيل او ذاك، او لمركز القوة هذا او ذاك؟!!.

 

 

مشاركة: